يحيى السماوي شاعر الأوجاع
الشعرُ يستحقُ يحيى السماوي. يستحقه إنسانا، فنانا، شاعرا، فالشعر ليس طاقة حيوية على إبداع المعنى، واجتراح عالم جديد، بل هو فوق هذا وذاك نبض إنساني يشحن الحياة بما يجعلها تستحق أن تُعاش الحياة تستحق أن تُعاش حزنا لا فرحا، تستحق أن تُعاش ياسا لا أملا، تستحق أن تُعاش كمدا وتمردا لا أنسا ولا شدوا، جئنا الى هذه الحياة مرغمين، وسوف نرحل مرغمين، والمسافة بين الشروع والرحيل تمارس حريتها على أجسادنا كما ترغب وكما تريد، لا كما نرغب وكما نريد...هكذا أشعر وأنا أقرأ، بل أتلو شعر هذا الإنسان المُعذّب، الإنسان الذي صهر كل وجوده في عالم الأوجاع، عالم الأوجاع حصرا !يذكرني ذلك بـ (غرامشي)، اليأس مع الإرادة، يأس العقل وإرادة العضلة، وما علينا سوى أن نجتاز القدر كما تتأتى لنا الظروف، وفيما أقرأ يحيى السماوي، أجدني منساقا مع حقيقة واحدة، واحدة فقط، هي الوجع، الوجع دون غيره ... ولكن بلذة طافحة، لذة مجنونة، ترى هل هي لذة تحمُّل هذا الوجع، لذة الإخلاص له، لذة الكفاح ضده، لذة الاعتراف به، لذة التعايش معه، لذة السخرية منه؟
الذي أدري هو أني توجّعت كثيرا، عميقا، وأنا أتلو آيات يحيى السماوي، آيات الوجع الغائر في قلبه، ضميره، صميمه، آماله، شعره، ولم يكن شعره سوى الوجع ذاته، فلا أستطيع أن أفكك بين الوجع وشعره ...
ألم أقل إن الشعر يستحق يحيى السماوي؟ أي وجع هو يا ترى؟وجع الإنسان بالدرجة الاولى، ثم وجع الطبيعة، وجع الزمن، وجع الحياة ذاتها، وجع الكلمات التي يؤسس بها آياته العظيمة، ينحت بها صوره، مفاهيمه، شعوره، فهو شاعر الوجع الكامل، الوجع الكلي ..هل أجد على وجهه بعض ملامح هذه الحقيقة؟ أنا أشعر بذلك، ولست مسؤولا عن شعور غيري!
وجع يقود الى وجع، أو يفضي الى وجع ...جريمة ذلك الدم الذي ما زال رطبا يلامس ضمير الحياة، يرتل لنا أغنيات الأطفال والنخيل والماء والتراب، كي لا يموت العراق:
[ما مات (كاملُ)(كامل) انتدبته دجلة للخلودِممثِّـلا نخل العراقوناطقا باسم الطفولةباسم حلم الكادحينْ ... ]إلى أوجاع العمر وهي تمر عبر سنواته العجاف :( ستون .. مرّتْ من غير مُمطرة ِمرّ الطيوف بجفن مكتحل ِستون .. لا أهلا ً بقافلةٍتُدني ذِئاب الحتف ِ من حَمَلي)
السفر الشعري هذا إذن هو سفر الأوجاع، وجع الوجود بكل تجلياته، وهو وجع لا يشعر به مسؤولية وقلقا إلآ الذين تمكّن منهم وعي الذات، وعي الحياة، وعي الحقيقة، والوجع هنا، في الديوان، فكرةً ومشروعاً وصورةً ولغةً وتوكيدا وإلحاحا وطرحا، فالشاعر كان يعمل على مشروع كلي لشعره، ذلك هو الوجع ... الوجع بكل صوره وألوانه واشكاله وإشكالياته، مما يعني أن الشاعر يعي ما يكتب، ويعي ما يطرح، ويعي ما يخاطب به الأخر، إنه نص مسؤول، نص يستعر بالوعي.
من أهم وأبدع آليات الشاعر يحيى السماوي هو (الإنزياح)، وقد كان دقيقا وماهرا في استثمار هذه الآلية الحيوية في تشييد معماره الشعري، فهو لم يسف ولم يجدب، بل كان ميزانه الواقع والقارئ واللغة والعقل، وبذلك يكون قد أعطى للشعر حقه من الشعرية، فلم يورط شعره بانزياح صوفي، يعتمد على مديات خيالية بين اللفظ والمعنى، حيث تورط كثير من الشعر اء بمثل هذا المنحى الخيالي،فإذا بهم يكتبون نثرا صوفيا وليس شعرا بالحقيقة.
يقول الشاعر في قصيدته (نهاوند): ـ
(الماءُ أودعها سريرتَهُوأودعتِ الطفولةُ جيدهاعقدَ البراءة ِ ...والأمومةُ؟أودعتها رِقَّةُ القلب الجليلْوالروض أودع ثغرهاوهج القرنفلِفي الاصيلْ )
هذا اللون من الإنزياح ينقذ الشعر من الهوس، ويعطي له عمقا في مشاعرنا وأحاسيسنا وتصوراتنا وخيالنا، والشاعر (السماوي) لا يستخدم الإنزياح بشكل ساذج، آلي، ميكانيكي، بل هو يتفنن في تركيب الإنزياح، تكثيفه، ثم يتفنن في تحريكه عبر النص، يزيحه أيضا !ليس للماء (سريرة )، لكن فن الإزاحة يهب الماء (سريرة )، على أن هذه (السريرة) لم تعد ملك الماء، بل تتحرك لتهب طاقتها الحيوية، الروحية، لـ (نهاوند)، وهكذا نلتقي بالسريرة مادة متحركة، فعالة، نشطة، عنيدة، لا تقف، ولا تفتر .وكان (التناقض) من أبدع آلياته الشعرية، ولم يخرج عن مملكة الإستخدام الطبيعي والمعقول لهذه الآلية،اختيارا، وموضعا، وعلاقة،فهو الشاعر الحساس بمسؤوليته الشعرية، والمتمرس في فهم الصورة الشعرية، بل ويدل كل ذلك على ثقافة ثرة ليس باللغة وحسب، بل بالموضوع الذي يطرقه شعرا ..
نقرا له في قصيدته (أين شطآنك مني) :ــ
(نحن في عصرٍبه العهرُ حلالٌوالمروءات حرامْ )
تناقض مستل ليس من الطبيعة، بل تناقض مستل من الثقافة، فهو لم يتحدث عن شتاء وصيف، ولا عن أسود وأبيض، ولا عن بعيد وقريب، ولا عن غني وفقير، بل عمل على خلق التناقض وليس على استعارته، وخلق التناقض أعمق من ا كتشافه واستعارته، وإلآ هل يكون العهر حلالا في لغة الواقع ولغة المنطق والدين والشرائع والاخلاق؟لا بطبيعة الحال، ولكن الشاعر هنا استل المعادلة المقلوبة من السلوك، من الممارسة، من الثقافة، من الحضارة، كان شاعر حضارة أكثر من كونه شاعر طبيعة في هذه التجربة الشعرية.
الجوع ضعف ...هزال ... هوان ..مذلة ...فكيف إذن (وجوعي سمُنا)؟
أنها لعبة المتناقضات الذكية، ليست مقابلة آلية، بل حركة باطنية، داخل الفكرة، داخل النص، داخل الصورة، وبهذا خلصنا من التناقض المدرسي، التناقض التقليدي، إن لعبة اسود وأبيض تحولت الى آلية فجة، ولكن لعبة السمن داخل الجوع، و الجوع داخل السمن هي اللعبة الذكية اليوم في النص الشعري، هي اللعبة التي تجعل الشعر حقا كائنا جميلا، او تمهّد الطريق لتعريف الشعر بأنه (كائن جميل)، إن لعبة التناقض المستلة من الطبيعة أضحت عقيمة، اللهم إلاّ إذا تفنن الشاعر في تحويلها من تناقضات متقابلة بشكل آلي إلى تناقضات يغور بعضها في بعض، مما يولد حركة شعرية فاعلة .التجربة الذاتية تهيمن على شطر كبير من النص، وهذا ما يعطي للنص نكهة المعايشة الساخنة، تجربته الذاتية، وكان قد اختار مقطعا ساخنا، مؤلما، موجعا من تجربته الذاتية، فهو لم يتكلم عن صراع جانبي، ولا عن شك بحقيقة خارجية، بل سلّط الضوء بجدارة على هذا التمزّق الذاتي الذي يعاني منه، أي الغربة، الا ستلاب...يقول : ـ
(أعاتبني :لماذا خنتُ نفسي؟كنتُ أدري أن كوثر عشقهالهبُ ..وأن سفينتي خشبُكذبتُ عليّ....تطعنني ولا سببُ)ويقول : ـ(أنا لا اعرفنيأين اقيم الأن؟لا عنوان ليكيف اهتديتْ؟)
الشاعر هنا يخرج من ذاته ليصف ذاته، وهذه العملية بحد ذاتها عبارة عن صرا ع، صرا ع يصف صراعا، ومرة أخرى تتداخل الصور بهذه الطريقة الجميلة في شعر السماوي.
التجربة الشعرية للسماوي تنبع من الذات قبل أن تنبع من اي شيء آخر، وهو يقدم لنا تجربته كما هي، صادقة، صافية، خالية من كل زخرفة ...ينتزع نفسه من قاع نفسه، ليصف لنا ما في داخل نفسه ...إنها جدلية الذات الساخنة ...
