عابر بين أمانات
لم يكن الإنسان يومًا مالكًا مطلقًا لما بين يديه، وإن كان يظن أن مفاتيح الحياة قد استقرت في خزائنه.
منذ نعومة أظافره، كانت النعم تتدفق عليه دون أن يطلبها: عينان يرى بهما، أذنان يسمع بهما، لسان يعبّر، عقل يفكر، قلب يحب، يد تمتد، قدم تسعى، ووقت يتسع لأحلامه. ثم تتوسع الدوائر؛ بيت يأويه، أهل يحيطونه، مال يأتيه، علم يرفع قدره، صحة تعينه، وأشخاص يضعهم الله في طريقه فيصبح وجودهم جزءًا من معاني أيامه.
كان يقول: هذا ملكي.
لكن الحقيقة كانت أعمق من كلمة "ملكي".
كم تملك؟
بل كم اؤتمنت؟
توقف.... انظر إلى يديك.
هاتان اليدان اللتان تظنهما ملكك، كم مرة كانتا قادرتين على العطاء؟ وكم مرة استخدمتهما للأخذ فقط؟
ثم انظر إلى لسانك.... كم كلمة أصلحتَ بها قلبًا؟ وكم كلمة كسرتَ بها كيانًا؟
إلى عقلك.... كم فكرة أنرتَ بها طريقًا؟ وكم فكرة صنعتَ بها عذرًا لظلمك؟
انظر إلى مالك... كم محتاجًا مرّ بجوارك وأنت تملك أن تمد إليه شيئًا، لكنك قالت: "مالي وأنا الأحق به"؟
وإلى وقتك... كم ساعة أنفقتها في اللهو، بينما كانت هناك أعمار كاملة تنتظر منك موقفًا، أو كلمة، أو رحمة؟
هنا يجب أن تفهم.
لم تكن تلك النعم ملكية نهائية، بل أمانات مؤجلة، والأمانة لا تُقاس بقيمتها حين تصل إلى يدك، بل بما تفعل بها قبل أن تُسترد منك في آخر المطاف.
الصحة أمانة، والعلم أمانة، والمال أمانة، والأبناء أمانة، والوالدان أمانة، والمكانة أمانة، والقدرة أمانة، والشباب أمانة وحتى الوقت الذي يظنه الإنسان ملكًا خاصًا به ليس إلا مدة محدودة في سجل لا يراه ولكن تقريبا يسمعه يقول:" يمكنك أن تستعملني، لكنك لن تتملكني الامتلاك المطلق".
فالنظر امتحان، والكلام امتحان، والصمت امتحان، والغنى امتحان، والفقر امتحان، والقوة امتحان، والضعف امتحان، والحب امتحان، وحتى الفقد امتحان.
لم تُعطَ النعمة دائمًا لتريح صاحبها؛ غالباً ما تُعطى لتكشفه، فالمال قد يكشف كرمه أو جشعه
والعلم قد يكشف تواضعه أو غروره، والقوة قد تكشف رحمته أو طغيانه، والجمال قد يكشف بريقه أو ظلمته.... والمنصب قد يكشف عدله أو استعلاءه.
حتى الألم نفسه قد يكون أمانة؛ لأنه يعلّم الإنسان معنى الصبر، ويعيده إلى حجمه الحقيقي، ويذكّره أن الذي أعطى قادر على أن يأخذ.
وهكذا تمضي الحياة.
يصل الإنسان إلى الدنيا خالي الوفاق، ثم تمتلئ يداه، فيظن أنه استغنى، بينما هو في الحقيقة استُخلف ليُختبر.
ثم يأتي يوم لا يحتاج فيه إلى أن يتخلى عن شيء؛ لأن الأشياء هي التي تتخلى عنه.
يترك المال وراءه.
يترك البيت.
يترك المنصب.
يترك الشهرة والألقاب.
يترك الجسد الذي طالما اعتنى به.
حتى من أحبهم لا يمكنه أخذهم معه.
وحينها فقط، يدرك أن السؤال لم يكن:
"كم امتلكت؟"
بل:" ماذا فعلت بما اؤتمنت عليه؟"
لقد كانت الحياة كلها دفتر وصولات أمانة وكل نعمة فيه صفحة، وكل قدرة سؤال، وكل فقد جواب، وكل يوم مهلة جديدة.
ولذلك، ليس الإنسان مالكًا نهائيًا لشيء، إنه عابر بين الأمانات... يُعطى ليُختبر، ويُمنح ليُحاسب، ويُمهل ليُحسن استعمال ما بين يديه.
فربما كانت أعظم حقيقة ينبغي أن يتعلمها الإنسان قبل أن يودّع الدنيا:
كلك أمانات... وما بين يديك ليس لك إلى الأبد، وإنما لك فيه امتحان مؤجل، ثم موعد لا يتأجل.
