الخميس ٧ أيار (مايو) ٢٠٢٠
بقلم أحمد بلحاج آية وارهام

لاَ تَسْأَلَنِّي عن شَيءٍ حَتَّى تَخْلعَ نَعْلَيْ نَفْسِكَ

في حوار ليليٍّ مع صاحبي المعروفِ بقفزاته الفكريةِ التي تفوق القفزَ بالزانة، لفتَ انتباهي إلى أمرٍ لم أكُن أُعِيرُه انْتباهي من قبلُ، وما كنتُ أتصوَّر أنني قد أعِيرُه له كذلك، لولا ما فيه من غرابةٍ، فهو يتعَلَّق بأحذيةِ الأقدامِ، وبأحذيةِ النفوسِ. وأنا ما سمعتُ قطُّ أنَّ للنفس حذاءً تنتَعلُه وتمشِي به، إلى أَنْ بادَهَني بالقول:

- ما هو أول شيء نفعلُه حين نَروم الدخولَ إلى مكانٍ نُعزُّهُ؟!

- نخلَعُ أحذيتنا بالطبع.

- ولِمَ نَفعل ذلك؟

- لأننا لا نُريد أن نُدْخِلَ إليه الأتربةَ والأوساخَ التي تأخذُها الأحذيةُ مَجانا من الشارع،وبذلك نكون قد أبقَينا على نظافته،بل الأكثرُ أهميةً من هذا كله هو أن إزالةَ حِذائِنا دليلٌ على تقديرنا للمكان.

- جيد؛فلِمَ إذن لا تفعل ذلك حين تريد الدخول إلى ذاتك؟!

ذُهلتُ، وشعرتُ بأنني تلقيتُ ضربة قاضية من ملاكمٍ محترفٍ، لن يستطيع بعدها عقلي الوقوفَ على قدميه، ومواصلةَ مثل هذا النوع من الملاكمة الفكرية. وبدأتُ أُحاوِل التحكُّمَ في أنفاسي، واسترجَاعها وعدِّها، دون أن أتَدَخلَّ في إيقاعها، ودون أن أتكئ على أيِّ شيءٍ، فالاتكاءُ عجزٌ، وقد علَّمونا في صِغَرنا أن نَتَّكئ كلما سقطْنا على الغير لننهض، وهذا عجْزٌ فظيعٌ، ولم يُعَلِّمونا كيف نَقومُ دون استنادٍ على شيءٍ، وكيف نعتَمدُ على توازنِنا الطبيعي، وقوتِنا الأصلية. فحين نتوَقَّف عن الاتكاء على الآخر سنتوقف كذلك عن الاتكاء عليه في مجالاتٍ أخرى من حياتنا، وسنكُفُّ عن مُطالبة الآخرين بالعِناية بنا، وعن التظاهرِ بأنَّنا أضعفُ كثيرا من أن نرعَى حياتَنا، ونعتنيَ بها.

أَخرَجَني من سَهوي وشرودي صَوْتُ صاحبي المُتقَطِّر زَهواً:

- مالَكَ أُبْلِسْتَ، ولبِسْتَ صمتَ الكهوف؟!

- وكيف لا أصمُتُ، وأنت قد صنعْتَ للنفْسِ حذاءً؟!

- لا تَنزَعجْ، ولا تفزَعْ من أيِّ قوْلٍ لم يَستوعبْه عقلُك،وخُذْ فسحةً للتأمُّل فيه. فعندما تأتي الأفكارُ لا تَكْبِتْها أوتُكْرِهْهَا على غير ماهِيَّتِها، بل فقطُّ راقبْ ما يأتي بعينين مغمَضَتين، و بِنَفْسٍ مفتوحة المقلتين، ثم عُدْ إلى لحظتِكَ الحاضرةِ يَظْهرْ لك خَيطُ الحقيقة، فالأفكارُ تأتي وتَذهبُ، وكذلك ردودُ الأفعال عليها، فلا حاجةَ لك في التعَلُّق بها، ما دُمتَ مُرتكِزاً على نفسك، لا على سِواكَ.

- وأنَّى لي بهذا الذي تقول؟! وأنا أَرَى كثيرا من الأقوال؛ ومنها قولُك عن حِذاء النفس؛حَيَّةً تَسعَى، وتَتَلَوَّى لتُفسِد يَقيني، وتُعَكِّر ما أَشعُر به من حُبٍّ عميقٍ للحياة، ومِن إعجابٍ بالذات، وخَوْفِي الأعمَى هو أن يُرسلَ عليها كُرهٌ مَا حجارةَ سِجِّيله. آهٍ، يا صاحبي لو علمتَ كم أتمَنى أن أحيا الحياةَ بكل مَعْنَى الكلمةِ، وأن أمحوَ منها الوجهَ الذي لا تُحتَمل رؤيتُه، وأن أتركَ نفْسِي تَختَبرُ كل ما يَظهَر باسمِ الحياةِ، ثم تتخَلَّى عن ذلك كله.

- لن تصلَ إلى هذا ونفْسُك تَنتَعِل حذاءَها، ظانَّة أنها بالغةٌ مَعْناها. فكَم مرة أصغيتَ إلى الأصوات المتناسلة حولك؟ وكم مرة سمعتَ الصمتَ عند تَحلُّلِ الأصوات؟ وكم شربتَ كلمات الآخرين، ورأيتَ البكاءَ الخفيَّ فيها؟إذا لم تكُن فعلتَ ذلك فأنت بعيدٌ عن ذاتك، ولن تَرجعَ إليها،وتَدخلَ إليها،للتعرُّف عليها، إِذْ لا بدَّ لك من نزْعِ نَعْلَيْ نفْسِكَ حتى لا تُدخِل إليها أوضارَ الخارج،فنْعلُها هو أعظمُ حمَّالِ أوباءٍ وأضرارٍ إلى الذات.و إذن؛ فلا تَسألنِّي عن شيءٍ حتى تَتَخَلَّى عن نَعْلَيْ نفْسك.

وَهَبَّ مُنْتَصِباً، وتَمْتَمَ:

(كما رأيتُك تَرعاني بكل هوًى
أكونُ فيه، خشِيتُ المكرَ يرعاني
نبَّهتُ نفْسي على ما فيه من خُدَعٍ
والحقُّ خادِعُها في عقد إيماني
للهِ مَكرٌ ومَكرِي لا يُفارقُنِي
وكيف حالةُ مَن يُولِيهِ مَكرانِ؟!
قد كنتُ أرجو اعتصاماً عنهما بهما
لو استوى فيهما هَجري وكِتماني
لكنني قد رأيتُ الفرقَ بينهما
بما تحقَّقْتُ في سِرِّي وإعلاني
لمَّا تحقَّقْتُ ما كنتُ أجهلُه
منِّي،وبانَ لعينِي نُورُ بُرهان
إني لأعلم من نفْسي وصورتِها
أَنِّي نتيجةُ أفلاكٍ وأركان
ما زلتُ أطلبه حتى يُحقِّق لي
بأنني عينُ مَنْ عليه سوَّاني
إني علِمْتُ به إذْ كان أعلمني
أني علمتُ به والأمرُ أمران)*

وتَركَني أَصْطبِغ بالحَيرة وبالخذلان، وبعدما توقعتُ منه أن يأخذني إلى النجوم،أوقعَني في الجُبِّ. ولكنني بُعيْدَ استغراقٍ طويلٍ في كلماته أدركتُ أن النجومُ هي هنا، في داخلي، وفي النفَسِ الذي أتنفَّسُه،وفي الإنصاتِ الأعمق إلى أصواتِ الصَّمت، وما وراء الصمت، وتلك هي ذاتي، تجلَّتْ لي في رَفْرَفٍ خُضْرٍ من التأمُّل، وقالت:

-اَصِغِ إلى الَّذي يُصْغِي، لا لنفسك التي عليك تَبْغِي. فهي عادةً ما تُحاولُ إدخالَكَ في تجربة المُعاناة، ثم تقول:ما أنا بمُصْرِخِكَ،أنتَ وحدَك مَن أردْتَ تَغيِيرَ العالم، ولم أُسَوِّلْ لكَ ذلك. وأينَ هذا العالمُ الذي تَزعُم أنك ستغيره؟ هو لا يَراك، فكيف تَحلُم بتغييرِ من لا يَراك أيها الواهم؟! لا تَركضْ خلفَ العالم لتُصلحَه، بلِ اجْلسْ إلى ذاتك، وقَوِّمْ نفسكَ، ففيها انطوى العالمُ كله.

*ابن العربي:الديوان الكبير،تحقيق ودراسة وتقديم:عبد الإله بن عرفة،ط1،منشورات دار الآداب للنشر والتوزيع،بيروت 2018م،370،369/4


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى