الثلاثاء ١ آذار (مارس) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

مملكةُ الذَّكاء

بعدَ أن تسابقَ العالمُ إلى إحرازِ قصبِ السَّبقِ في ميدانِ الذَّكاءِ الاصطِناعيّ الّذي أضحَى مقياسَ التَّقدُّمِ العلميِّ والتِّقْنيِّ والحضاريِّ لبلوغِ ذُرا مجدِ التَّطوُّرِ والحداثةِ والارتقاءِ بالإنسانِ نحوَ الرَّفاهيةِ والسَّعادةِ والجمالِ والكمالِ، نهضَتْ مملكةٌ حديثةٌ من بينِ ركامِ الجهلِ والتَّخلُّفِ إلى صَهوةِ ركبِ حضاراتِ الأممِ، عُرفَت باسمِ (مملكةِ الذَّكاء) الّتي باتَت شمساً وضَّاءةً اختفَتْ أمامَ أنوارِها كلُّ معالمِ نجومِ العالمِ المتقدِّمِ الّذي راحَ يعضُّ أصابعَه ندماً، ويَبكي تراثَه التِّقنيَّ، الّذي أكلَ الدَّهرُ عليهِ وشربَ، بكاءَ الثَّكالَى!

وكانَ ممّا أثارَ فضولَ العالمِ وإعجابَه أنّ ملكَ هذهِ المملكةِ هو الرَّائدُ الأوَّلُ في ميدانِ التَّقدّمِ التِّقنيّ والمعلوماتيّ، إذِ استطاعَ خلالَ عقدٍ من الزّمانِ أن يُنشئَ جيلاً إلكترونيَّاً يُفْطِرُ على ذرَّاتِ الإلكِترونِ، ويتعشَّى على مائدةِ الشُّحناتِ الكهربائيَّةِ؛ ليعجنَ منها طبقاً من الذَّكاءِ الاصطِناعيّ، ويُخرجَ فضلاتِه شرائحَ ذكيَّةً تُحرِّكُ الحياةَ بأنفاسِها، دونَ أن يبذلَ سكّانُ المملكةِ أدنَى جهدٍ بشريٍّ، فليسَ أمامَ هؤلاءِ البشرِ سِوى امتلاكِ هاتفٍ ذكيٍّ يُحشى بهذهِ الشَّريحةِ الذَّكيّةِ الشَّاملةِ الّتي تَشحنُ ذاتَها بالإنْتَرنِت لمجرَّدِ لمسةٍ سحريَّة على رمزِ (الوَاي وَاي)، إضافةً إلى اتّصالِها بالأقمارِ الصِّناعيَّةِ للوصولِ إلى جميعِ رعايَاها، ولو كانُوا في أعماقِ البِحارِ في نزهةٍ بحريَّةٍ، أو على سطحِ أحدِ كواكبِ المجموعةِ الشَّمسيَّةِ لقضاءِ شهرِ العسلِ!! وتفتحُ أمامَك هذهِ الشَّريحةُ كلَّ ما تشتَهيهِ النَّفسُ من خِدماتِ الاستِهلاكِ والرّفاهيةِ ومتطلَّباتِ الحياةِ اليوميَّةِ، ابتداءً من غرفةِ النَّومِ في الأرضِ ووصولاً إلى منطادِ النُّزهةِ في الفضاءِ، ولا تتطلَّبُ سِوى لمسَاتٍ رومانسيَّةٍ من أصابعِ رعايَاها؛ لتفتحَ أمامَهم جنّاتِ النَّعيمِ على مِصراعَيها، فيترحَّمُ النَّاسُ حينَها على أيَّامِ الشَّقاءِ والعملِ من أجلِ رغيفِ خبزٍ أو كُبسولةِ دواءٍ أو شراءِ حاجاتِهم بعدَ ذلٍّ وعناءٍ!

وقد تسابقَ الكتَّابُ والشُّعراءُ إلى الغزلِ العفيفِ الطَّاهرِ في بيانِ أسرارِ الجمالِ والذَّكاءِ في هذهِ الشَّريحةِ الّتي أعجزَتْ كلَّ مُفكِّري العالمِ عن فكِّ طلْسمٍ من طلاسمِها، أو كشفِ سرٍّ من أسرارِها، لكنَّهُ عالمٌ غبيٌّ كلَّ الغباءِ أمْضَى مئاتِ السِّنينَ، وهو يبحثُ عن حلِّ لُغزٍ من ألغازِ مثلَّثِ برمُودا، فكيفَ بهِ يُنهِكُ فكرَه في فكِّ شيفرةٍ من شيفراتِ هذهِ الشَّريحةِ الّتي لا تُرى بأحدثِ مجاهرِ العلماءِ، وهيهاتَ هيهاتَ لعالَمٍ متخلِّفٍ مازالَ يستخدمُ الشَّرائحَ الإلكترونيَّةَ التَّقليديَّةَ والحاسباتِ الآليَّةَ الّتي لا تُعدُّ نقطةَ ماءٍ في بحرِ علومِ هذهِ الشَّريحةِ الذَّكيّةِ الجميلةِ.. أنْ يرقَى درجةً واحدةً في سلَّمِ هذا الذَّكاءِ الخارقِ للطَّبيعةِ البشريَّةِ والمتجاوزِ حدودَ الزَّمانِ والمكانِ في عبقريَّةِ صناعتِها واستخداماتِها الّتي تتنبَّأُ بحاجاتِ سكّانِ المملكةِ، قبل أنْ يُفكِّرُوا في طلبِها من خلالِ اللَّمساتِ السِّحريَّة؛ لأنّها مزوَّدةٌ ببرامجَ تقرأُ الأفكارَ، وتفسِّرُ المشاعرَ والعواطفَ، وتتفرَّسُ بالتَّطلُّعاتِ نحوَ المستقبلِ والرَّغباتِ الغارقةِ في أحلامِها في العقلِ الباطنِ!

قوائمُ تشغيلِ الشَّريحةِ:

أيقونةُ الطَّعامِ والشَّرابِ:

تحملُ رمزَ (الشَّوكةِ الذَّهبيَّة وكأسِ العالمِ)، ولا تتطلَّبُ سِوى لمسةٍ سحريَّةٍ خفيفةٍ؛ لتفتحَ أمامَكَ كلَّ قوائمِ الطَّعامِ والشَّرابِ، مع اختلافِ النَّوعيَّةِ والتَّركيبِ عنِ الأطمعةِ والمشروباتِ التَّقليديَّةِ، إذْ سيترحَّمُ سكّانُ المملكةِ على أيَّامِ خبزِ الأفرانِ والمأكولاتِ الّتي طالَما تبَاهَى بها العالمُ وهو يتنافسُ في ماركاتِ مأكولاتِه السَّريعةِ ومشروباتِه السَّاخنةِ والباردةِ، فمَا على سكّانِ المملكةِ سِوى شقِّ البابِ؛ لاستقبالِ كبسولاتِ الطَّعامِ في علبٍ من البرونزِ المعشّقِ بالذَّهبِ، تحملُ جميعَ أنواعِ البروتيناتِ والفيتاميناتِ والمعادنِ، إضافةً إلى ذرَّاتِ ( (H2Oالّتي يتكوَّنُ منها الماءُ، فيَمضغُها النَّاسُ دونَ حاجةٍ إلى إرهاقِ الفكَّينِ في طحنِ الطَّعامِ بالأسنانِ، ودونَ مبرِّرٍ إلى الفرشاةِ والمعجونِ لتنظيفِها من بقايَا الطَّعامِ، ولا نَنْسى أنَّ ذلكَ سيُوفِّرُ على سكّانِ المملكةِ زيارةَ عياداتِ الأسنانِ والأطبَّاءِ، وعياداتِ تخفيفِ الأوزانِ وقصِّ الأمعاءِ الغليظةِ، وشدِّ البطونِ وشفطِ الدُّهونِ؛ لأنَّ الكبسولاتِ مزوَّدةٌ بكلِّ ما يحفظُ للإنسانِ عيشَه الرَّغيدَ في صحَّةٍ وهناءةٍ وعمرٍ مديدٍ يشبهُ عُمرَ الشَّريحةِ الذَّكيَّةِ ذكاءً وجمالاً!

أيقونةُ الموادِّ الاستهلاكيَّةِ:

تحملُ رمزَ الطَّاقةِ المتجدِّدةِ، فتضغطُ على زرِّها وأنتَ متحمِّسٌ، فتنسدِلُ أمامَكَ قائمةُ الموادِّ الأساسيَّةِ في حاجاتِك من غيرِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وأّولُ أيقونةٍ تراهَا عيناكَ هي أيقونةُ أسطوانةِ الغازِ الّتي أنهكتِ العالمَ فيمَا مضَى، وهم ينتَظِرون أدوارَهم في طابورٍ سادسٍ حتّى يشتَمُّوا رائحتَها، أمَّا في زمنِ الشَّريحةِ الذَّكيَّةِ، فأصبحَت أسطوانةُ الغازِ من ذكرياتِ الماضِي؛ لأنَّ زفرةً واحدةً على الأيقونةِ ستدفعُ بكبسولاتِ الغازِ إلى تحتِ قدميكَ لتزويدِكَ بكلِّ ما تحتاجُ إليه من طاقةٍ؟!

ثمَّ تنسدلُ أمامكَ أيقونةُ النِّفطِ الّذي أماتَ نصفَ سكّانِ العالمِ، وهم يتزاحمُون على ليترٍ من البنزينِ أو المازوتِ، فتلمسُها لمسةَ حنانٍ، لتنفتحَ أمامكَ خراطيمُ الصَّهاريجِ أمامَ منزلِكَ وهي تنتظرُكَ بشغفٍ لتفتحَ لها خزَّانَ الوقودِ حتّى يغصَّ بالنّفطِ، وتُناديكَ أيقونةٌ أُخرى بالضَّغطِ على أيقونةِ السَّيَّارةِ حتّى تفتحَ غطاءَ التَّعبئةِ، لتزويدِها بكلِّ ما تحتاجُ إليهِ من طاقةِ الحركةِ؟!

وفجأةً تنسدلُ أمامَ ناظريكَ أيقونةُ الكهرباءِ، وهي تحملُ رمزَ الشَّمعةِ المُتلألئةِ، فتضغطُ عليها وأنتَ تُحرِّكَ شفتيكَ، فيتمُّ شحنُ جميعِ أدواتِكَ الكهربائيَّةِ دونَ أسلاكٍ كانَت معرَّضةً أيّامَ زمانٍ للسَّرقةِ، وتُنارُ جميعُ مصابيحِكَ دونَما حاجةٍ إلى لمسِ أزرارٍ أتعبَتِ اللُّصوصَ فيما مضَى وهم ينتشِلُونَها معَ علبِها وأسلاكِها من الجدرانِ؟!
وتتَتابعَ الأيقوناتُ أمامَ بصرِكَ، وهي تتدفَّقُ سحراً كسِحرِ جمالِ ورقَّةِ كلماتِ حبيبةِ بشّارِ بنِ بُردٍ الأعْمى: وَكَأَنَّ تَحتَ لِسانِها * هاروتَ يَنفُثُ فيهِ سِحْرا

وفجأةً تُلاحِقُ أناملَكَ أيقونةٌ تحملُ رمزَ أبراجِ بابلَ فتضغطُ عليها، لتطالِعَكَ أبراجٌ سكنيَّةٌ تدعوكَ في همسٍ حنونٍ إلى اختيارِ الشِّقَّةِ المناسبةِ لأسرتِكَ، وهي تدورُ مع الشَّمسِ بقوَّةِ طاقتِها، فتختارُ ما يُناسبُكَ، وهي مجهَّزةٌ -دونَ أدنَى شكٍّ- بكلِّ مستلزماتِ الحياةِ العصريَّةِ لا تُستخدَمُ إلّا في ذكاءٍ في ملكوتِ المملكةِ، وستُصبحُ مشاهدُ التَّعفيشِ المُمنهجِ للمنازلِ القديمةِ ذكرياتٍ من أطلالِ أمِّ كلثومَ، وما عليكَ سِوى أنْ تصطحِبَ أسرتَكَ وهاتفَكَ الذَّكيَّ ليفتحَ لكَ الأبوابَ، فتدخلُ شقَّتَك وأنتَ في غايةِ السَّعادةِ والإيجابيَّةِ، وتنْسى أيَّامَ البيوتِ غيرِ المنظَّمةِ المنتشرةِ هُنا وهناكَ كمقابرِ الأمواتِ، وتترحَّمُ على أيّامِ فقرِك، وأنتَ تبحثُ عن شقَّةٍ للاستِئجارِ.. هذهِ كبيرةٌ، وهذهِ صغيرةٌ.. هذهِ باهظةُ الأجرةِ، وهذهِ لا تتناسبُ معَ كاملِ مرتَّبِكَ الشَّهريّ.. وهذهِ لا تَرى الشَّمسَ.. وهذهِ مُختنقةٌ بالرَّوائحِ.. هذهِ تُريحُ الزَّوجةَ.. وهذهِ لا تُقنعُ أهلَها ولا جاراتِها لاحتِساءِ فناجينِ القهوةِ.. قصصٌ وقصصٌ أضحَت منَ الماضي البعيدِ، مع عطاءاتِ الشَّريحةِ الذَّكيَّةِ؟!

أيقونةُ الوظائفِ:

وها هيَ أيقونةٌ رُسمَ عليها مكتبٌ عصريٌّ منحوتٌ منَ الخشبِ الرُّوسيِّ والأرزِ اللُّبنانيِّ والموزاييكِ الفارسيِّ، وخلفَه كرسيٌّ يتلألأُ بلمعانِ الذَّهبِ الأمريكيِّ، فما عليكَ إلّا ضمُّ أصابعِكَ الأربعةِ لتلمسَها بإصبعِكَ الصَّغيرِ (الخُنصُر)، حتّى تنسدِلَ أمامَك الوظائفُ العُلْيا والدُّنيا، فتنفتحُ أمامكَ حالاً قائمةُ وظائفِ الوزراءِ والحقائبِ الدبلوماسيَّةِ، وما عليكَ إلّا أنْ تُدخِلَ (كود) الشَّريحةِ الذَّكيَّةِ حتّى يتمَّ ترشيحُكَ لأحدِ المناصبِ الوزاريَّةِ أو الدِّبلوماسيَّةِ الّتي تُملي عليكَ الرّغبةَ في التَّطوُّعِ والعملِ الخيريِّ؛ لأنَّها لم تعُدْ منصِباً يتنافسُ عليهِ المتنافِسُون، فلا يفوزُ فيهِم غيرُ الدُّهاةِ وأصحابِ المالِ والنُّفوذِ كمَا كانَ في الماضِي، أمّا اليومَ في ظلِّ ذكاءِ الشَّريحةِ- كرَّمَ اللهُ ذكاءَها- ، فقد أضحَتِ تلكَ المناصبُ مُتاحةً للجميعِ حسبَ عزيمةِ المتطوِّعِ في ممارسةِ مهامِّها لتلبيةِ حاجاتِ الرّعيَّةِ دونَ التَّمييزِ بين زيدٍ وعُبَيدٍ؟!

وقِسْ على ذلكَ في جميعِ المناصبِ الأُخرى العُليا منها والسُّفلَى، وربَّما يتساءلُ متسائلٌ: هل يجوزُ التَّرشُّحُ لمنصبِ ملكِ المملكةِ؟! فيكونُ المتسائلُ أمِّيَّاً لا يحملُ أيَّةَ شهادةٍ تؤهِّلُهُ لفهمِ حقائقِ المملكةِ؛ لأنَّ هذا المنصِبَ حِكرٌ على الملكِ المعظَّمِ الّذي أسّسَ المملكةَ الحديثةَ بجهودِه وخبراتِه الفائقةِ الذَّكاءِ، فلا ينافسُه عليهِ مُنافسٌ؟! وربَّما يتطاولُ سائلٌ آخرُ بالسُّؤالِ: ومَن سيحكمُ المملكةَ في حالِ رحيلِ الملكِ لا قدَّرَ اللهُ؟! وسؤالُه -كما ترَونَ- سؤالُ أبلَهَ لا يعرفُ قانونَ خلودِ الملوكِ.. ولأنَّهُ يجهلُ أنَّ الملكَ يموتُ جسداً، لكنَّ روحَه تنتقلُ تقمُّصاً بالوراثةِ من جسدٍ إلى آخرَ ضمنَ السُّلالةِ بنفسِ خصائصِ الحكمةِ والقوَّةِ والذَّكاءِ والإلهامِ، معَ ملاحظةِ التَّغيُّراتِ الطَّبيعيَّةِ الّتي تترافقُ مع تطوُّراتِ الحياةِ، فليسَ من المعقولِ أن يتمَّ التَّناسخُ دونَ مراعاةِ قانونِ تطوُّرِ الأزمنةِ والتَّاريخِ والهيئةِ.. وحينَها ستستَصْغِرُ ملوكَ فرنسا حينَما ختمُوا المملكةَ بلويسَ السَّادسَ عشرَ، الّذي انتهَتْ حياتُه بالإعدامِ في المقصلةِ، وانقطعَت بعدَها سلالةُ الملوكِ بقيامِ الثَّورةِ الفرنسيَّةِ؟!

أيقونةُ الأوراقِ الرَّسميَّة والمعاملاتِ:

وهي تحملُ صورةَ جوازِ سفرٍ عليهِ رمزُ الفَهدِ أسرعِ الحيواناتِ، فمَا عليكَ إلّا أنْ تبصِمَ على الأيقونةِ بإبهامِكَ الأيمنِ؛ حتّى تنسدلَ أمامكَ خِدماتُ الجوازِ الرَّسميّ والأوراقِ الثُّبوتيَّةِ بشتّى أنواعِها، وهُنا ستقودُك الذّاكرةُ إلى مرحلةِ ما قبلَ الشّريحةِ، حيثُ يتطلَّبُ استِصدارُ جوازٍ تافهٍ ببضعةِ أوراقٍ أشهراً عديدةً وتكلفةٍ باهظةِ الثَّمنِ، وازدِحاماً في الطَّوابيرِ أمامَ دوائرِ الهجرةِ أوالسّفاراتِ والقُنصليَّاتِ، فانتهَتْ تلكَ المُنغِّصاتُ غيرُ الحضاريَّةِ إلى غيرِ رجعةٍ بعدَ إصدارِ جوازاتِ السَّفرِ إلكترونيّاً بصيغةِ (بي كي جي أو جي بي كي) يصعبُ على المزوّرينَ التَّلاعبُ بها، كما أنّها تُسهِّلُ عودةَ جميعِ السُّكّانِ المهجَّرينَ في أزمانِ مأساويَّةٍ سابقةٍ إلى ديارِهم دونَ أن تُوقِفَهم حدودٌ دخولاً أو خروجاً، فالمسألةُ باتتْ من الماضي السَّحيقِ الّذي أتتْ عليهِ حضارةُ الحداثةِ والتَّطوُّرِ والذَّكاءِ الاصطِناعيِّ بكلِّ ما تعنيهِ الحداثةُ والتَّطوُّرُ التّكنولوجيُّ والمعلوماتيُّ؟!

أيقونةُ العشقِ والزَّواجِ:

تحملُ رمزَ قلبٍ مقلوبٍ رأسُه نحوَ الأعلَى يتدلَّى من أسفلِه غصنٌ نديٌّ يحملُ أوراقَ تفّاحةِ الجنَّةِ الّتي طالَما كانتْ رمزاً لشقاءِ الإنسانِ وضلالِه وإغوائِه، وتتجاوزُ عيبَ تفّاحةِ شركةِ (آبّل) الّتي أكلَ الحوتُ جزءاً منها، فشوّهَ معالمَها، لكنّها هُنا رمزٌ للعشقِ الأبديِّ المُتوَّجِ بالزَّواجِ المثاليِّ بعيداً عن خدعِ وفنونِ غرفِ النَّومِ ومتاهاتِها، وهي لا تستجيبُ للَّمساتِ فقطْ، وإنّما تحتاجُ إلى ابتسامةٍ تشبهُ ابتسامةَ المُوناليزا، وعندَها تفتحُ أمامَكَ عالماً مثاليَّاً من الجمالِ، ستترحَّمُ فيها على شقاءِ ملكاتِ الجمالِ، وهنَّ يتمايلنَ أمامَ شاشاتِ العالمِ في استعراضٍ جنونيٍّ يشبهُ جنونَ الأبقارِ، كما ستترحَّم على برامجِ المايكروسوفت ومحرِّكاتِ البحثِ (جوجل كروم) و(جوجل إيرث) و(جوجل تحديدِ المواقعِ والاتّجاهات) وغيرِها.. أمّا هُنا فمَا عليكَ إلّا أن تنظرَ إلى شاشةِ العرضِ نظراتِ حبٍّ وتفاؤلٍ، حتّى تنفتحَ أمامكَ قائمةُ الجميلاتِ، فتختارُ منْها ما كنتَ تحلمُ به في صلواتِكَ ودعواتكَ، وعندَها ستختارُ دونَ أنْ تحتارَ، وتفتحُ مع شريكةِ الحياةِ بابَ المحادثةِ، ولكنْ أيَّةُ محادثةٍ!

ستقولُ حينَها: كمْ كنتَ بسيطاً ومتخلِّفاً يا عنترةُ، وأنتَ تودُّ تقبيلَ السُّيوفِ؛ لأنّها لمعَتْ كبارقِ ثغرِها المتبسِّمِ؟!

وكمْ كنتَ بدائيّاً يا بنَ الملَّوحِ، وأنتَ تتغنَّى بلَيْلى غناءَ المجانينِ، وتعُدُّ اللّياليَ ليلةً بعدَ ليلةٍ، وقدْ عِشتَ دهراً لا تعُدُّ اللّياليا!!

وكمْ كنتَ مغفَّلاً يا بنَ زيدونَ، وولّادةُ تثيرُ غيرتَكَ لتُحبَّها، وهي تقولُ: (وأُمكّنُ عاشقِي من صحنِ خدّي، وأُعْطي قُبلَتي مَن يَشتَهِيها)؟!

وكمْ كنتَ دكتاتوراً ناعِماً مغروراً يا نزار قبّاني، وأنتَ تتباهَى بأنّكَ طاووسُ النِّساءِ.. وتجذِبُ النِّساءَ كالمغناطيسِ، وها أنتَ تُناجي حبيبتَك كإمبراطورةٍ وأنتَ أحدُ رعايَاها:

آهٍ.. يا سيّدتِي ..
لو كانَ الأمرُ بيَدي ..
لأقمْتُ عاصمةً لكِ في ضاحيةِ الوقتِ..
لا تأخذُ بنظامِ السَّاعاتِ الشَّمسيَّة والرّمليّه..
ولا يبدأُ فيها الزَّمنُ الحقيقيُّ إلّا..
عندَما تأخذُ يدُكِ الصَّغيرةُ قيلولتَها..
داخلَ يَدي..؟!

وستقولُ: رحمَ اللهُ أيّامَ الكلماتِ والرَّسائلِ ووسائلِ التّواصلِ المجَّانيّةِ الرَّخيصةِ.. ورحمَ اللهُ أيّامَ الصَّالوناتِ، وقصَّاتِ الشَّعرِ، وصرعاتِ الموديلاتِ الحديثةِ.. ورحمَ اللهُ ماركاتِ الماكياجاتِ ووسائلَ دعايتِها الّتي سيطرَتْ على نشراتِ الأخبارِ والأفلامِ ووقائعِ الاحتفالاتِ ونشراتِ الحالةِ الجوِّيّةِ!

وتخيَّلَ -يا رعاكَ اللهُ- كمْ ستوفِّرُ لكَ هذهِ الشَّريحةُ الذَّكيَّةُ من وقتٍ وجهدٍ، وأنتَ تبحثُ عن شريكةِ الحياةِ؟!
وتخيّلْ كمْ ستوفِّرُ لكَ من فناجينِ القهوةِ، وأنتَ تنتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ باحثاً عن امرأةٍ تسْعى إلى أنْ تضعَكَ في زنزانةٍ منفردةٍ تمثِّلُ فيها أعظمَ أدوارِ الجلَّادينَ عليكَ بمحْضِ إرادتِكَ وطوعِ أمرِك؟!

وتخيّلْ كمْ ستوفّرُ عليكَ من كسرِ الخواطرِ والنّفسِ، وأنتَ ترسلُ وجهاءَ البلدةِ لطلبِها.. هذهِ رفضَتْ.. وهذهِ اشترطَتْ.. وهذهِ ارتبطَت.. وهذهِ انفكّتْ.. وهذهِ أبوهَا.. وهذهِ أمُّها.. وهذهِ أعمامُها وأخوالُها كذَا وكذَا.. والرّواياتُ لا تنْتَهي..؟!

وكمْ ستوفِّرُ عليكَ منَ الأسئلةِ والأبحاثِ السّرّيَّةِ عن أصلِها وفصلِها وعلاقاتِها وحركاتِها وسكناتِها؟! هذا ينصحُكَ بالتَّوكُّلِ، وذاكَ يحذِّرُك منَ العجلةِ.. وهذا يشيرُ عليكَ بالاستِخارةِ.. وذاكَ يدفعُكَ بجمالِ العبارةِ.. وهذا يُجمّلُ لكَ الخديعةَ حتّى تقعَ فريسةً.. وذاكَ يرسمُ لكَ عالماً من الخيالِ حتّى تتوَّرطَ وتنتَهي جميعُ أحلامِك.. وبينَ (الحانةِ والمانةِ) تتساقطُ جميعُ نظريَّاتِكَ وأحلامِكَ وأفكارِكَ في الحبِّ.. وحينَها لا تجدُ أمامكَ من حلٍّ سِوى التَّوكُّلِ على اللهِ بإرضاءِ مَن حولَكَ، دونَ تفكيرٍ بخارطةِ الطّريقِ الّتي تقودُكَ إلى محرقةِ رومَا!

وتخيَّلْ كمْ ستُوفّرُ عليكَ من نفقَاتِ وتكاليفِ الأعراسِ و(الشّوباشاتِ) وعنتريَّاتِ استعراضِ المسدَّساتِ، وهي تُطلقَ رصاصَها في الهواءِ؟!

وكم ستوفّرُ عليكَ من طعامٍ وشرابٍ، ومن كلماتِ وألحانِ طربِ عمّالِ جلِي البلاطِ بعدَ أن أضحَوا مُطربينَ، ومن زفَّةٍ جاهليّةٍ تصنعُ منكَ طاوُوساً لنصفِ ساعةٍ ثمَّ تغادرُ العرشَ كديكٍ منتوفَ الرّيشِ دونَ أن تقرأَ كلمةً من كلماتِ فنجانِكَ المكسُورِ؟!

وتخيَّلْ كم ستوفّرُ عليكَ من جهدٍ ومالٍ في حضورِ كاتبِ عقدِ القِرانِ والشُّهودِ، وتجنِّبُكَ كذبَ العهدِ الّذي تقطعُه على نفسِكَ أمامَ والدِ العروسِ، وأنتَ ترسمُ لهُ معالمَ النَّعيمَ الّذي ستتوِّجُ فيهِ ابنتَه ملكةً على عرشِه، وتقيكَ ذلَّ تقبيلِ أيادي (حماتِكَ) واسترضاءِ كلِّ أفرادِ القبيلةِ؟!

وتخيّلْ كم ستوفّرُ عليكَ من مالٍ وجهدٍ، إذا ما انقلبَ ظهرُ المِجنِّ، فظهرَ المخبوءُ والمستورُ، وتحوّلتْ كلماتُ الغزلِ والحبِّ قبلَ الزِّفافِ إلى معاركِ كرٍّ وفرٍّ، فتُلقي باللَّائمةِ على كلِّ مَن سعَى وأفتَى في شرعيَّةِ مُصيبتِك؟!
وكم ستوفّرُ عليكَ من تكاليفِ رفعِ البلاءِ في حالِ وقوعِ الطّلاقِ البيّنِ والبائنِ والمتبيِّنِ والمُتباينِ.. والطّلاقِ بنيَّةٍ وبدونِ نيّةٍ.. والطّلقاتِ المتكرِّرةِ الّتي تستَدعي (التَّجحيش) دونَ (تَحشيش)؟! وستسمعُ الكثيرَ الكثيرَ حينَما تعيش!!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى