الاثنين ٢٠ حزيران (يونيو) ٢٠٢٢
بقلم جميلة شحادة

ما بين الجنوبي وجنوبي

ليست ال التعريف هي الفارقة بين قصيدة "الجنوبي"، للشاعر المصري الراحل، أمل دنقل، وبين كتاب "جنوبيّ" للكاتب والصحفي الأردني، رمضان الرواشدة (ولو أنها تعني الكثير). وإنما هناك اختلاف بجنس العمل الأدبي، وأيضًا بجغرافية المكان الذي يتحدث عنه كل منهما؛ ولو أن الطفولة المسلوبة لكل من دنقل والرواشدة، كانت قاسمًا مشتركًا بينهما؛ فوصفها كل منهما في عمله، وأفردا لها حيزًا ومساحة. على أي حال، لستُ بصدد نقد العمليْن، كما لم أكن لأجري مقارنة بينهما، لولا أن الكاتب رمضان الرواشدة قد استشهد، أكثر من مرة، بمقاطع من قصيدة الجنوبيّ لأمل دنقل في كتابه "جنوبي" الذي تّم إشهاره في نادي حيفا الثقافي مساء الخميس الموافق 16. 6.2022.

لقد استشهد الأديب والصحفي رمضان الرواشدة بالمقطع التالي من قصيدة "الجنوبيّ" ليصفَ لنا طفولته. وكأنه بذلك يقول للقارئ: إن طفولتي كجنوبي؛ تشبه طفولة دنقل الجنوبي، ولو أنها كانت في جنوب الأردن، وكانت طفولة دنقل في الصعيد، جنوب مصر.

هلْ أنا كنتُ طفلاً؟
أم أنَّ الذي كان طفلاً سواي؟
هذه الصورُ العائلية:
كان أبي جالساً،
وأنا واقفٌ.. تتدلى يدايْ ‍‍‍
رفسةٌ من فَرسْ
تركتْ في جبيني شجاً، وعلّمتِ القلبَ أن يحترس.

هذه الصورة التي رسمها الشاعر المصري الراحل، "أمل دنقل" في قصيدته "الجنوبيّ؛ يقول عنها الرواشدة في كتابه "جنوبي" صفحة 24: "هذه الصورة تكاد تسيطر عليَّ وأنا أتذكرُ بدايات الألمِ والحبِّ والمعاناةِ والفقرِ الذي حوَّلنا في الجنوبِ الى أشباهِ أناسٍ بالكادِ تُعرَفُ ملامحهم. فالطفولةُ غيرُ الطفولة؛ وما زالتْ رفسةُ الفرسِ علامةً فارقة. عن أيِّ طفولةٍ نتحدث؟! عن تلك التي لم أعشْها صغيرًا، أم عن تلك التي كبُرتْ معي ولم تفارقْني أبدا."

وهنا؛ قد يتساءل البعض منّا: "هل الطفولة المسلوبة وحياة الفقر والمعناة، مقتصرة على سكان جنوب كل بلدٍ من البلدان العربية، بل وبلدان العالم كافة؟ فأمل دنقل يصف طفولته في الصعيد في جنوب مصر، والرواشدة يصفها في أربد ثم معان في جنوب الأردن، وإيلينا فيرّانتي في روايتها "صديقتي المذهلة" تصف طفولتها في نابولي في جنوب إيطاليا، وغيرهم كثر ممن سكن الجنوب وعاش ظروفًا حياتية صعبة. وهنا لا بدّ أن أستذكر أهلنا الذين يقطنون في جنوب الداخل الفلسطيني، في النقب، وبالذات سكان القرى غير المعترف بها، واتساءل: كيف سيصف أبناء النقب طفولتَهم؛ لو كتبوا عنها اليوم، أو في المستقبل في ظلِّ ظروف الفقر، وعدم الاستقرار، والغبن اللاحق بهم، وفي ظلّ غياب الخدمات الطبية والحياتية عنهم، وعدم ربط بيوتهم بشبكات الماء والكهرباء وفي ظل التهديد بهدم قراهم وبيوتهم؟!

ولنعد الى كتاب "جنوبي" لمؤلفه رمضان الرواشدة، والصادر عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمان عام 2019. كتاب جنوبيّ، يعتبرُ صغير الحجم نسبيًا، فعددُ صفحاته 96 صفحة. وبرأيي جاء كذلك، لأن مؤلفَه، قد اختار أن تكون لغتُه مكثفة، وسردُه للأحداث مختصر، وابتعد عن الاستطراد. فقد اختار الرواشدة أن لا يسهب بتفاصيل الأحداث؛ ولو فعل ذلك كالبعض من الأدباء، لتجاوز عدد صفحات كتابه "جنوبي" المئتين على الأقل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، سأختار لكم بعض الجمل أو الفقرات من الكتاب كبرهانٍ على ذلك.

 في صفحة 27 من الكتاب يكتب الرواشدة: "وكثيرًا ما كانت الطوشات تندلع بين حارتنا وحارة المحاسرة، الذين كانوا يتقنون رميَ الحجارةِ الكبيرة. كانتْ نفوسُ الناسِ مشحونةً، جرّاءَ ما حدثَ في أيلول عام "السبعين".
(المحاسرة هم أهالي بلدة بيت محسير الفلسطينية الذين شُردوا عن فلسطين). هذه الفقرة، برأيي، لو توسعّ المؤلف في وصف الأحداث واستطرد؛ لاستطاع أن يكتبها بثلاث صفحات على الأقل.

جملة أخرى أختارها من صفحة 28 يقول فيها الرواشدة:

 "أصيبتْ دكانُه على إثرِها بكسورٍ في زجاجِها، فشعرتُ أنني انتقمتُ منه لغِشّهِ، مع أنه كان يؤُّمُ الناسَ في الصلاة". هذه الجملة أدرجها الرواشدة في سياق وصفه لحدثٍ معين، ولا شأن لصاحب الدكان به؛ فبرأيي، لو أن الرواشدة توسّع في وصف صاحب الدكان أو أنه ساق مثالًا على غشه أو كتب نصًا يستهجن غش صاحب الدكان وهو يدعي الفضيلة، لكتب عن ذلك أيضًا صفحات.

 وفي صفحة 39؛ هناك جمل يصف فيها المؤلف السجن فيقول: " السجنُ له طعمٌ آخر: التعذيبُ له طعمٌ آخر، وقراءةُ القرآنِ وهو الكتابُ الوحيدُ المسموحُ والموضوعُ في الزنزانةِ، لها طعمٌ آخر. وبرأيي لو أسهب الكاتب في وصف ظروف السجن، ومعاناة السجناء بل معاناته هو ذاته في السجن، لأعطى صورة أشمل عن السجن وظروفه، وزاد عدد صفحات كتابه. هناك جمل وفقرات أخرى، لكني أكتفي بما ذكرت. وهنا؛ وجب عليّ أن أنوه أن ما ذكرته في هذا السياق ما هو الا رأي، وبرأيي أيضًا، لا يحق لأحد أن يحكمَ بالصواب أو الخطأ على أسلوب أي كاتب بالكتابة، أو أن يُلزمه باتباع أسلوب كتابةٍ معين. لكنْ، يحق للقارئ أو ناقد العمل الأدبي أن يتساءل، وأن يوجّه الأسئلة لكاتب العمل، إن توفّرت الإمكانية لذلك. وها أنا أستغل فرصة إشهار جنوبيّ، وأوجه بعض الأسئلة التالية: للأديب رمضان الرواشدة:

عادة نُسأل نحن الكتاب والأدباء: لماذا نكتب؟ ولكني أريد الليلة أن أسألك؛ لمَن يكتب رمضان الرواشدة؟

وبالذات، لمَن كتبَ "جنوبي؟ سؤالي ليس ساذجًا، وإجابتُه: "ليس لكل الناس". على الأقل برأيي.
هل برأيك عندما يكون الكاتبُ ناشطا سياسيا أو مؤطرًا بحزب ما، أو مقربًا من ذوي النفوذ، هل يكون محظوظًا، لأن كتاباته ستنال الشهرة والانتشار؟ أم أن ذلك سينعكس سلبًا عليه لأنه سيحدُّ من حريته ككاتب ومبدع؟

لماذا استبدلتَ اسم والدك إسماعيل، بسمعان؟ مع أن القارئ عندما يقرأ الفصل؛ " هنا عاش جنوبي بن سمعان"، لن يخفى عليه أنك تتحدث عنك وعن والدك.

لماذا كُتب على غلاف جنوبيّ، رواية؟ مع أن البعض قد لا يصنفه كذلك، ولا سيّما أن سيرتك الذاتية فيه كانت واضحة، وتطرقت فيه الى أحداث قد حدثت تمامًا في الواقع، وذكرت أسماء لشخصيات من الواقع.

* من مداخلتي في أمسية إشهار كتاب جنوبيّ للكاتب والصحفي الأردني رمضان الرواشدة والتي أقيمت في نادي حيفا الثقافي، مساء الخميس الموافق 16.6.2022.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى