الثلاثاء ١١ أيار (مايو) ٢٠٢١

شعرية الحدود في قصيدة شفيق الإدريسي «أمشي على ظللي»

ابراهيم الديب


تحمل نصوص شفيق الإدريسي دائما الكثير من العبق والكثير من الثقوب والثغرات... الثقوب المفتوحة على الربيع والضوء والريح والبحر والجروح والندوب والعتمات .... ثقوب تضعنا وسط اللجة تماما حيث الطرق تحيط بنا من كل جانب... صعب أن تكون هناك طرقات ودروب كثيرة، إنها صورة تجسد الحيرة والقلق والخوف وكل شيء... طرق كثيرة وشاعر وحيد (صورة تذكرنا بالطفولة والأبطال والأساطير والحكايات... أكبر مشكلة كان يعاني منها الأبطال قديما هي إيجاد الطريق حتى أن المعرفة البشرية ارتبطت كثيرا بالطرق من خلال الرحلات ، وكتب الجغرافيا والتاريخ (المسالك والممالك).

مشكل الطفل أن يضيع الطريق إلى البيت (أقول في شذرة من قصيدتي نشيد الدخول إلى المدينة": أقصى ما أكرهه أن تتشابه علي الطرقات/ وأضيّع عنوان البيت/ أو أن أجد نفسي أحملق في وجهه لا أعرفه). هنا في هذا النص، وهو بلا عنوان (أغلب نصوص المبدع شفيق الإدريسي بلا عناوين، بلا إسم) وأتساءل هل هذا اختيار فني ودلالي أم أن الأمر هكذا وفقط، أي أنه يدخل فيما سميته بالثقوب والثغرات والتي تكون وراءها بواعث كثيرة واضحة وغير واضحة، واعية وغير واعية.... هنا يقذف بنا مباشرة إلى اليم إلى اللجج والموجات العظيمة .... إلى طرقات ورحلات وأسئلة ومحاولات وتمترسات واختيارات حتى أن النص يبدو جسدا واحدا، جسدا مكثفا وملتحما وانفجاريا، إنه أشبه بكثلة واحدة، أو جملة واحدة، لكنها كثلة/ جملة بوجوه وإيحاءات وظلال وامتدادات وأصداء وظلال شتى... كل كلمة هنا وراءها عمودية هائلة بئرية عميقة.

العلاقة بين الدال والمدلول علاقة بعيدة، يلزم القارئ صبرا كبيرا ومشيا حثيثا للوصول إلى المدلول أو بالأحرى لآثار وأطراس المدلول.... وأنا أحاول أن أدخل إلى كون الشاعر، أو إلى سيمياء الكون عنده بتعبير يوري لوتمان، وجدت أن الشاعر شفيق يبني عالمه على الإثنانية واللاتناظر والحدود .... الشاعر يضعنا في هذه الحدود بين العتمة والضوء، الإثبات والنفي، الجواب والأسئلة، الخبر والإنشاء، اليقين والشك، الليل والنهار، الأسفل والأعلى، الواقع والحلم.... وهو هنا يذكرنا بكل العابرين للحدود الممنوعة والزلقة والخطيرة... وما يكابدونه من قلق وحمى وهواجس قبل الارتماء الكامل في حضن المغامرة، في حضن التجربة... وهذا ما يفعله الشاعر إنه يفتح عالمه بالمشي على عادة المشائين الكبار (أمشي على ظلي). جملة كبيرة وكثيفة وواعدة، إنها أشبه بعنوان، بتسمية ، تسمية لحالة، لقصيدة، لكون، لشيء ما .... شيء صعب وخطير على كل حال... الدليل على ذلك أنه مصحوب بالذعر والوهج والهذيان .... هل يصف الشاعر عملية الإبداع؟ وما تتطلبه من ألم ومخاض ومكابدات؟ هل يصف الحياة في تعرجاتها وزئبقيتها وانفلاتها؟ ولكن كلما توغلنا معه في هذه المغامرة الخطرة نشعر أن الشاعر يصف لنا عملية الانتقال الصعبة من العتمة إلى الضوء، من الموت إلى الحياة، من الحزن إلى الفرح، من الصمت إلى الكلام، من العقم إلى الولادة، من الجفاف إلى الخصب... كل ذلك يقوله الشاعر من خلال استعارة تشبه الجسر بين الكونين حينما يقول: (من أين يغزو/ الضباب الأسود/ شرفات ذاكرتي) .... إنها صورة كبرى تمكنت من تحويل الظلمة والسواد والسلب إلى سواد جميل وممطر ومنتج وإيجابي، سواد واعد بالمطر والإبداع والحياة.... أليست هذه هي وظيفة الإبداع الأولى: الانتصار على العقبات والمخاطر والمخاوف، الانتصار على الزمن والموت والخسارات؟.... وهذا ما يفعله الصديق شفيق الإدريسي إنه يطهر نفسه ويطهرنا معه بلغة أرسطو، ويشفي نفسه ويشفينا بلغة فرويد، ويرقّي نفسه ويرقينا معه بهذه القصيدة/ التعويذة الجميلة.... تبارك الله عليك صديقي الجميل سي شفيق.... مع مودتي الغزيرة ...

قراءة ابراهيم ديب

أمشي على ظلي

قصيدة لشفيق الإدريسي

أمْشِـي على ظلّـي
يسكنُنِـي الذُّعـر
والوهَـج
والهذيَـان
أغُـوص في رحَـاب العَتمَـة
مُنكفئـاً بأوراق الكوابِيـس
والخُطُـوات المَـذعُورة
لسْـتُ أدري...
مِـن أيْن ينسَـابُ
الحِبْـر المتوهِّج أحلامِـي...
مِـن أين يغْـزو
الضَّبـاب الأسْـود
شُرفَـات ذاكرتِـي
تلمسنِـي أنَامِـلُ الشَّـك،
فتعمِـي أبْصَـاري...
فِي عُـري النَّهـار
أيُّـها الحُـزن...
متَـى ينام اللَّيل على مَرقَـدِي
متَـى أَرُوحُ...
وأغْـدو...
حامِـلا مزهريةً سماويَـةً
تغمُـرها الغَمَـامُ
على صفحة المَـاء
انَـا الـذِي...
أحملُ أسْفَـار السنين
يَـا جُرحِـي في ذاتِـي
يَا صَمْـتَ الكلمَـات...
لَربَّـما كنْـتُ أحلُـم في الفَـراغ
فَليْس لي من الَّليل سِـوى السّهاد
هل مَـات الخَريـف،
على عتبـات أحْـزان الرَّبيـع؟!

ابراهيم الديب

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى