الأربعاء ٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٢
بقلم ماجد عاطف

موظف الارشيف

في فلوريدا اقتحمت الأف بي آي بيته وفتّشته، وصادرت بعض الأجهزة (الحاسوب والهاتف) ووثائق وكتابات. حققوا معه طوال أسبوعين عن كل شيء وبقي في الاحتجاز شهرين. لم يجدوا شيئا، فاضطروا للافراج عنه. لكن كانت لديهم معلومات عنه وتفاصيل. كلّها تدور داخل فلوريدا حيث لم يخالف القانون، لكن هدفها الفعلي بلده العربي. كانت له مشاركات، ومع أكثر من جماعة شرعية (أو شبه شرعية)، أي أن توجهها العام كان مناوئا لحكومة بلده ولكن في حدود القانون الأمريكي، الذي يحتكم إليه الجميع هناك. الصراع صريح شامل، وكل الأطراف تستعمل القانون، وهو أيضاً استعمله.

جمّد نشاطه والتفت لحياته العادية، العمل والأسرة.

لمّا كبرت بناته، بعد سنوات، عاد إلى بلده من اجل نشأة سليمة. كانت الأحوال قد تغيّرت وازدهر الربيع في تظاهرات وهبّات وثورات وصار هنالك مجال للفعل، وهو ما كان مكشوفاً في كتاباته المصادرة.

في كل الأحوال، لا ينبغي تجاوز القانون المعمول به في بلده، ولا ينبغي أن تثبت عليه صلة عضوية. من الممكن فعل وقول أي شيء، أو الانتظار، دون اتفاق مع أحد يثبت ضده ركنا قانونيا لتهمة.

عمل موظفاً في أول جمعية خيرية ردّت على طلبه. مكث شهورا كاملة عاطلاً عن العمل، يتقدّم عبر الانترنت بطلبات وطلبات إلى أن نجح أخيراً في الحصول على وظيفة. سلّم وثائقه، وأجرى مقابلة مع المدير الذي تبيّن أنه يعرفه كاسم وعائلة.

أخبره أنه سيبلغه النتيجة بعد أسبوع. لم يمر يومان إلا واتصل المدير هاتفياً به. أبلغه أن يبدأ العمل في اليوم التالي. شكره واكد له أنه سيفعل.

كانت الجمعية خيرية ذات سمعة طيبة. ليست مسيّسة، وقريبة بالضرورة من النظام بحكم طبيعتها والقوانين وطبيعة نشاطاتها، المدرسية والأيتام والبلديات وغيرها.

توظّف معه في اليوم نفسه شخص آخر في العلاقات العامة، وكان هنالك موظفان قديمان. أحدهما سيكتشف أنه علماني يتبع الحزب الحاكم، فتجنب الاحتكاك به وأبقى العلاقة معه رسمية تماما.

الموظف المعيّن حديثا معه، سيكتشف بعد أيام، من كلامه وأحاديثه، أنه محسوب على جماعة صغيرة كان هو قريباً منها بعض الوقت في فلوريدا، ولكنه قطع علاقته بها. إنها مصادفة ليست سيئة. ولأنها ليست محظورة هناك وليست مصنّفة (ارهابية)، لم يكن مهتما باخفاء تقاربه، عندما حققت الأف بي آي معه. على أي حال، كان الحضور الاجتماعي في الأنشطة السلمية واضحاً أمام الجميع ومفهوما وعلنياً، وما من شيء ليخفيه. في غضون عامين ماتت الجماعة الصغيرة وتناثرت ولم يعد لديها أي أتباع، ناهيك عن تذكّرها من قبل أحد.

الغريب في الأمر أنه لم يدخل البتة في أي نقاشات، ولا طرح نفسه شيئا. شخص عادي يعمل ويهتم بشؤون أسرته ويصلي.

كانوا يتناقشون أمامه ولا يشارك أو يبدي رأياً. بل إذا وصل الحديث إلى أمور خطرة، كالعمل العنيف ضد النظام، وهو ما أعقب حالة الربيع الذي صار خريفا بعد القمع الرسمي، كان يبتعد عنهم في المكتب أو المطبخ (حيث يجتمعون لشرب الشاي وتناول الطعام). بمجرد الاستماع، واعتراف أحدهم، قد تثبت عليه تهمة وهي عدم التبليغ. كان يستغرب من هذه الثرثرة ويشكّ في احتمالاتها.

موظف العلاقات كان يعرض نفسه، إلى جانب وظيفته، تاجرا للسلاح ويعدّد على مسمعه الأنواع والمزايا والأسعار. يصمت ولا يقول شيئا. لا تاجر يفعل هذا إلا إذا كان مدسوسا أو يتصوره قد يكون زبوناً محتملا. وفي الحالتين يمتلك خلفية ما عنه ليطمئن ويثرثر. ويأتي أفراد جهاز حكومي إلى مكتبه لاعتقاله عدة ساعات، ويفرجون عنه في اليوم نفسه، مع أنه -كما يدّعي- عقد صفقات للتو.

أما موظف المنح، فقد قدّم نفسه قريبا وصديقاً ووضعه في تفاصيل كثيرة "زوجية" أو عائلية أو تفاصيل الجماعة، تحفّظ ولم يشاركه بالمثل. وأراه أعلاما ولافتات واستفسر عن عدة أشياء، كالمشاركة الوطنية والانتخاب وغير ذلك. ردّ عليه وأخبره أنه مثل سيارة توقفت جانبا على الرصيف وليس له أي اهتمام عام.

لم يكن يصلي، وكان يختلس أشياء صغيرة من المكتب حيث يعمل، ويقبل (هدايا) من الزوّار، ناهيك عن استغلال هاتف العمل لاتصالات شخصية، وخروج في أوقات الدوام. من المستحيل أن تكون أخلاقه أخلاق ملتزم، ناهيك عن ثرثرته. وادّعى (مطاردته) من قبل النظام وسجنه، في الوقت الذي يقول إنه تحايل وتلقى تعويضاً صغيراً، بدل حادث سير لم يؤد إلى أي ضرر، من صندوق التعويضات الرسمي.
متناقضات كثيرة.

واصطحبه دون مبرر وظيفي في سيارته إلى أماكن يعرفها (ويخفي هو من ناحيته معرفته بها)، ولها علاقة بنشاطاته القديمة جداً، المنسية، قبل السفر إلى فلوريدا. ويتطرق في حديثه الى فلان وعلان، ويتظاهر أنه لم يعرفهم.

المدير يبالغ في تقديره والاحتفاء به والجلوس معه والتباسط معه واحضار الحلوى والعصائر، مع أنه مجرد موظف بسيط في الأرشيف، وعمله كان عاديا لا تميّز فيه، بل كان أقل من عادي لأنه استغرق وقتاً ليتعرف إليه. تجنباً لأي متاعب، كان حريصاً على أن يكون ملتزما حرفياً بوظيفته. من الشهر الأول تثبّت في عمله، وفي الشهر الثالث نال ترقية!

تصرف بعفوية، وكتم أفكاره وانفعالاته، وكانت ردود فعله عادية مجاملة بوجه يتبسّم، لا يعلّق ولا يتدخل بشيء خاصة الخلافات. وفي موعد الراتب، بعد خمسة شهور، طلبه المحاسب ليبلغه قرار المدير الاستغناء عنه؛ وليسلّمه شيكين في مغلف واحد. الأول راتبه والثاني كان مكافأة!

عندما أعاد ترتيب الأحداث في ذهنه والمواقف والكلمات، خلص إلى أن كل شيء كان مصمماً بحسب ما تعرفه عنه الأف بي آي في فلوريدا، الطرف الأقوى، وأن (التنسيق) تسلسل ووصل إلى حكومة بلده العربية، التي أجرت أبحاثها ورتّبت بدورها المكان والوظيفة وتاجر السلاح وموظف العلاقات وبعلم المدير نفسه.. يدرك أنه من السهل جداً عبر مراقبة الانترنت معرفة أنه في حاجة إلى وظيفة.

أخطر ما واجهه هو استعمال أفراد يدّعون -ظاهرياً- أنهم ينتمون إلى اتجاهات متنوعة. إذا صدق كلامهم، فهذا يعني تغلغلا عميقا جداً: كل الأحزاب المؤيدة و"المعارضة"، مخترقة ومسيطر عليها.

في الأثناء كان قلبه، عن بُعد، يخفق مع الثوار المقاتلين جنوبي البلاد، الذين لم يأتوا من مؤسسات (وطنية) قائمة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى