الأحد ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

ولي بين الحشا وطن

في أعماقنا وطنٌ صغيرٌ ينام في الجهة اليسرى من صدورنا، لا تعرفه الخرائط، ولا تعثر عليه الطائرات، ولا تستطيع الجوازات أن تمنح العابرين إليه تأشيرة دخول. وطنٌ من لحم الحنين، سقوفه من الذكريات، وشوارعه مرصوفةٌ بخطوات الذين أحببناهم، ثم تركناهم للزمن، فمضوا وبقيت آثارهم تتعثر بها أرواحنا كلما حاولنا السير بعيدًا.

ولي بين الحشا وطنٌ، كلما أغلقت الدنيا نوافذها، أضاء مصابيحه في داخلي، وفتح أبوابه للريح التي تحمل رائحة الأمس. أدخله متعبةً من ضجيج العالم، فأخلع عن كتفيّ غبار الطريق، وأجلس إلى جوار أشياء ظننت أنني نسيتها؛ ضحكةٌ أفلتت من فمٍ غائب، ويدٌ كانت تربّت على خوفي، وصوتٌ قديمٌ ما زال يعرف كيف يناديني باسمي، كأن السنوات لم تمرّ، وكأن العمر لم يسرق منّا سوى قدرتنا على العودة.

في ذلك الوطن، لا تسقط أوراق الأشجار؛ كلما هزّتها الريح، أنبتت ذكرى. ولا تشيخ الوجوه؛ فالأمهات يبقين هناك في ربيعهن الأول، والآباء يستندون إلى أبواب البيوت بطمأنينة الملوك، والأطفال الذين كبروا في الخارج يركضون حفاةً في ممرات الحكايات، لا يعرفون أن الزمن سرق من أقدامهم خفة الركض، ومن أعينهم دهشة البدايات.

هناك، لا يملك الغياب سلطته كاملة، ولا يستطيع الموت أن يغلق آخر النوافذ. أمدّ يدي إلى مقعدٍ فارغ، فيجلس عليه الحنين، وأفتح حديثًا مع الذين رحلوا. لا أسمع إجاباتهم، لكن الصمت يكتسي ملامحهم، وتتحول العتمة إلى وجهٍ مألوف، ويصبح الليل رسولًا يتقن حمل الرسائل التي لم نكتبها؛ لأننا كنا نظن أن العمر طويل، وأن الذين نحبهم سيبقون إلى جوارنا حتى نشبع من وجودهم.

ما أغرب القلب! يخبئ في تجاويفه ما تعجز البيوت عن الاحتفاظ به، ويصون من الأصوات نبرتها الأخيرة، ومن الوجوه التفاتتها العابرة، ومن اللقاءات تفاصيل لم ننتبه إليها حين كانت تحدث. ثم، حين يفرغ المكان من أصحابه، يخرج لنا كنوزه دفعةً واحدة، كأنه كان يدّخرها ليومٍ لا نجد فيه سوى الذاكرة رفيقًا.

وأحيانًا، أظن أن قلبي حارسٌ عجوزٌ يقف عند بوابة العمر، يرفض أن يسلّم مفاتيحه للسنين. كلما جاءه الزمن بوجهٍ جديد، سأله عن الوجوه القديمة، وكلما حاول النسيان أن يسدل ستائره على النوافذ، مزّقها الحنين وأدخل الشمس من ثقبٍ صغير. يتخاصمان طويلًا؛ هذا يريدني أن أمضي، وذاك يشدّني من طرف ثوبي إلى الوراء، حتى صرت أمشي بقدمٍ في الغد، وأخرى في الأمس، وأحمل بين ضلوعي أرضًا لا تعرف أين تنتهي حدودها.

ولعلّ أكثر ما يوجعنا في الحنين أننا لا نشتاق إلى الأمكنة كما كانت فحسب، بل إلى أنفسنا حين كانت تسكنها. نشتاق إلى قلوبٍ لم تتعلم الحذر، وإلى أحلامٍ كانت تنام مطمئنةً تحت وسائدنا، وإلى أيامٍ حسبناها عادية، فإذا بها، بعد أن غادرتنا، تتوّج نفسها ملكةً على مملكة العمر كله.

كم من شارعٍ ضيقٍ يتسع في الذاكرة حتى يصبح كونًا، وكم من نافذةٍ صغيرةٍ تطلّ على بيتٍ قديم تتحول في الغياب إلى شرفةٍ تطلّ على الجنة! وكم من كلمةٍ قيلت على عجل، ثم عادت بعد سنواتٍ تحمل في جوفها ما يكفي لإيقاظ مدينةٍ كاملةٍ من المشاعر!

لكن وطني الذي في الحشا ليس حديقةً لا تعرف الذبول؛ فيه أيضًا مقاعد للخذلان، وغرفٌ مغلقةٌ نترك خلف أبوابها أوجاعًا لم نملك شجاعة تسميتها، ومرايا نتجنب النظر إليها لأنها تحفظ وجوهنا حين انكسرنا. ففي القلب أحياءٌ لا تمرّ بها الشمس، وطرقاتٌ كلما سلكناها عادت إلينا الخطوات مثقلةً بما حاولنا نسيانه.

ومع ذلك، لا أطرد العتمة من وطني؛ فقد تعلمت أن الروح لا تُشفى باقتلاع فصولها، وأن الجرح، مهما طال مقامه، قد يصبح نافذةً نرى منها الأشياء على حقيقتها. حتى الخيبات تركت لي شيئًا من الحكمة، وحتى الراحلون تركوا في يدي ما يشبه المصباح؛ علّموني أن الحب لا يُقاس بطول الإقامة، وأن بعض الذين يغادرون حياتنا يتركون فيها من الأثر ما لا تقدر عليه أعمارٌ كاملة.

وحين يشتدّ بي الحنين، أُصغي إلى قلبي، فأسمعه يفتح نوافذه واحدةً بعد أخرى. تدخل الوجوه في موكبٍ من الضوء، وتجلس الذكريات حول مائدةٍ لا تنفد أرغفتها، ويقف الزمن عند الباب حائرًا، لا يعرف كيف يستردّ الأعمار التي أودعناها هذا المكان.

أمدّ يدي إلى فنجانٍ لا يبرد، وأترك للروح أن تتجول في شوارعها السرية. هناك، أكون أنا دون أقنعة، ولا أضطر إلى شرح دمعةٍ باغتتني، أو تبرير صمتٍ طال أكثر مما ينبغي. لا يسألني أحدٌ لماذا أحنّ إلى ما مضى، ولا لماذا أحمل في عينيّ بحرًا كلما ظننت أنه هدأ، عادت أمواجه لتطرق شواطئ الذاكرة.

هناك أيضًا، لا أحتاج إلى أن أكون قويةً طوال الوقت، ولا إلى أن أخفي ارتجاف روحي خلف ابتسامةٍ مهذبة. أخلع عند عتبته تعب السنين، وأترك قلبي يتكلم بلغته الأولى، قبل أن تعلّمه الحياة كيف يصمت، وقبل أن تقنعه الخيبات بأن النجاة في ألّا يشعر.

ثم، حين يوشك الفجر أن يزيح ستائر الليل، أعود إلى العالم، أرتّب وجهي أمام المرآة، وأحمل أيامي كأن شيئًا لم يحدث. غير أن في روحي سرًّا لا يعرفه العابرون؛ فقد عدتُ من رحلةٍ لا تقيسها المسافات، ومن لقاءٍ لم تلتقطه العيون، ومن وطنٍ لا يستطيع أحدٌ أن ينتزعه مني.

أمضي في الطريق، وفي صدري دفءٌ غامض، كأن يدًا حانيةً مرّت على قلبي، وكأن الذين أحببتهم تركوا على عتبته زهورًا لا تذبل. يظلّ شيءٌ مني هناك، يجلس عند نافذةٍ قديمة، يراقب الغروب، ويصغي إلى خطى الغائبين، ويؤمن بأن للمحبة أبوابًا لا يغلقها الرحيل.

ولي بين الحشا وطنٌ؛ إذا ضاقت بي الأرض، اتّسعت له السماء، وإذا نام العالم في غفلة النسيان، ظلّ يقظًا يحرس ما تبقّى من أحلامي.

وطنٌ لا أودّعه حين أرحل، ولا أستقبله حين أعود؛ لأنني، ببساطة، لم أغادره يومًا.

إنما كنتُ أبتعد قليلًا، لأعرف كم يسكنني.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى