السبت ٧ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٢٦
بقلم غدير حميدان الزبون

أنُمسي أغرابًا من بعد فنجان قهوة؟

جثمَ السكونُ بكلكله على الطاولة الخشبية الصغيرة ثقيلا وسط شارع مضطرب في الخارج، بينما كانت العتمة في الداخل تلتصق بالزوايا، فلا يقطعها إلا شعاعٌ ضئيل يكسر ظلمة المقهى المهجور.

جلس الاثنان متقابلين لا تفصل بين مقعديهما إلا مسافة قصيرة، وفنجانان فارغان يستقرّ في قعريهما حبرُ القهوة المتخثر شاهدا على كلّ ما قيل.. وما استحال قوله.

سحب نفساً طويلاً، ونظر إلى الحافة الفخارية المسودّة أمامه، ثم قال بصوتٍ خافت هامسًا للنهايات:

أنُمسي أغراباً... بعد فنجان قهوة؟

رفعت عينيها، ورمقته بنظرة غائرة تُشبه الرماد بعد حريقٍ طويل مبتسمةً بمرارة لا تلفت الانتباه، وردّت:

وهل كنا يوماً غير ذلك؟

القهوة لم تكن إلا هدنة قصيرة مع الغربة.. هي استراحة محاربين تعبا من ادّعاء الألفة.

أمسك الفنجان بأصابع ترتجف وقال:

لكننا تحدثنا عن كلّ شيء، عن البيوت التي هُدمت، وعن الحبر الذي سال تحت الركام، وعن الخوف الذي يأكل أرواحنا في العتمة.. كيف يتبدد كلّ هذا الدفء بمجرد أنْ ننهي الرشفة الأخيرة؟

نظرت نحو الباب المعتم فوجدت الساحة الخارجية تنتظر غرباء جدداً، ثم أردفت بثباتٍ مشوب بالحزن: لأنّ الحقيقة لا تُقاس بطول الحديث.

أنت ستأخذ طريقك بين الأنقاض، وأنا سأمضي في طريقي.

ما جمعنا هو وجعٌ متشابه تصادف في هذه اللحظة، والقهوة شهدت على التقاط أنفاسنا، لكنها لن تتكفل بجمع أشتاتنا غداً.

ساد الصمت مجدداً إلى أنْ برد الفنجان تماماً، وغشت التفل الجاف خطوطٌ تشبه الخرائط التائهة التي تعجز أعظم بصّارة عن فكّها.

قام متثاقلاً، ووضع يده على ظهر الكرسي، وقال وهو يستعد للغياب في الزحام: على الأقل.. كان الفنجان دافئاً.
أجابت دون أنْ تلتفت إليه: وهذا يكفي كي لا ننسى أننا كنا هنا.. حتى لو أمسينا غداً أغراباً.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى