الثلاثاء ٢٩ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٩

مدونة الأسرة المغربية نموذج يحتذى به

بقلم: حكيمة الحطري

برعاية من اتحاد نساء اليمن، ودعم من السفارة الألمانية، وبتنسيق مع السفارة المغربية تم تنظيم مؤتمر علمي بصنعاء بجمهورية اليمن الشقيقة في الفترة المتراوحة ما بين 12 و16 دجنبر 2009 حول موضوع «مقارنة قانون الأسرة المغربي وقانون الأحوال الشخصية اليمني»؛ بغية الاستفادة من التجربة المغربية في التقنين الأسري. حيث أصبح المغرب بإصداره لمدونة الأسرة سنة 2004 نموذجا ومثالا يحتذى به في العالم العربي والإسلامي نظرا للمميزات التي جاءت بها مدونة الأسرة في مقاربتها لقضايا الأسرة ؛ حيث مزجت بين المرجعية الإسلامية والانفتاح على الثقافة الكونية بما لا يتنافى والمرجعية الإسلامية.

وقد شارك في هذه الندوة من الجانب المغربي مجموعة من الأساتذة والطلبة المختصين ممثلين لجامعتي سيدي محمد بن عبد الله وجامعة القرويين بفاس وهم:
 الدكتورة فاطمة الصديقي ناشطة حقوقية وكاتبة متخصصة في علوم اللغات والدراسات النسائية عضواللجنة العلمية لكرسي اليونسكو.
 الدكتور موحى الناجي ناشط حقوقي وكاتب متخصص في النوع الاجتماعي ومشارك في مشروع حوار الحضارات والثقافات.
 الدكتورة حكيمة الحطري أستاذة أحكام الأسرة، ورئيسة فريق بحث متخصص في قضايا المرأة والطفل فقها وقانونا بكلية الشريعة - فاس.
الأستاذ عبد الرحيم الأمين أستاذ الفقه الإسلامي بجامع القرويين، وطالب باحث في قانون الأسرة والطفل بكلية الحقوق،وأصول الفقه بكلية الشريعة بفاس.
والطالبة سناء لعليوي طالبة عن سلك الماستر تخصص القضاء والتوثيق بكلية الشريعة بفاس، _ والطالب رضوان شعيب تخصص الدراسات الشرعية مسلك الشريعة والقانون بكلية الشريعة بفاس.
الطالبة ماجدة بولعيد تخصص القضاء والتوثيق مسلك الشريعة والقانون بكلية الشريعة بفاس.
ومن الجانب اليمني شارك مجموعة من الأساتذة والطلبة من جامعة صنعاء كلية الشريعة والقانون. كما حضر الجلسة الختامية مجموعة من الفعاليات الحكومية وغير الحكومية برئاسة السيد عبد العزيز عبد الغني رئيس مجلس الشورى وعدد من البرلمانيين وممثلين عن وزارة العدل بالإضافة إلى السفير المغربي السيد محمد حما الذي ألقى كلمة بالمناسبة رفعها إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله ؛ مع تنويهه بالمجهودات المثمرة التي قام بها الوفد المغربي. كما حضر هذه الفعالية عدد من سفراء الدول الشقيقة والصديقة.

وبعد خمسة أيام من النقاش المستفيض، والعمل الجاد في ورشات متعددة تركزت على دراسة القانونين دراسة أكاديمية شرعية، قانونية وحقوقية، والمقارنة بينهما من مختلف جوانبهما خلص المشاركون إلى ما يلي:

أولا: أوجه الاتفاق بين القانونين.
تتجلى أوجه الاتفاق بين القانونين في كثير من القضايا أهمها:

 اعتبار الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للقانونين ؛ سواء من خلال أقوال الفقهاء المعتمدة في تراثنا الفقهي والمستمدة من القرآن والسنة وعمل السلف الصالح، أومن خلال إعمال آليات الاجتهاد الفقهي الذي يهدف إلى تحقيق العدالة والإنصاف للرجل والمرأة خاصة والأسرة والمجتمع عامة.

 التطور الملموس الذي عرفه القانونان في الآونة الأخيرة عبر إيجاد حلول تشريعية لكثير من المشاكل التي عانت وتعاني منها مؤسسة الأسرة في البلدين ؛ باعتبار الأسرة نواة المجتمع، وأساس تقدمه وازدهاره ؛ لما لها من أدوار هامة في الضبط الاجتماعي والتربوي والأخلاقي انطلاقا من أحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا وسعادتهم في الآخرة.

 اتفاق القانونين على جل _ وليس كل _ المقتضيات القانونية الجزئية نظرا لاتحاد المرجعية في الجملة وتقارب _ وليس تطابق _ بيئة البلدين وثقافة وأعراف وتقاليد الشعبين الشقيقين.

 العمل على ضمان استقرار الأسرة وضمان حقوق أفرادها ومختلف مكوناتها _ الرجل والمرأة والطفل _ من خلال محاولة قانونية جادة تهدف إلى تحقيق الوئام والتضامن داخل بين أفراد الأسرة ؛ مع تفاوت واختلاف، وتباين أحيانا في كيفية وآليات ضمان هذه الحقوق وتمكين أطرافها منها.

ثانيا: أوجه الاختلاف بين القانونين.

على الرغم مما تم الوقوف عليه من أوجه الاتفاق والتطابق بين القانونين والذي لا يهمنا عرضها باعتبارها هي الأصل والمبدأ العام فإن هناك اختلافات كثيرة بينهما، سواء من حيث الشكل أوالموضوع منها:

 الاختلاف في التسمية حيث نجد القانون المغربي يسمى مدونة الأسرة بمقتضى المادة الأولى منه؛ في حين أن القانون اليمني يسمى قانون الأحوال الشخصية بمقتضى مادته الأولى أيضا.

 تطرق القانون المغربي لنطاق تطبيقه من خلال مادته الثانية في حين أن القانون اليمني لم يتعرض لهذه القضية.

 تبني القانون المغربي للرقابة السابقة على مختلف التصرفات القانونية التي تهم الأسرة:كالزواج والطلاق ؛ بالإضافة إلى جعل النيابة العامة طرفا أصليا في كل القضايا الرامية إلى تطبيق المدونة بمقتضى المادة الثالثة من مدونة الأسرة الشيء الذي لا نجده في القانون اليمني الذي يكتفي بالتدخل القضائي اللاحق عند وقوع النزاع، كما أنه لم يتم تفعيل دور النيابة العامة في قضايا الأسرة.

 تبني القضاء الجماعي في غير دعوى النفقة والطلاق والتطليق والمسطرة الكتابية في غير قضايا النفقة ؛ بالإضافة إلى تبنيه القضاء الفردي والإجراءات الشفوية.

 اشتراط القانون المغربي توثيق عقود الزواج والإشهاد على الطلاق وفق إجراءات مضبوطة ؛مع الحصول على إذن قضائي بعد التأكد من صحة الوثائق المدلى بها في الزواج، وإجراء محاولة الإصلاح ، ووضع المستحقات في صندوق المحكمة في الطلاق، في حين أن القانون اليمني لم يشترط الإذن القضائي في توثيق الزواج والطلاق بحيث يمكن توثيقه ولوبعد شهر من وقوعه.

 المزج بين القواعد الموضوعية والقواعد المسطرية في قضايا الأسرة في القانون المغربي ؛ في حين أن القانون اليمني اقتصر على القواعد الموضوعية تاركا القواعد الإجرائية لقانون المرافعات.

 تحديد القانون المغربي لمجموعة من الإجراءات والآجال بغاية سرعة البت في قضايا الأسرة مثل تحديد ثلاثين يوما للبت في قضايا النفقة وستة أشهر للفصل في دعوى الشقاق وخمسة عشر يوما كأجل للطعن بالاستئناف في حين أن القانون اليمني يعتمد في كل ذلك القواعد العامة في المرافعات.

 تنظيم القانون المغربي لأوضاع الجالية المغربية فيما يتعلق بالزواج وإنهائه من خلال المواد 14_ 15 _ 128 في حين أن القانون اليمني لم يتعرض لهذا الموضوع.

 اعتبار الولاية على المرأة في الزواج اختيارية وليست إجبارية في القانون المغربي بمقتضى المادتين 24 و25 تمارسها المرأة أوتفوضها لمن تشاء من أقاربها؛ في حين أن القانون اليمني يعتبر الولاية من شروط صحة الزواج مع تأكيده على رضى الزوجة وعدم إكراهها على الزواج وإمكانية رفع أمرها للقاضي عند عضل وليها.

 تنظيم تعدد الزوجات في القانونين مختلف وإجراءاته متباينة

 أهلية الزواج في القانون المغربي هي 18 سنة مع إمكانية زواج القاصر بإذن قضائي بعد اعتماد خبرة طبية وإجراء بحث اجتماعي، وتفعيل سلطة القاضي في ممارسة سلتطه التقديرية ؛ في حين أن القانون اليمني لم يحدد سنا للزواج لكنه اشترط في الدخول القدرة والصلاحية والاستطاعة.

 عدم اعتماد التقسيم بين حقوق الزوج وحقوق الزوجة في القانون المغربي وجعلها حقوقا متبادلة مشتركة بينهما مشمولة في مادة واحدة اعتمادا على تكريس مبدأ المساواة الذي كان حاضرا بقوة في صياغة المدونة ؛ في حين أن القانون اليمني فصل بين حقوق الزوج وحقوق الزوجة في مادتين مستقلتين.

 تنظيم القانون المغربي لكيفية تدبير أموال الزوجين في مرحلة الزواج،وحق كل منهما في الثروة المكتسبة خلال مرحلة الزوجية بقدر مساهمته فيها من خلال المادة 49 من المدونة في حين أن القانون اليمني لم يتعرض لهذا الموضوع مما يجعل حقوق الزوجين معرضة للضياع.

 اشتراط القانون المغربي في زواج المعاق رشد الطرف الآخر ومنع القاضي من تزويج من هي تحت ولايته من نفسه بنفسه، وجعل التحريم في الرضاع بحصول واقعة الرضاع دون تحديد عدد الرضعات، وإعطاء الحق للزوجة التي خالعت زوجها أن تسترجع ما دفعت للزوج مع إمضاء الطلاق إذا أثبتت أنها كانت مكرهة على الخلع، وتحديد أقصى مدة الحمل في سنة، وجعل مدة الحضانة إلى بلوغ سن الرشد مع إعطاء الحق للمحضون في اختيار الحاضن إذا بلغ 15 سنة مع جعل الأب في المرتبة الثانية بعد الأم في استحقاق الحضانة، في حين أن القانون اليمني لم يشترط رشد الطرف الآخر في زواج المجنون وإن كان قد اشترط الرضى، وجعل للقاضي أن يزوج من هي تحت ولايته لنفسه وجعل التحريم بخمس رضعات ولم يتعرض للمكرهة على الخلع هل يمكنها استرداد ما خالعت به ولم يحدد أمدا لأقصى مدة الحمل وجعل مدة الحضانة 9 سنوات للذكر و12 سنة للأنثى ما لم يقدر القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون مع ترتيب مختلف لمستحقي الحضانة.

وبعد الاستماع إلى نتائج هذه المقارنة التشريعية بين القانونين اليمني والمغربي، صرح رئيس مجلس الشورى اليمني السيد عبد العزيز عبد الغني باعتبار قانون الأسرة المغربي نموذجا رائدا في القوانين العربية، الشيء الذي يتطلب الاستفادة من تجربته في القانون اليمني؛ ولهذه الغاية تم تكوين لجنة تختص بتفعيل أهم النقط المتوصل إليها أثناء المقارنة؛خاصة تحديد الحد الأدنى للزواج في 18 سنة، وتمكين المرأة من المشاركة في اتخاذ القرارات الأسرية، اعتماد المسطرة الشكلية في قضايا الأسرة إلى جانب قانون الموضوع. وإلى غير ذلك مما تم التوصل إليه أثناء العمل الأكاديمي الذي امتاز بعمق التحليل، ورد النصوص إلى مصادرها الأصلية ؛ الشرعية منها والقانونية .وقد تم تكوين هذه اللجنة فور انتهاء المؤتمر الختامي والإعلان عنها.

وختاما نجدد شكرنا وامتناننا لكل من ساهم في هذه المؤتمر العلمية القيمة من قريب أوبعيد وخصوصا اتحاد نساء اليمن وجامعتي صنعاء وفاس بالإضافة إلى السفارة الألمانية بصنعاء
كما نجدد شكرنا للسفارة المغربية بصنعاء على جهودها المحمودة لتسهيل وصول الوفد المغربي والعناية به؛ وكذا حكومة البلدين الشقيقين المغرب واليمن اللذين ما فتئا يشجعان على مثل هذه اللقاءات التشاورية والحوارية والثقافية المثمرة؛ سائلين المولى عز وجل أن يؤلف بين الشعبين الشقيقين ويوفقهم لما فيه خير البلدين وأن يهدينا جميعا سواء السبيل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم: حكيمة الحطري

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى