ما وراء السرد
ما وراء السرد
قراءة في متخيل رواية الكراكي لحسن حميد(*)
1- عن الرواية وكاتبها
– الفن الروائي من الفنون المعبرة عن صدق العواطف الإنسانية، وهو الفن الذي تكثر فيه المبالغة في وصف الأحداث، وإن كان الأقل بعدًا عن تشويه الواقع وتزييفه، وهو المعبر عبر اللغة والإيقاع والسرد والرؤية الخارجية والداخلية عن الأفكار، وذلك من خلال ارتباطه ارتباطا مباشرًا بالواقع، وانفصاله الكامل عنه في الآن نفسه، كما أن الروائي الحقيقي يتصف بالصدق الفني والطلاقة الفكرية، والتي تعني جريان ما يكتبه جريانا تلقائيا، بحيث يجد القارئ الرواية أشبه بالمرآة التي يرى فيها العالم الذي أدخله الروائي فيه، دون أن يربط ما يقرأ بالواقع المعيش.. - - ومما لا شك فيه أن الكاتب الروائي حسن حميد، روائي محترف تمكن من شغل موقع متميز في الرواية العربية عامة، وفي الرواية الفلسطينية بشكل خاص، وروايته "الكراكي" رواية غير تقليدية، لأن مؤلفها استطاع أن يجعل قارئها يحلّق بخياله بعيدًا حتى يصل إلى الواقع، ولعله استطاع أن يجعل فلسطين والسردية الروائية مقترنتين معا، ففلسطين ذاتها سردية أو مروية، يجب أن تكون قادرة على ممارسة سرديتها، أو منع سرديات أخرى من أن تتحقق، وعليه فإن السرد في هذا السياق الجديد هو تشكيل عالم فلسطيني متخيل، تندغم فيه أهواء وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته بقدر ما يصوغها الماضي بخفاياه،والرواية لا تستذكر الوجع الفلسطيني وتسرده روائيًا فحسب، ولكنها أيضا تبحث عن الحب في عالم متردد أو مترد، وفق المعنى المشتق من عنوان الرواية، فالكراكي طائر، لكنه يتكركر في حياته، أي يتردد، ووفق لسان العرب تَكَرْكَرَ الطَّائِرُ: بمعنى تَرَدَّى، وسَقَطَ في الهواءِ، وهو ما يعني أن العنوان يوحي بمضمون السردية الفلسطينية، فلم تعد استرجاعا لماض ولا استشرافا لمستقبل، ولكنها حالة وجودية، و رؤية خاصة بالكاتب، تختلف عمن كتبوا عن نكبة فلسطين ومأساتها، فالحرب الأخيرة على قطاع غزة وما نتج عنها من شظايا طالت القريب والبعيد في عالمنا العربي، تشير إلى أنها عرّت وجه العالم، كما عرّت وجه الرواية العربية تجاه قضاياها وتاريخها.
2- تشابه مقصود أم رؤية مختلفة
ذكرتني رواية "الكراكي " لحسن حميد.. بقصيدة للشاعر والروائي السوري سليم بركات (1) وتتقاطع معها في قصة الحب ولها نفس العنوان الكراكي (1981)، وهي قصيدة واحدة طويلة من فصلين، جرّب فيها بركات كتابة نصّ شعري سردي الطابع، روي فيه حكاية ديلانا وديرام (النموذج الكردي من فولكلور حكاية العشق الثنائي: قيس وليلي، جميل وبثينة) كما هو الحال في قصة عشق عبدون وماريا، و الزهروري وفضة في كراكي حسن حميد.
في الفصل الثاني القصير قدّم بركات عدداً من الـ (تعريفات) للكائن الآدمي (ديلانا وديرام) وللحيوان (التَيْتَل، الوَشَق، السلوقي) وللطير (الهدهد، البشروش، السنجاب)، كما فعل حسن حميد في وجود الخراف.حتى أن سليم بركات في نهاية نصه استخدم تقنية تتشابه وتقنية كراكي حسن حميد، فكتب ما يشبه الاستدراك في نهاية نصه وهو مكون من ثلاث فقرات، مطلع أول، ومطلع ثان، ثم مطلع ثالث، ومن الجدير بالذكر أن حسن حميد، وسليم بركات في نصيهما يسيحان بين المخيلة والواقع، وهذه الملاحظة أو التشابه لا تنفي اختلاف التناول وفرادة النوع الأدبي، وكذلك أصالة التجربة ودلالتها.
3- عتبة الرواية / وثيقة الوطن
– يفتتح الروائي سرديته بعتبة مدخلها يقول: هذا كتاب عثرت عليه في صندوق جدي إلياس الشمندوري الذي عاش في الأزمنة الغابرة، وقد كان من القرائين والكتبة المعدودين آنذاك (2)في إشارة إلى السردية الأولى لدولة فلسطين، والتي تؤكد أن " ما ترويه الرواية يعود إلى زمن تبشير السيد المسيح بالمسيحية، " وإذ نعرف زمن ما يُروى، ندرك وظيفة هذه «العتبة»، فهي تُعطي الرواية مصداقية الوثيقة " (3) لكنها - مع الأسف- وثيقة كما يقول الكاتب في نهاية العتبة مصابة بالعطب:" عطب كبير أصاب الكتاب بسبب هلاك عمر الورق وجفافه وتشققه، وبسبب ما أصابه من العفونة والرطوبة وابتلال صفحاته بزيت السمك الذي لاحم، للزوجته، ما بين الصفحات حتى استحال عليّ فك واحدة منها عن الأخرى، وقد تأذّت أكثر من غيرها، الصفحات الأخيرة من الكتاب، وهذا ما جعل غُصتي تكبر وأنا أقرأ فيه لأعرف الخاتمة.(4) ولا أظن أن دلالة هذا المقطع ستغيب عن القارئ، فهي تصف حالة السردية الفلسطينية
– وهذا معناه أن السرد حاسم الأهمية بالنسبة لسرديتنا هنا، إذ أن قضية الفلسطيني الأساسية هي أن القصة الأصلية تكمن في اللباب مما يقوله الروائيون عن الشعوب المحتلة لتأكيد هويتها الخاصة ووجود تاريخها الخاص، كما رُوي عن السيد المسيح: «بلاد ستعرف مطاردات كثيرة مثل المطاردات التي يتعرض لها… وأن هذه البلاد ستظل لأهلها، ولن يكون وجود الغرباء فيها حضوراً، مهما امتد، سوى لحظات تشبه رمشة الهدب» (5)
4- شخصيات الكراكي / حكاياتها
في «الكراكي» هناك حكايات متعددة منها: حكاية الأب طنوس، راعي الكنيسة، وابنته ماريا، وحكاية عبد الله (عبودة) الذي تربِّيه أمه هدلا، بعدما رحل زوجها، ولم يعد، وحكايات الحشد الغجري، وفلاحي القرى، وحكايات طبريا وتسمياتها، وحكايات الجنود الشقر.. إلخ
– وكلها صور للواقع الذي يتحول عند كاتبنا إلى صور خيالية أو روائية، من هنا فإن تغييب الواقع ومغايرته في الرواية يعني تحقيقا لجوهره، فيصير الخيال أشد حضورا وذلك فيما تفرضه الرواية من حقائق معلنة ومغلفة.
– وفي ظل هذا التغليف والاستتار تخرج الرواية من سلطان الوعي المباشر إلى اللاوعي، وهو ما يعني أن الكاتب أقام بنية روائية ذات فاعلية جمالية ودلالية فائقة، ومن الدقيق أن يقال في ذلك أنه رغم المصائر الفردية والجماعية المعذبة للشخصيات إلا أن سردية حسن حميد تعالج القضية بقدر عال من الرهافة والمفارقة اللاذعة المقننة والقادرة على صناعة سردية فيها آلية الاتصال والانقطاع، والتي تتمثل في الاستدراك والهوامش بما فيهما من خصيصة الديمومة والتكرار الذي لا ينتهي.. وإليك ما يقوله الكاتب في ذلك:
"أدمت قلبي أسئلتي وأجوبة الناس في الميناء، والخانات، والمقاهي، والمطاعم، والدروب، وأمكنة الانتظار! كنت مثل من فقد عقله، أسأل عن امرأة طويلة ملآى، وجهها ضاحك، وشعرها أحمر، إن حكت استولت، وإن مشت استحوذت، وإن دنت أبهجت، وإن بعُدت أحزنت، وإن حضرت أغنت، وإن غابت أشغلت، وإن بكت أوجعت، وإن ابتسمت أضاءت، وإن استدارت لحقت بها الأمكنة! أسأل عنها مثل ممسوس! صاحب خان، قال لي: عرفتها، والله صورتها لا تغادر ناظريَّ، جاءتني تطلب مبيتا، فما كان لدي غرفة شاغرة، تمنيت لو أنني أقدر على إخراج جميع سكان الخان لتكون هي بدي لا لهم! للأسف ذهبت وقلبي يرعش لها لأنني رأيت دمعتها سائلة! لقد استدارت، ومضت، وكم رجوت الله أن تعود! صاحب مقهى، قال لي: تلك المرأة أم الشعر الأحمر، والخزام اللامع في طرف أنفها.. لا أنساها، لا يمكن لي أن أنساها. كانت أشبه بالطائر الذي يحط هنا في المقهى فجأة، ويرحل عنها فجأة.. منذ وقت بعيد لم أرها، كانت طيرا، وللطيور مواسم، وقد تعود.
صاحبة حمام للنسوان: قالت لي:
– أهي أمك!
– قلت نعم!
قالت:
– سأقول لك كلاما لا يليق أن يسمعه الأبناء عن الأمهات.
قلت وقلبي يخفق:
– كيف!
قالت:
– حين كانت تخرج من الحمام، تخرج مثل مدينة أضاءتها قناديل السماء، لو أن عين ملك رأتها لأخذتها. كانت حين تخرج، تبدو أشبه بوردة كبيرة لم ترها عين من قبل، لكم تمنّيت عليها أن تعمل عندي في الحمام، وقد عرفت أنها غريبة، لكنها رفضت، الآن كم أنا متمنية أن أراها مرة ثانية، لقد غابت منذ وقت طويل! (6)
وهكذا يميل الروائي إلى الاقتصاد في الصورة والعبارة ساعيا لأن يصير نسيجا وحده، فسردية الوطن الغائب سردية مخصوصة ومختلفة، ومن الصعب إخضاعها للمكان والزمان ولشخصيات محددة ومعلومة/كذلك سرديتنا هذه لا تخضع للاتجاهات الأدبية والروائية، لقد تجاوز حسن حميد فكرة فلسطين المحددة جغرافيا، وبات الوطن عنده (كيان داخلي) يشكل محاولات لسبر كنه الوجود الفلسطيني، ولهذا كان هذا الشكل الروائي، والذي ارتكز على وظيفتين هما: الوطن من جهة والسردية المكتوبة من الجهة الأخرى.
5- السرد من التصور إلى الصورة
يقول هيجل(7) أن الفلسفة معرفة بالتصورات بينما الفن معرفة بالصور، والفارق بين الحالتين، أن التصورات هي سمة ذهنية، تتسم بأنها تجرد مفردات العالم والعلاقات الرابطة فيما بينها، ثم تحيل كل ذلك إلى أفكار، أما الصور فهي على العكس سمة حاسية، تجسد الأفكار من خلال رؤيتها بالحواس، وتردها إلى العالم مرة أخرى، كي تستحيل إلى علاقات ومفردات، وأحسب أن حسن حميد يكتب بالحالتين، لذلك نجد السياق العام في الرواية يشكل نسيجا متداخلا من المنطق العاطفي والمنطق العقلي وهو ما يمكننا تلمسه في أي مقطع من مقاطع الرواية، خاصة وأن حسن حميد التعبير عن الواقع، فالأفكار تتشابك واللغة متماسكة فنيا وفكريا ويصعب حذف أو تجاهل أي كلمة أو سطر من روايته... يقول الكاتب:
– حين رأى / الزهروري/فضة/ للمرة الأولى، وهي تفكُ جدائل شعرها الطويل، وتخلع ثيابها الملونة وقلائد صدرها وأقراطها، وأساورها، وتضعها بهدوء قرب جرن الماء، وحين بدا جسدها الطويل الملآن مثل حبة الرمان، طار عقله أو كاد. دعك عينيه ونظر، ثم دعكهما ونظر، وهي ترفع قدمًا وتضع قدمًا في جُرن الماء الساخن، فزاغ نظره وتاه، ظنّ، وقد عرّش الخوف في قلبه، أنها جنّية أو حورية، فهي لا أحد معها، ولا أحد حولها، لا صاحبات لها، وليس معها أم ولا أخت! وأرى جسده أكثر بعيدًا عنها خوفا منها، وراح يراقبها، وقد ضجّ الماء بجسدها الذي أشرق وأضاء، وراحت تدور داخل جرن الماء الساخن، والبخار يعلوها مثل غبشة خفيفة، وهدأت روح /الزهروري/ حين سمعها تغني، فأطلّ برأسه ليرى ما قدرت عيناه أن تراه، كانت جمالا يطفح به الجرن ويفيض، ودهش /الزهروري/ وشهق وهو يراها تخرج من الجرن، ترفع قدمها عاليا، فيعلو معها، إلى خارج حواف الجرن، ثم تتبعها بالقدم الأخرى فيرتجّ قلبه مثل صخرة هابطة، ها هي تتجلى أمامه مثل غزالة بألوانها كلها، وبجمالها كله، والماء يقطر منها حتى لكأنها غدت جسدًا من البلور، ها هو يراها تنحني فيذوب، لكي تجمع بين يديها نباتات النعناع البري، وتعود بها إلى الجرن لتنظف بها جسدها، فتشيع روائح النعناع، ويبدو جسدها مثل طيوف متداخلة من وراء البخار الذي بدا ستائر شفيفة لا تحجب سوى التفاصيل، ورويدا رويدا هدأت حركة جسدها داخل الجرن، لكأنها استسلمت لخدر الماء، ولم يتبقَ مسموع سوى صوتها الذي يهمس بغناء شجي حزين" (8)
– وفي هذا المقطع الرائع تنبني اللغة في الرواية على مستويين، إما نقل حقيقة أو توليد عاطفة كما أشرنا سابقا، فلغة حسن حميد هي مزيج بنسبة ما من هاتين الوظيفتين، وهو امتزاج طبيعي ناتج عن علاقة الصورة بالتصور، وهو ما يميز لغة الكاتب نتيجة لعلاقات التراسل المضمرة التي نزعمها.
6- هكذا نقرأ رواية الكراكي للروائي الفلسطيني السوري " حسن حميد " وهي رواية مخصوصة لها جغرافيتها الخاصة بها، والروائي يقسمها إلى فصول بأسماء الشخصيات والأماكن، ولكنه يقدم لنا تيمة فنية، أو نظاما كتابيا لهذه الفصول له دلالته، ففي نهاية كل فصل يقدم لنا الروائي ما أسماه بالاستدراك والهامش، أكثر من استدراك وأكثر من هامش، وكأني بالروائي يريد أن يؤكد على أن الفلسطيني يعيش في هذا الوضع المتأرجح بين الاستدراك والهامش، القضية الفلسطينية كلها تقع في هذا الموضع، حتى الخيال في الرواية يبدو مقدرًا على الفلسطيني، فقد أصبح وطنه خياليًا، أو شيئا يخايله، ولهذا كثرت أو طغت اللغة الواصفة على الرواية، أو ما نسميه السرد بالصورة...
ويبدو أن الفصول في أصولها تبدو كما لو أنها حكايات بصرية، يحاول الراوي من خلالها أن يستعيض بالصور عن كل شيء، ومن خلال مشاركة كل الحواس، مثل الألوان والظلال والأصوات، لدرجة ينسى فيها القارئ أن الروائي يكلمه، أي يحكي حكاية باللغة، فالروائي جعل الصورة محل الكلمة أو لنقل أنه مزج بينهما، والقارئ في حالة كهذه يجد نفسه جزءًا من النسيج السردي، وهو ما دفع الروائي إلى عناصر تشكيلية مثل الاستدراكات والهوامش التي أشرنا إليها، فالاستدراك يوهم الروائي به القارئ وكأنه قد نسي شيئا فاستدرك ليقوله له، ثم يعقب الاستدراكات بهوامش، ربما لشرح أو تجلية المعاني الغامضة، مثل قول الكاتب في استدراك أول في الفصل المسمى "طبريا "
استدراك أول
– الأب طنوس قال:
– إن طبريا سميت طبريا.. لأن آخر فتاة اختتمت مشهد رمي الفتيات الجميلات كل سنة في البحيرة كان اسمها /تبرا/ وأبوها اسمه /جبارة عواد/، وأمها اسمها /نهول الحاج/، وقد تحوّر اسم /تبرا/ إلى اسم طبريا، وقد أخذت البحيرة والبلدة اسمها! وهذا مكتوب في كتابنا!
ثم نقرأ هامش أخير لنفس الفصل يقول:
– ماتت المزيونة /ريا/.. وهي تنتظر معشوقها الذي سمّته الغياب، وحين أحست بدنو أجلها، قالت لصاحباتها مساررة: إن جاء من بعدي، قلن له: إنني انتظرته طويلا !(9 الرواية)
– هدف الرواية
– ليس للرواية عند حسن حميد في رأيي هدف سياسي أو اجتماعي أو ما شابه، وإن ظن القارئ أن الرواية تحتمل تأويلات عدة لها علاقة بالوطن المحتل، واستخدام الروائي لطيور الكراكي التي تعيش قرب المسطحات المائية وتُعرف بارتباطها بالمكان في دلالة على تماهي بنية روايته وشخوصها مع الأرض التي دارت عليها الأحداث، ربما يكون هذا حقيقيا، ولكن برأيي ليس كذلك، فالكتابة – على الأقل في هذه الرواية - لعبة روائية / فانتازيا سريالية، قد تحتوي على واقع، ولكنه ليس هو، وقد تحتوي على أحداث ووقائع محددة، لكنها في الحقيقة معاني يسجلها الكاتب، تارة بربطها بالبعد البصري، وأخرى بالذهني، في عالم تحكمه نواميس شبه واقعية، والرواية بهذا المعنى رواية تشكيلية الأبعاد، أي أن الروي فيها يصير مثل حجر الكحل عندما يحل بالعيون، فيصير إبصارا في حد ذاته، هذه رواية معاصرة تمتلك قيمتها الفنية، وقيمها الجمالية الدلالية، ورؤيتها التي لا تخرج عنها – ويمكن القول بأن الروائي وجد في الترميز بغيته، فالمرأة ليست مجرد امرأة، ولكنها رمز الأمن والحب والملاذ، لكأنها الأرض الضائعة، وغير ذلك من رموز، الأب الحقيقي مثلا - عزيز – بدلالة اسمه عزيز الوجود، مجرد طيف في الرواية، لا وجود حقيقي له، والأب البديل – طنوس – مجرد "راعي"، وفضة الغجرية أيضا ربما لا تكون مجرد امرأة، يقول الكاتب في وصفها:
– بدت فضة! مبلولة الثوب الطويل. مبلولة الشعر الطويل. حافية، تحمل خفيها بيديها.. عيناها مفتوحتان مثل قرصي عباد الشمس. وشفتاها مزمومتان.. وأنفها يرهج بخزامين من الذهب.. وقدماها تخشان بخلخالين لامعين خشاً خفوتاً.. بدت جسداً من النحاس الثمين، لها طلة بهيجة أشبه بطلة القمر. كانت تتقدم، والناس يتقدمون، ويحيطون بها، ويمشون خلفها، وحولها، وهمهماتهم تلهج باسمها /فضة، فضة/ وحين وصلت إلى مقربة من العجوز الخال هوت راكعة، فهوت القلوب وهي ترى انعطافات الجسد، ودلت رأسها، فسألها العجوز الخال: أأنت مذنبة؟!(10 الرواية)
– وعليه.. تتألف الرواية من وحدات سردية كبرى مُعنوَنة بأسماء أصحابها، ويمضي السرد فيها على مستوى البنية الروائية الكليَّة، في تناوب بين حكاية وأخرى، فتؤدَّى وقائع كل حكاية وعلاقاتها بالحكايات الأخرى، فيتشكل نظام علاقات كاشف للحياة في البلاد في تلك المرحلة من الزمن، ناطق بدلالات منها: البلاد عامرة، الحياة فيها ساحرة داهشة… ويمضي السرد، على مستوى كلِّ وحدة سردية في سياق خيطي لا يخلو من تكسُّر، وتلي المتن استدراكات وهوامش، فتكمل القصَّ من نحو أول، وتشكل تأليفاً مشابهاً لما كان عليه التأليف التراثي، في زمن كتابة الكتاب، من نحو ثانٍ. وهكذا تتشكل بنية روائية تجريبية تستخدم تقنيات روائية حديثة وتقنيات كتابة تراثية، ولعلّي لا أجانب الصواب إذا قلت: إنّ حسن حميد يواصل هذا النوع من التجريب الروائي الذي قد يكون خاصاً به (11) فنجدنا أمام مجموعة من الرموز، نجدها مثلا في أسماء أبطال الرواية، مثل اسم " ماريا " وهو اسم علم مؤنث، وهو تلفظ آخر لمريم وماريّا بالآرامي. أو تلفظ آخر لماريَّة العربي المارِيَّةُ: المرأَةُ البيضاء البرَّاقة.. ومن أعلامهم: ماريةُ بنتُ أرقم، وفيها المثل: خذهُ ولو بقُرْطَيْ مارية يضرب للشيءِ يؤْمر بأخذه على كل حال مهما يكن غاليًا.. وماريا مسمى يحيل إلى الاسم الأعظم مريم والتي ولدت في القدس، كما تشير التقاليد المسيحية القديمة،
– واسم عبودي أو عبد الله، وهو يشير إلى عبوديته أي أنه ليس حرا، عَبُودِي: جمع مذكر سالم لصيغة مبالغة على وزن فَعول (عَبُود + ي) في حال يكون منصوبا مضافا والمشتق من الفعل (عَبَدَ) والذي جذره (عبد) أما فضة ففيها معنى الفَضَّ /الكسر بالتفرقة، وأما الزهروري فاسم على مسمى فيه تنوع وتكرار، ويمكن للقارئ أن يذهب إلى (ماريا) ليتأكد من دلالة الاسم روائيا..يقول الكاتب:
"يا /لماريا/ فقد وقعت صورتها في قلبي منذ أن رأيتها، فانجذبت إليها. هي من أخذتني إلى عالم القراءة والمعرفة، وإلى عالم الرسم والنحت، وعالم الموسيقا.. مرة أخرى، لكأنها هي توءم الأب طنوس، إنها تشبهه، فتتحرك مثلما يتحرك، وتتكلم مثلما يتكلم، ومجنونة بالكتب والفنون مثله أيضا. يا إلهي كم اهتمت بي، وكم اعتنت واجتهدت وهمّت كي أكون غنيا بالعلوم والمعارف والفنون، كانت في سبعتها الخامسة أو السادسة من سنيّ عمرها نحيلة مثل عود الزلّ، ورقيقة راهجة مثل نور الشموع، وصافية كمرآة. يا /لماريا/ كم تعلقتُ بها، كم أحببتها، كم عشقتها! روحي تركض إليها وتناديها كلما جال اسمها في لهاتي، وقلبي يدق لها كلما مرّ بي طيفها(12)
وهذا هامش أخير للزهروري
" في درب العودة، عفوا، في درب الخيبة، بكى /قدورة/ وبكيت، وبكى /سلامة/ وهو يهمهم: الذهب غا ل.
مجنون /سلامة/ إنه يقول الحقيقة، ف/فضة/ أغلى من الذهب.
قلت ل/قدورة/: ما العمل؟!
قال: اسمع يا /زهروري/.. هدايا السماء مفردة! ولا تعاد، و/فضة/ كانت مفردة، ورؤيتها لا تعاد!
فبكيت، وطرقت رأسي بجرة الماء حتى.. كسرتها. (13)
وهكذا يستهدف حسن حميد أن يكون هناك معنى ما في الرواية، وهو ليس ذلك المعنى المبني على سردية مستقرة، لكنه الناتج عن العلاقة بين الصور في تزاوجها معا، فالصورة الواحدة تحدد شيئا ما إذ تتحدث عنه أو تصفه، وإنما توضع صورة بجوار الأخرى، فينفجر المعنى، ولنقرأ آخر هوامش الرواية ليتأكد لنا هذا المعنى..
«قل لي يا إلهي، ماذا أفعل وقد غدوت وحيداً تماماً، والجنود الشقر على الجسور، وفي مفارق الطرق، وفي القرى والمدن؟». (14)
بهذه النهاية الدالة نشير إلى ما أشرنا إليه سابقا، بأن القضية الفلسطينية بات من الضروري بأن تصبح مخطوطة الفلسطيني التي عليه أن يسجلها ويحفظها لنفسه وللأجيال التالية من بعده، في ظل العجز عن تحريرها في الزمن الحالي، لذلك نجدنا أمام نهاية يطغى عليها الموت والمأساة والحزن بعدما طال بطل الرواية «عبودة» حزن عميق إثر فقده كل من أحبهم وظل أولئك الذين يهددون باغتصاب الأرض قرب البحيرة.
7- القضية بين المتن والهامش
– لقد استثمر الكاتب قضيته الفلسطينية في صياغة بنية فنية خاصة تشبه وطنه، فاستخدم تقنية مكررة، بين المتن والهامش، وما يتخللهما من استدراكات للحيلولة دون زوال الهوية واندثارها - والكاتب من خلال المتن والهامش يعيد انتاج وطنه من جديد، وطن أرجحته في ناسه، ومن هذا المنظور يكشف الكاتب دلالات عدم اكتمال السردية الفلسطينية، وفق بنية روائية همها تشكيل عالم متماسك متخيل، ينسجه الروائي عبر حكايات أو ذوات تحمي لغتها وعرقها وأسطورتها، بهدف تكوين هوية لجماعة إنسانية تؤمن بوجودها، ولو على شكل سردية لا أكثر، وإن كانت القصة أو الحكاية تكمن في اللباب، وهو منطق يستخدمه أهل البلاد المحتلة لتأكيد هويتهم الخاصة ووجودهم الإنساني، وكما أشرنا من قبل فإن هذه المحاولة الروائية ليست أكثر من محاولة لخلق سردية جديدة للوطن
يمكن أن نقول عنها أن ثمة نفس سريالي يسري في عروقها، وفيها أيضا تأمل للموت والانبعاث، بوصفهما يتجاوران ويتتابعان لتستمر الحياة، وهذا كله وسواه من أدوات وأساليب بناء رواية ذات إيقاعات تتلون بألوان المشهد، وتصبغ بأصباغ الحال المعبر عنها وتبنى بلغة رشيقة ما يمنح رواية حسن حميد ومن ثم تجربته، قدرا عاليا من الفرادة والتمايز في الرواية العربية الحديثة كلها، وأخيرًا أعترف أنني، منذ سنين، لم أقرأ تجربة روائية ترقى إلى السردية الفلسطينية بهذا العمق والوعي المبين إلا مع رواية حسن حميد.
– وبعد.. لقد استثمر الكاتب قضيته الفلسطينية في صياغة بنية فنية خاصة تشبه وطنه، فاستخدم تقنية مكررة، بين المتن والهامش، وما يتخللهما من استدراكات للحيلولة دون زوال الهوية واندثارها - والكاتب من خلال المتن والهامش يعيد انتاج وطنه من جديد، وطن أرجحته في ناسه، ومن هذا المنظور يكشف الكاتب دلالات عدم اكتمال السردية الفلسطينية، وفق بنية روائية همها تشكيل عالم متماسك متخيل، ينسجه الروائي عبر حكايات أو ذوات تحمي لغتها وعرقها وأسطورتها، بهدف تكوين هوية لجماعة إنسانية تؤمن بوجودها، ولو على شكل سردية لا أكثر، وإن كانت القصة أو الحكاية تكمن في اللباب، وهو منطق يستخدمه أهل البلاد المحتلة لتأكيد هويتها الخاصة ووجودها الإنساني، وكما أشرنا من قبل فإن هذه المحاولة الروائية ليست أكثر من محاولة لخلق سردية جديدة للوطن.
مراجع الدراسة
– حسن حميد: حسن حميد (ولد 1955 م)، باحث وكاتب قصصي وروائي فلسطيني سوري، صدر له أكثر من عشر مجموعات قصصية، تحوي بين دفاتها أكثر من مئة قصة قصيرة، فازت نصوصه بجوائزَ في البلاد العربية وألمانيا، منها جائزة نجيب محفوظ عام 1999 عن رواية «جسر بنات يعقوب» التي تُرجمت إلى اللغة الفرنسية والتركية.
– 2019 – «الكراكي»: الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق
1- (سليم بركات (بالعربية: سليم بركات، بالكردية: Selîm Berekat، وُلد في 1 سبتمبر 1951 في القامشلي) روائي وشاعر سوري كردي. يُعدّ من الروائيين والشعراء المبدعين الذين يكتبون باللغة العربية. منذ سبعينيات القرن الماضي، نشر العديد من الروايات والمجموعات الشعرية والسير الذاتية وكتب الأطفال.)
– الكراكي لسليم بركات عام 1981
2- الرواية 7)
3- عبد المجيد زراقط (سيرياهوم نيوز- الأخبار اللبنانية 6-11-2020)
4- الرواية ص9)
5- الرواية ص١٢)
6- الرواية ص312)
7- يُعدُّ الفيلسوف الألماني هيغل (1770م – 1831م) أحد أهمّ مؤسسي حركة الفكر المثالي في ألمانيا وصاحب المنظومة الجماليّة الواسعة المعروفة بالأستطيقا،
8- (الرواية)
9- (الرواية)
10- (الرواية)
11- عبد المجيد زراقط (سيرياهوم نيوز- الأخبار اللبنانية 6-11-2020)
12- (الرواية ص195)
13- (الرواية 242)
14- (الرواية ص320)
