رماديّ آيلٌ للسواد
لم يكن حزينًا ليبكي، ولا سعيدا ليبتسم. كان عالقًا في منطقة رمادية لا تعرفها الألوان، تتسلّل إلى روحه ببطء، حتى صار يرى العالم من خلالها؛ الوجوه باهتة، والأحاديث متعبة، والغد نسخة مؤجلة من يومٍ لم (…)
لم يكن حزينًا ليبكي، ولا سعيدا ليبتسم. كان عالقًا في منطقة رمادية لا تعرفها الألوان، تتسلّل إلى روحه ببطء، حتى صار يرى العالم من خلالها؛ الوجوه باهتة، والأحاديث متعبة، والغد نسخة مؤجلة من يومٍ لم (…)
لم تكن أمي ترتدي تاجًا، لكن البيت كان يعرف جيدًا أنها ملكته. كانت تستيقظ قبل الجميع، وتنام بعد أن تطمئن إلى أن كل شيء في مكانه، وكل قلب لديه ما يسدّ حاجته، وكل حزن في البيت يستند إلي كتفاً من (…)
لم تبدأ السيجارة الأولى سوى بفضولٍ صغير، هكذا أقنع نفسه وهو يراقب الدخان الذي يتلوّى بين أصابعه، كأنّه ثعبانٌ أبيض يعرف الطريق إلى رأسه. لم يكن يدري أنّ بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل تُفتح من (…)
لم تكن المساحات مقياسا للأمكنة في اعتقاده، بل بما تتركه الأمكنة من مسافات لا تُرى. وأن الانسان لا يسعه العيش في مكان واحد، بل يتوزع على شتى الفضاءات، البعض منها تسكنها الذاكرة ولا تطأه الأقدام، (…)
كان حجراً صغيراً، لا يلفت النظر بين أكوام الحجارة التي تملأ المكان. لم يكن مستديراً بما يكفي ليُزيّن نافورة، ولا مستوياً بما يكفي ليُفرش في ساحة، ولا كبيراً بما يكفي ليكون قاعدة يُبنى عليها شيء. (…)
في البداية، كانت التفاهة تأتيه خفيفة، في مقطع لا يتجاوز عشرين ثانية، فيضحك وينتقل إلى غيره. ثم صارت عشرين مقطعا.... ثم مئتين. ثم أصبح الصمت نفسه يسبب له الإزعاج. كان يضع سماعاته قبل أن يفتح (…)
لم يعد أحد يعرف متى اختفت مظاهر اللقاء لم يكن هناك إعلان رسمي، ولا يوم حداد، ولا خبر عاجل يتناقله الناس. اختفت ببساطة، كما تختفي الأشياء التي اعتدناها كثيرًا حتى نظن أنها لن تغادرنا أبدًا. كان (…)
لم يكن في ذلك الطريق شيءٌ يدعو إلى الأمل. إسفلتٌ أسود يمتدّ بلا نهاية، تدهسه العجلات باستمرار، وتغسله الأمطار ثم تعيده الشمس إلى قسوته الأولى. على جانبيه أرصفة متشققة، وأبنية رمادية، ووجوه تمضي (…)
في صومعة قديمة بأطراف المدينة، قضى رجلٌ عمره في البحث عن السر الأكبر للحياة. كان يرى الناس حوله يركضون خائفين من الألم، ويفزعون عند هبوب نسائم الحزن، بينما يلهثون وراء العافية والسعادة وكأنهما (…)
كان يظن أن العمر يمضي قدما حتى اكتشف، متأخرًا، أنه كان يعود إليه من حيث لا يدري في طفولته، كان يكره الليل كلما انطفأت الأنوار كان يختبئ تحت الغطاء، ويتخيل خلف الباب أشباحًا لا وجود لها وكانت أمه (…)