الثلاثاء ٢٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
دراسة فائزة في القائمة القصيرة، مسابقة ديوان العرب رقم ١٢
بقلم جابر فتحي أحمد

قراءة نقدية في خمسة نماذج روائية ( 1969 -11 2012 م)

د. جابر القصاص - مصر

المقدمة:
لا شكَّ أن القضية الفلسطينية من أكثر القضايا حضورًا واستمرارًا في المتن الروائي العربي الحديث، إذ تجاوزت كونها موضوعًا سياسيًا أو تاريخيًا لتغدو بنية سردية وثقافية عميقة تتقاطع فيها مفاهيم الهوية، والذاكرة، والمنفى، والمقاومة، والوجود الإنساني، وقد استطاعت الرواية العربية، بوصفها جنسًا أدبيًا مرنًا وقادرًا على استيعاب التحولات، أن تؤدي دورًا مركزيًا في حفظ الذاكرة الفلسطينية، ومساءلة السرديات الاستعمارية، عبر تمثيلات فنية متعددة تتراوح بين التوثيق الرمزي، والسرد الملحمي، ورواية الشهادة، والتحليل الاجتماعي، وبذلك أسهمت في إعادة إنتاج فلسطين بوصفها حقيقة ثقافية وإنسانية متجددة، ويهدف هذا البحث إلى دراسة تمثلات فلسطين في خمس روايات عربية مركزية، تمثل اتجاهات سردية مختلفة، وهي:

 أم سعد، للكاتب غسان كنفاني، وهي من أهم النصوص السردية القصيرة في الأدب الفلسطيني المقاوم، وقد كُتبت في سياق تصاعد الوعي الوطني الفلسطيني بعد نكبة 1967، لكنها تعود بأصل القضية إلى تبعات النكبة الأولى سنة 1948، وأهميتها الأدبية أنها «تعيد صياغة التاريخ في السنوات العشرين التي تلت تلك النكبة». والرواية لا تقوم على حبكة تقليدية متسلسلة، بل تُبنى على مشاهد وتأملات ترصد حياة المخيم الفلسطيني، متخذة من شخصية أم سعد محورًا رمزيًا جامعًا، فالرواية إذن ليست سيرة فرد، بل سيرة طبقة كاملة؛ طبقة اللاجئين الفقراء الذين تحوّلت معاناتهم اليومية إلى وعي سياسي وفعل مقاوم، كما أنها تمثل مرحلة متقدمة في تطور فكر غسان كنفاني، حيث ينتقل من رصد العجز (رجال في الشمس) إلى تمجيد الفعل (أم سعد).

 باب الشمس، للكاتب إلياس خوري، وهي واحدة من أهم الأعمال السردية العربية التي تناولت القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية وذاكرتية، حيث لا تكتفي بسرد التاريخ، بل تعيد تفكيكه عبر الحكاية، وتمنح الصوت للمهمّشين والمنسيين في سرديات النكبة والمنفى، وهي بذلك تقوم بإعادة «لكتابة التاريخ الفلسطيني من منظور شعبي، بعيد عن التشويه والمزايدات، لأن السارد استقى المادة التاريخية الخام من ذاكرة جماعية مقارنة، أضفى عليها طابعًا تخييليًا دون المساس بحقائق التاريخ الثابتة».
إنها ليست رواية عن حدث تاريخي فقط، بل رواية عن الذاكرة والهوية، والحب بوصفه مقاومة، وعن الإنسان الفلسطيني خارج (التنميط الأيديولوجي)، وهي من أبرز النصوص التي نقلت الرواية الفلسطينية من الخطاب التعبوي إلى السرد الإنساني العميق.

 صورة وأيقونة وعهد قديم، للكاتبة سحر خليفة، وهي تنتمي إلى المرحلة الناضجة في مشروع سحر خليفة الروائي، حيث تتقاطع القضية الوطنية الفلسطينية مع قضايا المرأة، والسلطة، والذاكرة، والبنية الاجتماعية الأبوية، وهي لا تقدّم الرواية فلسطين بوصفها ساحة مواجهة خارجية فقط، بل تكشف عن التشوهات الداخلية التي يعانيها المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، ولا سيَّما ما يتعلق بصورة المرأة ودورها. والرواية تطرح سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن لمجتمعٍ يقاوم الاحتلال أن يتحرر، وهو يقمع نصفه باسم القيم نفسها؟ وهي بذلك تُعدّ نصًا مفصليًا في الأدب الفلسطيني النسوي، إذ تربط بعمق بين التحرر الوطني والتحرر الإنساني.

 زمن الخيول البيضاء، للكاتب إبراهيم نصر الله، وهي ملحمة روائية تاريخية، ترصد سيرة فلسطين من أواخر العهد العثماني مرورًا بالانتداب البريطاني وصولًا إلى نكبة 1948، من خلال قرية فلسطينية متخيّلة تمثّل الريف الفلسطيني في أنقى صوره. والرواية تعيد كتابة التاريخ الفلسطيني الحديث «لا كما حفظه التاريخ الرسمي، ودونته المدونات التاريخية الرسمية، وإنما تؤرخ وترد على التاريخ الرسمي من خلال الوثائق والأحداث الفعلية من عسكرية وسياسية، وتورد في قلب هذه الوقائع حكايات البشر والشخصيات».
كما أن الرواية لا تؤرّخ للحدث السياسي فقط، بل تؤرّخ للإنسان الفلسطيني وعلاقته بالأرض والكرامة والذاكرة، وهي تمثّل ذروة المشروع الروائي لإبراهيم نصر الله في إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني من وجهة نظر الضحية الواعية، لا المؤرّخ الرسمي.

 الطنطورية، للكاتبة رضوى عاشور، وهي تنتمي إلى ما يُعرف برواية الشهادة، إذ تقوم على استعادة الذاكرة الفردية لتوثيق مأساة جماعية، هي مجزرة الطنطورة عام 1948م، وما تلاها من اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، مما يجعلها أقرب إلى «توثيق تاريخي لأهم مفاصل المأساة الفلسطينية: القتل، التهجير، اللجوء، المخيمات، الفقر، الحروب، الاغتيالات، والإحباطات التي تعرضت لها القضية». والكاتبة لا تكتب التاريخ بوصفها مؤرخة، بل بوصفها شاهدة منحازة للضحايا، تجعل من السرد فعلًا أخلاقيًا في مواجهة النسيان والإنكار، والرواية تفضح السردية الصهيونية التي تنكر المجازر، من خلال سرد هادئ يستمد قوته من صدقه الإنساني، وهي بذلك واحدة من أهم الروايات العربية التي أعادت تعريف الأدب بوصفه ذاكرة مضادة للتاريخ الرسمي.
وتعتمد الدراسة على المنهج التحليلي النقدي، مستفيدة من المقاربة الموضوعاتية والتحليل السردي، للكشف عن صورة فلسطين بوصفها ذاكرة جمعية، ومأساة تاريخية، ومجالًا للمقاومة والحياة، وترتكز على أربعة محاور:
1- فلسطين والذاكرة في الرواية العربية.
2- فلسطين والمأساة التاريخية.
3- فلسطين والمقاومة.
4- البنية والسردية والجمالية.

أولًا: فلسطين والذاكرة في الرواية العربية
تحتل الذاكرة موقعًا مركزيًا في الرواية الفلسطينية والعربية التي تناولت القضية الفلسطينية، إذ تتحول من مجرد استدعاء للماضي إلى أداة مقاومة ثقافية في وجه النسيان والطمس، فالذاكرة في هذه الروايات ليست حنينًا سلبيًا، بل وعيًا تاريخيًا يسعى إلى تثبيت الحق ومساءلة الحاضر. وتتجسد فلسطين في الروايات الخمس -المعنية بالبحث- كذاكرة توثّق المعاناة والخسارة التاريخية، وتصبح ذاكرة جماعية يحتفظ بها الأفراد والمجتمعات داخل النصوص، في مقابل ما يقوم به الاحتلال الصهيوني من عمل دؤوب في سبيل محو هذه الذاكرة من وجدان الأجيال العربية الناشئة، وتغييب التاريخ الفلسطيني «الذي يُعدُّ بالنسبة إلى الغرب لا مرئيًّا، أو مخفيًّا مقابل نزعة خطابية تراجيدية عالية الصوت، يتقنها الخطاب الصهيوني الذي يهيمن على الذاكرة الغربية»، مسخرًا كل أدواته القمعية والوحشية لتحقيق ذلك.
ومن ثم جاءت هذه الروايات لتؤرخ للتاريخ الفعلي والرسمي معًا، فرواية (زمن الخيول البيضاء) تعود بالتاريخ إلى نهايات الدولة العثمانية، وتستعرض جزءًا شديد الأهمية والحساسية من التاريخ الفلسطيني السابق والتالي لنكبة 1948، ولم يكتف المؤلف بالتاريخ الرسمي المكتوب، بل اعتمد على المذكرات الشخصية، وحكايات شفهية «لشهود عايشوا الفترة التاريخية المكتوب عنها، وبذلك جمع في عمله بين الخطاب التاريخي المثبت، والخطاب الشفوي المسكوت عنه، ليس من وجهة نظره الخاصة فقط، وإنما من وجهة نظر أولئك الذين عايشوا تلك الفترة ولم يتسنَّ لهم أن يثبتوا خطابهم ووجهة نظرهم في المادة التاريخية الرسمية».
وحذا إلياس خوري الطريقة ذاتها في (باب الشمس)، فجمع بين التاريخ الرسمي الموثق والمذكرات الشخصية والروايات الشفهية لشهود العيان الذين كابدوا تلك الوقائع الدامية، وأثبت في روايته «مراجعه التاريخية المكتوبة والمسموعة حرصًا منه على المصداقية العلمية، لأنه يعي قيمة التاريخ في التوثيق لحياة الشعوب والأمم».
وتمثل (الطنطورية) نموذجًا لرواية الشهادة، حيث تتكئ رضوى عاشور على الذاكرة الفردية لتوثيق مجزرة الطنطورة، فتغدو الذاكرة فعلًا أخلاقيًا في مواجهة الإنكار، وتُبرز الرواية العلاقة المتوترة بين التذكر والنسيان، حيث يصبح التذكر ضرورة وجودية، أما رواية (أم سعد) فإنها كتبت في سياق تصاعد الوعي الوطني الفلسطيني بعد نكبة 1967، وقد بُنيت على مشاهد وتأملات ترصد حياة المخيم الفلسطيني، فهي تقدم التاريخ الفلسطيني كسيرة طبقة كاملة، طبقة اللاجئين الفقراء الذين تحوّلت معاناتهم اليومية إلى وعي سياسي وفعل مقاوم.
إن الروايات الخمس تتفق معًا في ضرورة ترسيخ التاريخ الفلسطيني الشعبي، فكل رواية منهن «تستثمر الماضي، وتناضل من أجل بناء ذاكرة فلسطينية»، وهذه الذاكرة تقاوم عمليات الطمس القسري الذي تقوم به السردية الصهيونية بكافة أذرعها الإعلامية والإعلانية.
ثانيًا: فلسطين والمأساة التاريخية
تتجسد فلسطين في الروايات الخمس كذاكرة توثّق المعاناة والخسارة التاريخية، وتصبح ذاكرة جماعية يحتفظ بها الأفراد والمجتمعات ليس داخل الوثائق المكتوبة فحسب، وإنما داخل الذاكرة الشفهية أيضًا، لذلك كانت الشهادات الشفهية التي أدلى بها أولئك الذين عاصروا الوقائع الدامية -من قتل وتهجير وتشريد- مصدرًا أساسيًا استقى منه الكُتاب الخمسة مادتهم الأدبية، وتظهر نكبة 1948 كبؤرة محورية لهذه المأساة، وتم تقديم الأحداث السابقة لها كتوطئة تاريخية لوقعها، والأحداث اللاحقة كنتائج وتداعيات لها، أي أن هذه النكبة لا تُقدَّم في الروايات المدروسة كحدث تاريخي عابر، بل كبنية سردية ممتدة تتشظى آثارها في الزمن، وتعيد تشكيل الشخصيات ومساراتها النفسية والاجتماعية: «في الحرب لا يتصرف الناس كما خلقهم ربنا، يُجنُّ الخلق ويفلت الميزان، ساعتها لا يكون الشَّعر وحده أو الثوب مشعثًا، بل يتشعث القلب».
في (زمن الخيول البيضاء) تصبح الذاكرة جزءًا أساسيًا من بنية الرواية، إذ يعود السرد إلى الحياة الفلسطينية قديمًا في زمن الحكم التركي من خلال الخلافة العثمانية، وما تلاه من الانتداب البريطاني، الذي فتح الباب للعدو الصهيوني أن يتوطن الأرض على حساب وجود شعبها، وهكذا «ترد الأحداث والوقائع التاريخية العديدة التي تتعلق بالتاريخ الفلسطيني الحديث، ولا سيَّما الثورة الفلسطينية (1936- 1939)، ونكبة فلسطين (1948)، إذ يُعدُّ هذان الحدثان التاريخيان بؤرة اهتمام الرواية».
وفي (الطنطورية) يقوم السارد بدور الشاهد على مجزرة الطنطورة، حيث تتصادم الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، فيتحوّل الألم إلى توثيق دائم لا يمكن تجاوزه، فالرواية تسير في خطوط زمنية يشير بعضها إلى حوادث متعلقة «بتواريخ محددة، مثل العدوان الثلاثي عام 1967م، والحرب الأهلية في لبنان عام 1975م، ومذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982م، وبعضها الآخر تترك للوصف مجالًا واسعًا في الإحاطة به، مثل حادثة الخروج والتهجير وحكايات نساء المخيم»، ويتعمّق النص في الصدمة الجماعية والمأساة الإنسانية التي تركتها الأحداث التاريخية المباشرة، وتفتح الباب واسعًا أمام التساؤلات حول العدالة والذاكرة المجتمعية.
وفي (صورة وأيقونة وعهد قديم) تقدّم الكاتبة رؤية مغايرة للهوية الفلسطينية من خلال التركيز على المرأة، بوصفها فاعلًا اجتماعيًا وثقافيًا، لا مجرد ضحية، وتكشف عن تقاطعات القهر الوطني والاجتماعي، كما تظهر فيها المقاومة كقيمة تتجسّد في التفاصيل اليومية، في الاستمرارية، وفي تمسّك الشخصيات بحياتهم رغم الصعاب، وفي خضم الأحداث الواقعية ذات الامتداد التاريخي تتشابك مصائر شخصيات نسوية ورجالية تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة، وبذلك تُعدّ الرواية نصًا مفصليًا في الأدب الفلسطيني النسوي، إذ تربط بعمق بين التحرر الوطني والتحرر الإنساني، فتكشف عن بعد داخلي عميق للمأساة الفلسطينية.
وفي (باب الشمس) لا يكتفي الكاتب بعرض الأحداث والوقائع التاريخية فحسب، بل يعمد «إلى اختيار الصور الأشد تأثيرًا في النفس البشرية، لتحريك مشاعرها واستفزازها، فيصحو الضمير الإنساني من غفوته أمام هول الصدمة التي صاغها الموت الحقيقي والرمزي المهيمن بسطوته على الشخوص»، وهذا الموت بصورتيه الرمزية والحقيقية يتلاقى مع المأساة الفلسطينية، والصراع الدامي الذي تعانيه من قبل نكبة 1948 وحتى يومنا هذا.

وفي (أم سعد) يقدم الكاتب الأم الفلسطينية كشخصية تحمل في ذاتها ثقل الفقد، إذ تتحوّل حياة أم سعد إلى رمز للمأساة والتضحيات اليومية التي يعيشها الفلسطينيون عامة، وحرصَ الكاتب على صياغة المأساة والقضية من خلال «جملة شروط:
الوجود المستمر للوطن، والواقع المعاش في المنفى، ثم صراع الفلسطيني لتحمل الحاضر والسيطرة عليه، وعلى هذا فإن معركة الفلسطيني – والتي تجسدها أم سعد – تصبح مضاعفة، فهي معركة ضد بؤس الحاضر، وتجاوز له للالتفات إلى الوطن»، ثم محاولة تشكيل المستقبل بما يتناسب مع كل تلك التضحيات التي قدمت، ولا تزال تقدم، في الماضي والحاضر.
وهكذا تمكَّن الكُتّاب الخمسة من تناول المأساة الفلسطينية بعمق إنساني ونفسي وسياسي، حيث تحوّلت فلسطين من مجرد مكان جغرافي إلى رمز للصمود والمأساة والهوية والذاكرة الجماعية.

ثالثًا: فلسطين والمقاومة
تؤكد الروايات الخمس المعنية بالدراسة أن المقاومة عملية وجودية لا بديل عنها: «كنا جميعًا معذبين بذلك الإحساس: إذا خسر اليهود فإنهم سيعودون إلى البلاد التي أتوا منها، أما إذا خسرنا نحن فسنخسر كل شيء».
أيضًا المقاومة ليست فعلًا سياسيًا فحسب، بل هي وجود إنساني وثقافي، حيث تتجاوز المقاومة معناها العسكري لتشمل التمسك بالحياة، والحب، والإنجاب: «هم يجلبون المهاجرين، ونحن ننجب الأولاد، وسنرى في النهاية لمن تكون الغلبة».
والكتاب الخمسة استقوا شخوص رواياتهم من شخصيات حقيقية، فضلًا عن الوقائع الحقيقية التي تنبثق منها الأحداث المتخيلة، والتي تدخل بعض تفاصيل الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، مما يعطي الأحداث إجمالًا قيمة واقعية لا تخفى.
وهكذا نجد إبراهيم نصر الله يستودع في روايته (زمن الخيول البيضاء) «الكثير من معلومات عن الثقافة الفلسطينية، مشيرًا إلى سماتها وخصائصها، واصفًا سلوكيات حاملي هذه الثقافة وعاداتهم وتقاليدهم، وعلاقاتهم مع بعضهم البعض، وما يحيط بهم من أشياء وكائنات»، بما يحمل ذلك من إشارة إلى أن طقوس الحياة الفلسطينية اليومية لا تنفصل عن عمل المقاومة، إضافة إلى أن الخيول البيضاء تُعدُّ رمزًا للحرية والكرامة، وتتحول خسارتها إلى علامة على الانكسار، دون أن يعني ذلك نهاية المقاومة. والشيء ذاته يفعله إلياس خوري في (باب الشمس)، التي تجمع بين العديد من الحكايات التي تبدو منفصلة ومتداخلة في الوقت ذاته، فتتعدد فيها أصوات الساردين، وكل صوت منهم يتناول القضية من منظوره دون أن تفقد الرواية تماسكها، لأن خيط المقاومة هو الخيط الرفيع الذي تنتظم فيه جميع الحكايات، وبهذا استطاع الكاتب «مزج السياسي بالتاريخي وبالاجتماعي، ثم بالثقافي بكل تناقضاته لإنجاز رواية طويلة»، وكأنه أراد أن يعكس تيمة المقاومة من كل الزوايا الإنسانية.

وفي (أم سعد) تتجسد المقاومة في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحول الصبر والعمل والتربية إلى أشكال من الفعل المقاوم: «هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، هي تخلف وفلسطين تأخذ».
واختيار شخصية المرأة أم سعد لتكون الشخصية الرئيسة للرواية يحمل دلالة أدبية ظاهرة: أن المقاومة الفلسطينية شعبية محضة، يمارسها الإنسان الفلسطيني العادي، لا المقاتل المدرب والمتمرس في القتال، فهي قضية وجودية في الأساس، ونتائجها تعود بالسلب والإيجاب على جميع فئات الشعب الفلسطيني، حتى النساء والأطفال، ومن ثم فإن فعل المقاومة لا ينفصل عن أفعالهم الاعتيادية في حياتهم اليومية، إن المقاومة تستوي في جوهرها مع السعي على الحصول على الغذاء والملبس والدواء.
وفي (صورة وأيقونة وعهد قديم) تظهر المقاومة كقيمة تتجسّد في التفاصيل اليومية، في الاستمرارية، وفي تمسّك الشخصيات بحياتهم رغم الصعاب،كما أنها تعتمد على رؤى متعددة تقول: إن فلسطين ليست قصة واحدة، بل آلاف القصص، وإن كانت الكاتبة عمدت إلى طرح رؤية مغايرة للهوية الفلسطينية، من خلال التركيز على المرأة بوصفها فاعلًا اجتماعيًا وثقافيًا، لا مجرد ضحية، كاشفة عن تقاطعات القهر الوطني والاجتماعي.
أما (الطنطورية) فإن عنوانها ارتبط بإحدى مجازر العدو الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني، كما أنها عرضت لمأساة اللجوء وما تعانيه الجموع الفلسطينية في المخيمات، واستطاعت الكاتبة أن تمزج بين الأدب الروائي والسيرة الذاتية في قالب أدبي ينهض بالأساس على واقعية التصوير للحياة الفلسطينية الاعتيادية التي تنبثق منها المقاومة على مدى أربعة أجيال متعاقبة، كما أنها تنتهي بخاتمة رمزية تفيد استمرارية المقاومة، والتمسك بالأمل في أصعب الظروف، من خلال انتقال المفتاح من رقية البطلة الأصيلة، إلى رقية الحفيدة الصغيرة في «دلالة رمزية على انتقال المسؤولية الوطنية من جيل إلى جيل، كما أن حمل معظم النساء الفلسطينيات للمفتاح يدل على وحدة التوجه والأمل لدى الشعب الفلسطيني».

رابعًا: البنية والسردية والجمالية
تنتمي الروايات الخمس إلى الأدب التاريخي الذي يعرض القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الصهيوني، وما صاحبه من وقائع دامية لا تزال تعذب الوجدان العربي حتى يومنا هذا، ومن ثم فإنه لا يمكن قراءة هذه النصوص في معزل عن ذلك السياق التاريخي، كما لا يمكن التعامل مع هذه النصوص باعتبارها وثائق تاريخية، أو نشرات إخبارية، فللأدب وظيفة جمالية تتحقق وفق نسق إبداعي يتحكم فيه الكاتب، فالأديب «ليس مؤرخًا بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنه لا يعكس في عمله إلا ظواهر الحركة التاريخية، وليس القوانين الداخلية المحركة لها»، بمعنى: أن الأديب لا ينقل الأحداث والوقائع كما هي، وإنما يخضعها لنمط إبداعي محدد، وهذا النمط الإبداعي بدوره يكون خاضعًا لموقع الكاتب من الأحداث، ولحدود وملامح رؤيته للعالم.
وكاتب النص الأدبي التاريخي عليه أن يعي جيدًا أنه يسير بقلمه بين خطين لا ينبغي أن يجور أحدهما على الآخر: خط التاريخ، وخط اللغة الأدبية، فالأول يستدعي الوقائع والحوادث التاريخية كما هي، بينما الثاني يفرض لغته الخاصة على سرد هذه الوقائع والحوادث، ويدمجها في إطار سردي متخيل لا يفقد الحدث الأصلي مصداقيته، لكنه يلهب مشاعر المتلقي وينقله من زاوية القارئ المنفصل عن الحدث إلى زاوية المشارك فيه بوجدانه ومشاعره، والروايات التاريخية «كثيرًا ما تكون على تماسّ مباشر مع السياسة والإيديولوجيا، وهنا تتبدَّى درجة المخاطرة فيها، فقد تقع في فخ المباشرة والخطابية، وتنأى عن الخيال الأدبي، فتتأرجح العلاقة المتبادلة بين الشكل والمضمون»، ولا ينقذ الكاتب من الانزلاق إلى هذه الهاوية إلا التمسك بجمالية اللغة السردية، ومن الإنصاف أن نشهد للكُتَّاب الخمسة أنهم نجحوا في ذلك أيما نجاح.
ولا شك أن التزام الكتاب الخمسة بالخط التاريخي صنع ملمحًا أساسيًّا للروايات الخمس يكمن في الصبغة الواقعية التي تهيمن على بنياتها، وهذه الصبغة تتكون ابتداءً من الشخوص، فهي ترتكز أساسًا على التاريخ الشفوي الذي نقله شهود العيان، أكثر مما تعتمد على التاريخ الرسمي المكتوب، ومن ثم فقد اعتمدت على تركيب شخصيات متخيلة لكنها مستوحاة من شخصيات حقيقية، وبعضها استعار شخصيات حقيقية بالفعل لدمجها في الحدث، مثلما فعل إبراهيم نصر الله الذي استدعى في روايته شخصيات مثل «نجيب نصار شيخ الصحفيين الفلسطينيين ومؤسس مجلة الكرمل التي صدرت في حيفا 1909، جورجي زخريا، إلياس حلبي، خليل السكاكيني، مستر ريتشارد غرين، الجنرال إدوارد بترسون، المناضل عز الدين القسام، المحامي نعمان المرزوقي..»، وغيرهم، فضلًا عن الاستناد إلى وقائع تاريخية محددة من الثورة الفلسطينية 1936، ونكبة 1948، ونكبة 1967، وما انطوت عليه كل هذه الحوادث من وقائع دامية، ومن ثم فلا غرابة أن يعتني الكتاب جميعهم بتحري «الصحة في الأحداث، والدقة في ذكر التفاصيل والجزئيات الخاصة بالزمان والمكان، والتجسيد الصادق للشخصيات»، فهم بصدد عرض مأساة حقيقية، وقضية مجسدة، في عالمنا الواقعي، وحاضرنا الزمني.
ومن السمات الفنية المشتركة بين الروايات الخمس: الاعتماد على التبئير الداخلي، وهو «نوع من التبئير يتم فيه عرض المعلومات وفقًا لمنظور -أو وجهة نظر- الشخصية التصورية أو مفهوميته»، وهذا بغرض تعميق الشعور بالمأساة، فالخط السردي لا يعتمد على الأحداث بقدر ما يعتمد على ما يدور في دواخل الشخصيات، كما أن النفاذ إلى مشاعر الشخصية هو أقصر طريق للنفاذ إلى مشاعر المتلقي نفسه، ومن ثم غلبت لغة العاطفة والانفعالات على سلوك الشخصيات ومحادثاتها، كما أن السرد بصيغة المتكلم يغطي أجزاء كبيرة من الروايات الخمس.
وكذلك من السمات الفنية الغالبة على أكثر هذه الروايات المعنية: تعدد الأصوات، حيث تقوم العديد من الشخصيات بوظيفة السرد، من خلال الإدلاء بشهاداتهم، أو استرجاع ذكرياتهم، وهي تقنية سردية تعكس تشظي التجربة الفلسطينية، وهذا بالتأكيد يناسب هذا النوع من الروايات لأنها «تعالج قضية سياسية ملتبسة، تتعدد فيها المواقف والرؤى التي يتمسك بها كل سارد بحرية حسب وجهة نظره»، وهذه التقنية توسع آفاق الرواية، لكنها تعتمد على تماسك بنياتها وانتظام الخيط السردي الرئيس التي تدور حوله الأحداث، وهذا متحقق ها هنا بوضوح.
وأخيرًا: تظهر في الروايات الخمس المعنية بهذه الدراسة الروح النسوية بقوة، فالمرأة تحتل عنوان روايتين منها: (الطنطورية)، و(أم سعد)، والخيط السردي في كلتيهما يأتي من منظور نسوي، أما رواية (صورة وأيقونة وعهد قديم) فإنها نموذج مكتمل للأدب النسوي، الذي يتخذ من قضايا المرأة منصة إطلاق رئيسة، وتلتحم أثناء التدفق السردي بالقضية الفلسطينية في خطين متوازيين أحيانًا، ومتقاطعين أحيانًا أخرى، ولم تخل روايتا (زمن الخيول البيضاء) و(باب الشمس) من الحضور النسوي القوي في الأحداث، ولا عجب في ذلك، فالمرأة هي الحاضنة الشعبية للمقاومة، بل هي منشئتها في الأساس من خلال تنشئة رجال المقاومة، فضلًا عن أنها هي التي تكرس المأساة من خلال موقعها كأم أو زوجة أو ابنة ثكلى.

خاتمة:
إن الرواية العربية تشكّل وسيطًا ثقافيًا فاعلًا في صون الذاكرة الفلسطينية، ومواجهة محاولات الطمس والإنكار، من خلال تحويل النكبة والمجازر والمنفى إلى سرديات إنسانية حيّة تتجاوز التوثيق التاريخي الجامد، وعلى الرغم من اختلاف الأساليب الفنية بين الروايات المدروسة فإنها تشترك في رؤية واحدة تؤكد: شرعية الوجود الفلسطيني، واستمرارية الصراع بوصفه صراع ذاكرة وهوية.
إن الرواية العربية لم تكتفِ بتقديم فلسطين كقضية سياسية، بل أعادت تمثيلها كمعاناة إنسانية مركبة من الفقد والمنفى والموت والعاطفة، وسط طقوس الحياة اليومية الاعتيادية، وهو ما يمنح السرد الفلسطيني بعدًا كونيًا، كما أن مفهوم المقاومة تطور من النضال البدني إلى المقاومة الثقافية والذاكراتية، بحيث أصبح الأدب نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، واللافت أيضًا أن الرواية العربية الحديثة تجاوزت النزعة التعبوية المباشرة، وقدّمت الشخصية الفلسطينية بوصفها إنسانًا مركّبًا يخطئ ويخاف ويحب ويبكي ويضحك ويغني، وهو ما يمنح النص مصداقية فنية وإنسانية عالية.
أظهرت الروايات المعنية بالدراسة الحضور القوي للمرأة الفلسطينية باعتبارها ذاتًا واعية وناقدة، ومشاركة في صناعة المعنى، مما يعكس تطورًا ملحوظًا في الخطاب الروائي العربي.
إن الرواية العربية لم تكن مجرد مرآة للألم الفلسطيني، بل كانت أداة وعي ومقاومة وإعادة بناء للمعنى، وأن الاشتغال الأكاديمي عليها يظل مجالًا خصبًا للبحث والتحليل في الدراسات الأدبية والثقافية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى