السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

كتابة على الماء

(1) كتابة على الماء

الحبرُ يجري بغزارة،

والورقُ الأبيضُ ينتظرُ.

أنا أقفُ الآنَ

على حافةِ المعنى.

كلما كتبتُ سطراً،

محاهُ الهواءُ فوراً.

العالمُ سريعٌ جداً،

والكلماتُ تبدو متعثرة.

كيفَ أمسكُ بالفكرةِ؟

وهي تطيرُ كالفراشةِ

فوقَ حقلِ الألغام.

لا أبحثُ عن مجدٍ،

ولا عن خلودٍ مستعار.

أريدُ تركَ أثرٍ،

يكونُ صغيراً وخفيفاً،

كخطِ نملةٍ سمراء،

على رملِ الشاطئ،

قبلَ مجيءِ الموجةِ،

لتأخذَ كلَّ شيءٍ

إلى القاعِ.

(2) ممرات النسيان

البيتُ أصبحَ مهجوراً،

لكنَّ الظلالَ تتحرك.

هنا كانتْ ضحكةٌ،

وهنا سقطتْ دمعةٌ

جفّتْ منذُ سنوات.

الأبوابُ تئنُّ بحزنٍ،

حينَ تعبثُ الريحُ،

كأنها تتذكرُ أصابعَ

الذينَ رحلوا بعيداً.

أمشى على أطرافِ أصابعي

بدقةٍ قاسية،

كي لا أوقظَ

الحنينَ النائمَ هناكَ

تحتَ السجّادِ القديم.

كلُّ زاويةٍ فخّ،

كلُّ رفٍ ممتلئٌ

بخيباتِ العمرِ الماضية.

كيفَ أخرجُ حياً

من هذا المتاه؟

دون تركِ روحي

معلقةً بالمساميرِ الصدئة.

(3) إيقاع السقوط

الورقةُ الجافةُ تسقطُ

الآنَ من الشجرة،

لكنها لا تؤلمُ

الأرضَ المستسلمةَ أبداً.

الأرضُ اعتادتْ دائماً

جثثَ النباتاتِ الرمادية.

لكنَّ السقوطَ نفسَهُ

يحملُ موسيقى خامدة.

نحنُ أيضاً نسقطُ،

شَعرةً بعدَ شَعرة،

وحُلماً بعدَ حُلم،

دون إحداثِ ضجةٍ

في هذا الكون.

العالمُ مشغولٌ بالصعود،

بينما الجاذبيةُ تعملُ

بصمتٍ مريبٍ للغاية.

صيادٌ ماهرٌ ينتظرُ

عندَ المصبِ الأخير،

ليجمعَ بقايا أعمارنا

المتساقطةِ كالأوراقِ الميتة.

(4) العازف

أصابعُهُ تبدو متشققة،

كمانُهُ خَشبيٌ قديم،

وأوتارُهُ مشدودةٌ بقوةٍ

على وجعهِ الخاص.

في زاويةِ الشارع،

يمرُّ البشرُ سريعاً

مثلَ خطوطٍ ملونة.

لا أحدَ يسمعُ

تلكَ السيمفونيةَ الحزينة.

النقودُ القليلةُ هناكَ،

في علبتهِ المعدنية،

ليستْ ثمناً للموسيقى،

بل صدقةٌ عابرةٌ

على حزنهِ الواضح.

يواصلُ العزفَ بإصرار،

يغلقُ عينيهِ المتعبتين،

ويسافرُ بعيداً جداً

إلى بلادٍ غريبة،

ليستْ في الخارطة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى