الجمعة ١ تموز (يوليو) ٢٠٠٥
بقلم أشرف شهاب

نبيل خلف: أعتبر نفسي ما زلت طفلا حتى الآن

عندما فكرت فى لقاء الشاعر والكاتب المسرحى والروائى الأستاذ نبيل خلف تصورت أننى سألتقى واحدا من الكتاب التقليديين، لكن جبل الجليد ذاب منذ أول لحظة التقينا. ابتسامة طفولية عذبة، تحتوى ببساطتها الكبار الذين تحلقوا حوله، يتناقشون فى ألفة وبهجة، وهو كطفل برىء يستمد ذكاءه وبهجته من حب الناس له والتفافهم حوله. طلبنا منه إجراء حوار لمجلة "ديوان العرب" فرحب بنا أجمل ما يكون الترحاب، وفى صالة الاستقبال بمسرح مدينة نصر ذهب إليه مراسلنا فى القاهرة أشرف شهاب، ودار بينهما الحوار التالى:

ديوان العرب: نرحب فى بداية هذا اللقاء بالشاعر والكاتب المسرحى والروائى الأستاذ نبيل خلف..

نبيل خلف: أهلا بك وبقراء المجلة..

الكاتب نبيل خلف

ديوان العرب: نود فى بداية هذا الحوار أن نتعرف على فكرة المسرحية التى يتم التجهيز لها حاليا للعرض فى منتصف شهر يوليه القادم، وهى مسرحية "آه يا غجر". فقد لاحظت من خلال قراءتى لملخص المسرحية أنها تتناول بشكل واضح صراع الهوية مع الآخر القادم لسلب هذه الهوية.

نبيل خلف: مسرحية "آه يا غجر" عبارة عن مسرحية شعرية غنائية استعراضية. فكرتها الأساسية عن الساحر "أوز" وهو شخصية كارتونية معروفة من صناعة والت ديزنى وتم تقديمها فى عدة أفلام. ونحن نعرف فى الأسطورة أن "خيال المآته" كان يحتاج للساحر "أوز" لكى يقوم بتركيب مخ له لأنه لا يمتلك مخا، و"الرجل الصفيح" كان يحتاجه لكى يقوم بتركيب قلب له لأنه لا يمتلك قلبا. ولكننى فى المسرحية أقدم قراءة ورؤية مختلفتين. ففى هذه المسرحية يقوم الساحر "أوز" بنفى الغجر إلى مكان مجهول، ويمنعهم من الرحيل، ومن الغناء، ومن الموسيقى، ومن التحدث باللغة الغجرية، التى تعبر عن هويتهم الثقافية.

أما الغجر فهم وكما هو معروف عنهم قوم رحلوا من الهند تقريبا فى القرن الرابع عشر أو قبله بقليل أثناء الغزو التتارى على بلاد الهند. وهناك خطأ يردده البعض من أن الغجر أصلهم مصريين مستندين إلى القول أن كلمة Gipsy مشتقة من كلمة Egypt، أو Egyptian، ولكننى أميل إلى حقيقة أنهم فى الأصل من الهند، ورحلوا لبلاد متفرقة فى شرق أوروبا وغرب أوروبا وروسيا ورومانيا إلى أخره. والغجر يرفضون فكرة أن يكون لهم وطن دائم أو وطن مستقر، فهم عاشقون للرحيل، وحلمهم الدائم هو التنقل، والهروب المستمر. وقد تعرضوا لتاريخ حافل من التعذيب على يد هتلر أو النازيين، وتعرضوا للاضطهاد فى كل الدول التى تواجدوا فيها لأنه يتم النظر إليهم كأغراب يرفضون الاندماج فى المجتمع. وقد أشيعت عن الغجر أساطير كثيرة من بينها أنهم شاركوا فى صلب السيد المسيح عليه السلام، وأن الذى صنع المسامير التى صلبوا بها السيد المسيح كان حدادا غجريا إلى آخر ذلك من الأساطير، إلى درجة أنهم يتهمونهم بخطف الأطفال. وبالعودة إلى حدوتة المسرحية نجد أن الساحر "أوز" ينفى هؤلاء الغجر إلى مكان مجهول، ويمنعهم من الرحيل، ومن استخدام لغتهم الغجرية أى أنه أراد أن يقضى عليهم بالموت من خلال سلب هويتهم الثقافية، لأنهم يرفضون فكرة الوطن، وكانت هناك فكرة فاشلة لتأسيس وطن لهم باسم "غجرستان" ولكن الفكرة لم تنجح لغرامهم الدائم بالترحال.

ومن هنا فنحن نتحدث عن نوع من العنصرية الثقافية فى عصر العولمة، تتمثل فى محاولة فرض ثقافة مجتمع "أوز" أو "الثقافة الأوزية" إن جاز التعبير على مجتمع الغجر. ويحدث صراع نكتشف من خلاله أن الساحر "أوز" كان متزوجا من غجرية وأنجب منها إبنة أسماها "كارمن"، وهذا الاسم هو نفس اسم الشخصية الأسبانية الشهيرة، ولكننى أستخدمها هنا بشكل مختلف. ونجد أن كارمن إبنة "أوز" تترك قصر والدها عندما تنتحر والدتها لأن "أوز" منعها من الغناء ومن الرقص والموسيقى.

ويحدث أيضا صراع درامى بين "كارمن" و "أوز".. ومنبع الصراع أن "أوز" هو والدها، ولكنه فى نفس الوقت عدو الغجر.. فهو أب لها وعدو لأهلها فى نفس الوقت. وتستمر معالجتى لأحداث المسرحية التى نجد فى نهايتها أنها لا تنتصر نهائيا لا للغجر ولا للساحر "أوز". والمسرحية تصل إلى أن الغجر بدأوا يتخذون موقفا ويصطدمون بالساحر "أوز" لكى يحافظوا على هويتهم الثقافية.

ديوان العرب: هل نعتبر الغجر فى المسرحية بهذا المعنى رمزا للشعوب أو للجماعات المقهورة؟

نبيل خلف: المسرحية تنطلق من فكرة الغجر ولكنها تتجاوز الغجر إلى الفكرة الأوسع والأشمل، للحديث عن كل الشعوب المقهورة الآن. فنحن نعيش عصر العولمة. والعالم كله فى جانب والثقافة الأمريكية فى جانب آخر. هذا المعنى واضح ولا يحتاج إلى رمزية فى التناول ولا إلى إسقاط سياسى. المسألة واضحة، والعالم كله يتحدث عن هذه القضية. حتى بين الأمريكان أنفسهم هناك مناقشات حول فرض الهوية الثقافية الأمريكية على بقية شعوب الكون، وهناك من الأمريكان أنفسهم من يرفض هذه المحاولات.

ديوان العرب: لديك أكثر من تجربة للكتابة الشعرية..

نبيل خلف: كل المسرحيات التى كتبتها هى مسرحيات شعرية.

ديوان العرب: هل تجد أن هذه اللغة الشعرية مقبولة ومهضومة عند المتفرج المصرى أو العربى؟

نبيل خلف: المشكلة ليست فى الجمهور.. المشكلة الحقيقة هى أننا كمثقفين نضع من أنفسنا أوصياء على الجمهور. ونقول: "الجمهور عاوز كده.. أو.. لأ الجمهور مش عايز كده.. أو... الجمهور لن يتقبل الشعر.." وغيرها من المقولات. وأنا أدعو من يسألون هذا السؤال لتصميم استمارة استقصاء للرأى كما فعلت أنا عند عرضى لمسرحية "ثورة الشطرنج". خذوا عينات من الجمهور وإسألوهم. أنا أدعى أن المسرحية الشعرية عندما يتم تقديمها بشكل ممتع، وموسيقى وغنائى واستعراضى راقى.. ستجد جمهورا عريضا لأننا كلنا لدينا حنينا لهذا اللون من الفن. وأنا من خلال تجاربى السابقة وهى تجارب ناجحة والحمد لله أقول أن المهم ما هو نوع الفن الذى نقدمه للناس. هل هو فن ذو قيمة ثقافية، وممتع فى نفس الوقت؟ أم هو فن مبتذل؟

مراسل ديوان العرب يحاور نبيل خلف

ديوان العرب: اسمح لى.. حتى حاولنا تجاوز التصنيف التقليدى لما يسمى مسرح القطاع العام ومسرح القطاع الخاص، فإننى ألاحظ أن المسرح عموما يحاول أن يلعب على منطقتين.. إما محاولة إضحاك الجمهور أو اللجوء للإسفاف بشكل غريزى. فكيف تحاول النجاح فى حل هذه المعادلة الصعبة؟ أن تقدم فنا راقيا وأن تجذب الجمهور لمسرحك؟

نبيل خلف: أنا أولا أحترم الجمهور، وأحترم عقلية الجمهور أيا كان مستواه الثقافى. وأؤمن بضرورة تلبية احتياجات الجمهور الروحية والنفسية من خلال تقديم فن راقى بدون التعالى عليهم، ودون أن تعتبر نفسك مثقفا وأنك تريد تعليم الجمهور.. بل بالعكس.. أنا أتعلم من جمهورى. فى هذه الحالة فقط ستجد أن المعادلة سهلة وحلها بسيط جدا.

ديوان العرب: ربما أكون أنا مخطئا فى تفسيرى لمتطلبات جمهور المسرح.. ولكن ألا تعتقد أن الجمهور الحالى يريد الذهاب إلى المسرح للفرفشة، والضحك فى محاولة لنسيان هموم حياته اليومية؟

نبيل خلف: أظن أننا نفهم الضحك بمنطق غريب.. الضحك شىء جميل بالطبع، وهو علاج نفسى، وله نظريات فلسفية ونفسية. ولكن هذا الضحك له أشكال مختلفة فهو لا يحدث فقط من خلال نكتة مبتذلة أو رخيصة.. الحياة مليئة بالكوميديا. ولكننى فى نفس الوقت أرفض تصنيف المسرحيات على أساس أن هذه مسرحية كوميدية أو غير ذلك.. المسرحية عمل متكامل يمكن أن تجد فيها نظرة للحياة تشمل الكوميديا والتراجيديا، وكل أصناف الفن.. لا أعترف بما يسمى بالمسرحية الكوميدية التى تتعمد إضحاك الناس.

الضحك حالة راقية جدا، عندما يصل إليها المؤلف أو المخرج أو الفنان فإنه يكون قد حقق إنجازا عظيما جدا.. لكن لا يوجد ذلك المؤلف الذى يجلس على المقهى ليؤلف عملا كوميديا.. العمل الفنى.. المسرحى أو غير المسرحى يمكن أن يتضمن مواقف مثيرة للضحك أو به مواقف حياتية تثير الضحك أو السخرية أو التهكم. أما الابتذال فهو مرفوض وله حدود.. فمن الممكن أن أستمع إلى نكتة وأن أضحك ولكننى لأن أواصل الضحك طوال الوقت.. من الواجب أن نأخذ الضحك نفسه بمنتهى الجدية.

ديوان العرب: أى أن للضحك وظيفة.. يخلق من خلالها قيمة معينة لدى المشاهد.. فهل ينطبق هذا على مسرحية "آه يا غجر"؟

نبيل خلف: ستجد فى "آه يا غجر" الضحك أحيانا، والتهكم أحيانا أخرى، والسخرية أو المواقف التراجيدية.. أى أنها ثرية بالمواقف حسب طبيعة الموضوع، وحسب تطور الحدث الدرامى.

ديوان العرب: من خلال قراءتى عن "آه يا غجر" لاحظت أنك تسعى لخلق صراع داخل المتفرج.. فتجعله يخرج من المسرح وقد اكتسب أفكارا جديدة، وتبنى قضية.

نبيل خلف: نعم.. البعض سيخرج متبنيا لقضية معينة، والبعض سيضحك من موقف معين، وربما يضحك على نفسه أو على نموذج معين شاهده فى حياته اليومية. فهذا هو نوع الضحك الذى أفهمه، وليس الضحك المفتعل.

ديوان العرب: هل تعتقد أن وظيفة المسرح تثقيف الجمهور، ودفعه لتبنى قضية معينة؟

نبيل خلف: أنا مقتنع أن المتفرج أو المشاهد يجب أن يبذل جهدا مقابلا للجهد الذى بذلته أنا كمؤلف. فالمتفرج عنصر فعال من عناصر العرض المسرحى، وبالنسبة لى فإن عناصر العرض كلها سواء التأليف أو الإخراج أو الموسيقى والرقص إلى آخره لا تكتمل إلا بعنصر آخر مهم جدا هو الجمهور. الجمهور بالنسبة لى عنصر من عناصر العرض المسرحى، وعليه أن يبذل نفس المجهود الذى يبذله الكاتب والمخرج المسرحى. المفروض أن العرض يطرح عدة أسئلة، ويثير عند المتفرج مجموعة من الأسئلة، ويساهم أيضا فى تغيير نظرته للحياة. وكما يتعلم الفنان المسرحى من الجمهور فإن الجمهور يتعلم من الفنان، هناك عملية شديدة الخطورة هنا، وهى التواصل والتعليم المتبادل بين المتلقى وبقية عناصر العرض المسرحى.

ديوان العرب: أتفق معك فى أن الجمهور يشكل عنصرا مهما من عناصر العرض، ولهذا تعتبر بعض نظريات المسرح أن كل يوم عرض مسرحى هو عرض مختلف نظرا لاختلاف الجمهور واختلاف الحالة المزاجية للفنان المسرحى، وحتى اختلاف الطقس كلها عناصر تؤثر على مدى التواصل والتجاوب والتلاقى بين جميع عناصر العرض المسرحى.. فكل يوم هناك عرض مسرحى جديد.

نبيل خلف: نعم.. على خلاف بعض الفنون الأخرى.. نحن فى المسرح نخلق حياة.. لأن الورق الذى أكتبه يتحول إلى أشخاص من لحم ودم.. والممثل والمخرج والموسيقى كل واحد منهم يضيف من عنده إضافات جديدة كل يوم. كل يوم يكون الممثل فى علاقة حميمة مع زملاؤه، ومع الجمهور. المسرح غير السينما.. فى المسرح كل يوم هناك تطور لأن الممثل يتفاعل أكثر مع عناصر العرض الأخرى ويحاول دائما أن يقدم أفضل ما لديه.

ديوان العرب: هل يمكن بهذا المعنى أن تقبل بعمل تعديلات فى نص العرض المسرحى بعد عرضه؟

نبيل خلف: نعم.. هذا ما يحدث دائما معى.. فى أثناء البروفات، ومن أول ليلة عرض إلى آخر ليلة عرض أقوم بأى تعديلات طالما كانت تخدم الفكرة الأساسية للعرض.

ديوان العرب: هل يمكن أن يكون ذلك بسبب عدم التمسك بفكرتك الأساسية؟

نبيل خلف: لا.. أنا لا أقوم بتعديل الفكرة الأساسية.. أنا أضيف إليها أو أحذف منها بما يتوافق فى النهاية مع الفكرة الجوهرية التى تظل كما هى ولكن بأفضل صيغة ممكنة.

ديوان العرب: لاحظت أن هناك خيطا يربط بين مختلف أعمالك فمثلا بين مسرحية "كوكب ميكى" ومسرحية "آه يا غجر" هناك قضية العولمة..

نبيل خلف: قضية العولمة تشغلنى فعلا لأننا فى عصر العولمة.. سألوا أحد المخرجين الأمريكان ذات مرة قائلين: أنت صنعت فيلما عن عام 2020 فلماذا لم تصنع فيلما عن سنة 3000؟ فأجابهم قائلا: "وهل هناك من يستطيع أن يتنبأ بالتطورات العلمية والتكنولوجية بعد ألف سنة؟؟ لقد حاولت بصعوبة أن أتنبأ بما بعد خمسة عشر سنة.." وأنا أقول لك نفس الرد.. نحن نعيش فى زمن يشهد تطورات رهيبة فى فترات قصيرة جدا.. والتطورات التى حدثت خلال العشرين سنة الماضية لم تحدث على امتداد قرون سابقة.. ولهذا التقدم العلمى والتكنولوجى بعض الجوانب السلبية.. فعلى سبيل المثال.. بعض منجزات الهندسة الوراثية.. كأن تتم زراعة ضفدع بدون رأس، أو أن تصنع مسببات للأمراض، وأن تدخل فى حروب بيولوجية معينة.. أصبح هناك جانب سلبى وأحيانا قاتل لهذا التقدم العلمى.. وبالتالى وجب علينا أن نأخذ موقف نقديا من هذه المنجزات التقنية..

ديوان العرب: لماذا نظرت للجوانب السلبية فقط، ولم تنظر للجوانب الإيجابية لهذا التقدم؟

نبيل خلف: أرجو أن لا تفهمنى خطأ. لا تفهم من كلامى أننى ضد العلم والتكنولوجيا.. أنا فقط أقف ضد بعض منجزاتهما التى تؤدى إلى تدمير العلاقات الإنسانية. أنا لست ضد الهندسة الوراثية. وأعتقد أن اكتشاف الشفرة الوراثية سيساهم فى حل أمراض كثيرة ولكن السؤال هو.. هذه المنجزات فى يد من؟ وكيف يستخدمونها؟ هذا هو السؤال الذى يجب أن تسأله. وإذا كنت تريد أن تعرف معنى عولمة فعليك وعلينا جميعا أن نسأل أنفسنا.. العولمة فى يد من؟ فى أيام جاليليو كان العالم هو الذى يمتلك نتاج علمه، وليس شركة من الشركات التى تسعى للربح من ورائه، ولم تكن هذه المنجزات فى يد منظمة سياسية أو فى يد دولة معينة تريد استخدام هذه المنجزات العلمية لمصلحتها.. أصبح العلماء أجزاء فى مؤسسات تهدف أساسا للربح. لدرجة أنهم لو اخترعوا دواء للإيدز وكان هذا الدواء سيؤثر تأثيرا سلبيا على مصالح بعض الشركات فإنهم لن يكشفوا عن هذا العلاج. أنا مع العلم والتكنولوجيا عندما تكون فى مصلحة الإنسان. ولكنهم ينظرون للأمور بمنظور مختلف.. إنهم يهدفون إلى تغيير نمط ثقافتنا وجعلها مشابهة لثقافتهم، ثقافة الوجبات السريعة. ثقافة عدم اجتماع الأسرة على مائدة طعام واحدة، مما يؤثر على العلاقات الحميمية بين أفراد الأسرة الواحدة. حتى نمط الملابس، وغيرها من المفردات التى تشكل الثقافة الوطنية يريدون تغييرها..

ديوان العرب: من هذا المفهوم.. هل تؤمن بنظرية صراع الحضارات؟

نبيل خلف: نعم.. نحن نعيش منذ فترة فى صراع حضارات وثقافات.

ديوان العرب: كيف إذا استطعت أن تبسط هذه المفاهيم بهدف توصيلها للأطفال؟

نبيل خلف: كما قلت لك.. مثلا فى مسرحيتى "كوكب ميكى" كانت الفكرة بسيطة أن ميكى ماوس يحتل منطقة اسمها وادى الموسيقى، ويغير اسمها إلى "وادى الخرس". ويغضب إذا وجد أحدهم يبتكر شيئا من الملابس أو الموسيقى.. لأنها لا تكون على نفس نمط ثقافة ميكى ماوس..الفكرة بسيطة وواضحة تماما.

ديوان العرب: تقصد نمط الثقافة الاستهلاكية؟

نبيل خلف: ليس هذا فقط.. بل إنهم يريدون منا التفكير بنفس طريقة تفكيرهم.. ويحاولون عمل غسيل مخ أو برمجة عقول أو ما يمكن أن أسميه السيطرة على العقول.. وأحدث الأبحاث الآن تتحدث عن كيفية السيطرة على عقول الآخرين واستخدامها فى عمل شىء معين دون أن يشعر الشخص بذلك. وهناك أفلام أمريكية تعالج هذه القضايا.

ديوان العرب: بدون شك، فهذه الثقافة تنتج ثقافات أخرى معارضة لها من داخلها..

نبيل خلف: أفضل ما قرأت وشاهدت فى هذا المجال كان من إنتاج أمريكى.. أنا لست ضد الثقافة الأمريكية، فهناك كتاب عظام وفنانين عظام كانوا نتاج الثقافة الأمريكية.. نحن ضد ثقافة الهيمنة فقط، سواء كانت أمريكية أو غير أمريكية طالما أنها تقصد الهيمنة أو يتم استخدامها لأهداف سياسية.

ديوان العرب: وكيف يمكن مواجهة مثل هذه الهيمنة؟

نبيل خلف: لم يعد من الممكن أن تقف دولة فى مواجهة دولة.. هذا النوع من الصراع يحتاج إلى اتحاد العالم كله لمواجهة ثقافة العولمة.. هذه ليست حرب بندقية ضد بندقية بل حرب عقل ضد عقل.. ويجب أن يتوحد العقل الجماعى للعالم لمواجهة غزو العولمة.

ديوان العرب: ربما فى تقديرى أحيانا نحتاج إلى تبنى بعض مفردات العولمة لمواجهة العولمة.

نبيل خلف: نعم.. فعلى سبيل المثال من بين مظاهر العولمة الإيجابية الإنترنت، فهذه الشبكة تخلق تواصلا حميما بين البشر فى العالم كله.. وهذا شىء مهم.. أنا لست ضد العولمة بشكل مطلق ولكننى أطالب بوضع مفهوم جديد وبديل للعولمة.. عولمة تكون أكثر إنسانية وعدالة فى توزيع المعلومات والثروات.

ديوان العرب: هل لديك تصور أو طرح بديل؟

نبيل خلف: نعم وقد قلته فى "كوكب ميكى" وملخصه أن علينا أن نحافظ على ثقافتنا الوطنية، على نمط ملابسنا، على موسيقانا، وأغانينا، دون أن ننفصل عن الحضارات الأخرى والثقافات الأخرى لأن هناك تواصلا بين الحضارات. والصراع الذى يحدث بين الحضارات هو دائما صراع بين متطرفين، وليس صراع الإنسان العادى.. ولا يحدث الصدام عادة دون تصادم الأفكار المتطرفة.. إذا التواصل مع الآخر وقبوله دون أن يحاول أى طرف من الأطراف السيطرة أو قهر الآخر. وفى هذا المجال أتذكر مقولة جميلة لغاندى قال فيها: "أنا أقبل أن تدخل الريح بيتى شرط أن لا تهدمه".

ديوان العرب: هل تتفق معى فى أن الكتابة للطفل تعتبر من أصعب أنواع الكتابة.

نبيل خلف: من أصعب أنواع الكتاب لو كنت تتعالى على الطفل، وتعتقد أن عقله محدود وأنك تريد تعليمه.. ومن أبسط أنواع الكتابة لو كنت تعتبر نفسك طفلا وتكتب للطفل.

ديوان العرب: حسنا.. ما زال السؤال قائما وصعبا.. كيف تفكر بعقلية الطفل، بعد أن تجاوزت مرحلة معينة فى السن وفى الخبرات الإنسانية؟

نبيل خلف: السؤال ليس صعبا.. أنا كتبت على كتاب "كوكب ميكى" أنه للأطفال من سن 9 حتى 99 سنة. جانب الطفولة موجود عند كل إنسان سواء كان عمره سنة أو مائة سنة ولكن المهم كيف نحافظ على هذا الجانب فينا. ولكن للأسف ما يغير هذه الطفولة أشياء عديدة منها الحسابات الاجتماعية، النفاق، علاقات المصالح وغيرها من التشوهات الاجتماعية، وأحيانا الدوافع السياسية. الطفولة موجودة فى داخل كل منا، وأنا بهذا المعنى أعتبر نفسى ما زلت طفلا حتى الآن.

ديوان العرب: هل تعتبر أنك نجحت فى الكتابة للأطفال؟

نبيل خلف: نعم، ولكن هذه ليست القضية التى تؤرقنى وتشغل بالى.. القضية ليست نجاح كاتب بمفرده.. ما أتمناه هو أن يكون هناك فعلا تيار ثقافى عام يحترم عقل الأطفال وإبداعهم وخيالهم، ويتفهم ضرورة مشاركتهم فى صنع قراراتهم المصيرية.. يجب أن يكون هناك تيار ثقافى كامل وليس كاتبا واحدا.

ديوان العرب: فى هذه الحالة.. يمكننا أن نقول أن هناك أزمة فى الكتابة للأطفال؟

نبيل خلف: نعم بالفعل هناك أزمة فى فنون الأطفال. الأزمة ليست فى الكتابة فقط أو فى المسرح فقط، بل هناك أزمة فى الثقافة السائدة التى لا تحترم عقل الأطفال. نحن للأسف ما زلنا نعتبر أنفسنا أوصياء على الأطفال ونحدد لهم ما يجب وما لا يجب فعله، دون أن ندرك مدى التطور فى عقلية الأطفال.

ديوان العرب: هل تتعامل مع الطفل كشخص مستقل يفكر ويحاول أن يشكل ثقافته الخاصة؟ أم أنك تريد من كتابتك توصيل أشياء معينة؟؟

نبيل خلف: العملية متبادلة.. الطفل يوصل لى أفكارا، وأنا أوصل له أفكارا.. الحياة ليست مجرد صراع بين الخير والشر.. الطفل يمتلك خيالا مبدعا، ومن خلال خياله أن أكتب.. الطفل يربينى وأنا أربيه.. وأنا أعتبر الطفل مخلوقا كاملا كأى واحد منا.. بل إن عقل الطفل متحرر أكثر من أشياء تقيد الكبار.

ديوان العرب: وأنا أتصفح بعض كتاباتك وجدت أنك تستخدم رموزا ثقافية كالإشارة إلى أرسطو أو سقراط، وهذه أشياء يمكن أن تكون بعيدة عن ذهنية الأطفال..

نبيل خلف: من قال ذلك؟ لماذا نريد أن نفرض أنفسنا على الطفل؟ طفل هذه الأيام يدخل إلى شبكة الإنترنت.. وأحيانا يقوم بعمل بحث مدرسى عن طريق الإنترنت.. طفل اليوم يقرأ ويعرف ما يحدث فى كافة أنحاء العالم فور حدوثه.. أطفال اليوم ليسوا كما كنا عندما كنا أطفالا.. فى مرة من المرات حضرت ندوة من الندوات وقال أحدهم شيئا غريبا جدا.. قال إن علينا أن نكتب لأطفال الحضانة على قدر حصيلتهم اللغوية.. يعنى لو كان الطفل يعرف خمس كلمات نكتب له خمس كلمات.. هذا أمر غريب.. لماذا لا نساهم فى زيادة حصيلة الطفل ورفع مستواه ووعيه الثقافى.. المشكلة على العموم ليست فى عدد الكلمات بل فى النظرة للطفل.. فى أن نحترم عقل الطفل. الطفل يعيش بيننا، ويشاهد ما يحدث فى العالم من تطورات ومفاهيم كالعولمة وغيرها.. فكيف نتجاهل هذه القضايا ولا نكتب عنها للطفل؟

من بروفات مسرحية "آه يا غجر"

ديوان العرب: كيف إذا يمكننا دعم تيار الكتابة للطفل بدلا من الجهود الفردية؟

نبيل خلف: هذه القضية ليست مرتبطة بإجراءات معينة يمكننا القيام بها، بل هى مرتبطة بشكل أكبر بتغيير النظرة الثقافية السائدة فى المجتمع، يجب أن نغير من مفاهيمنا التربوية.. ولكن الممكن إنشاء مؤسسة ثقافية كبرى للطفل تكون غير متقيدة بالتقاليد البيروقراطية، أو أن يشارك الأطفال أصحاب الموهبة فى الكتابة فى ورش إبداع مع كتاب مسرحيين كبار.. أو مع فنانين كبار فى مختلف المجالات ليتعلموا.

ديوان العرب: القضية متشابكة لأن المجتمع بأكمله يحتاج إلى تغيير حتى ينفتح على الأطفال..

نبيل خلف: طبعا القضية ليست بسيطة.. إسأل نفسك سؤالا.. هل هناك أب يسمح لإبنه أن ينقده؟ هل هذا سائد فى المفهوم الشرقى؟ هناك صعوبة فى هذا.. ولكن المجتمع يتغير وكلى أمل فى أن نتحول إلى الأفضل.

ديوان العرب: كأب شرقى.. هل تسمح لأولادك بانتقادك؟

نبيل خلف: طبعا.. منذ تعلم أولادى الكلام أسمح لهم بنقدى، وأتقبل نقدهم بصدر رحب.. وهذا ليس ادعاءا منى.. بل حقيقة أعيشها مع أولادى..

ديوان العرب: حتى لو كانت إرادة إبنك ضد إرادتك؟

نبيل خلف: الموضوع ليس إرادة ضد إرادة.. بل مشاركة فى الحوار ومحاولة إقناع بين الطرفين.. ولكن لا أترك الأمور تصل لحد أن يضر إبنى نفسه..

ديوان العرب: إذا هناك سقف للأشياء..

نبيل خلف: لا يوجد شىء مطلق.. كل شىء نسبى.. وجود السقف لا يعنى الحدود بل يعنى أن هناك نظاما من القيم والاحترام لخبرات الآخرين دون أن أفرض إرادتى عليه أو أقهر إرادته. يجب أن نصل سويا لقرار يرضى الطرفين.

ديوان العرب: المخرج الفنان ناصر عبد المنعم واحد من المخرجين المتميزين، وقد لاحظت تعاونا كبيرا ومستمرا بينكما..

نبيل خلف: طبعا ناصر من الفنانين الكبار، وهو مخرج يمتلك أدواته. وتعاونى معه يستند إلى قناعتى بأنه شخص قادر على ترجمة أفكارى بشكل جيد، وممتع، ويتناسب مع القواعد الفنية التى تهدف فى النهاية إلى مصلحة العمل الفنى.. أجد فى تعاونى مع ناصر نوعا من التوافق والارتياح، ولديه القدرة على الإبداع والإضافة إلى العمل وإثراؤه.. وقد ظهر هذا واضحا على سبيل المثال فى مسرحية "ثورة الشطرنج". ومن هنا تكررت لقاءاتنا الفنية حتى وصلنا إلى العمل الحالى "آه يا غجر".

ديوان العرب: نشكرك على هذا الحوار الممتع

للمزيد من المعلومات عن الكاتب الأستاذ نبيل خلف ومؤلفاته ونبذة عن سيرته الذاتية يمكن للقراء الأعزاء زيارة موقعه الشخصى على شبكة الإنترنت على الرابط التالى:
www.nabeelkhalaf.com


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى