مقهى وتشرين
كانت نسمات تشرين الثاني الباردة تقترب، وتعبث بستائر المقهى العتيق حاملةً معها رائحة المطر الوشيك وعصف حنين جارف يلوّن الأفق ببخار القهوة المتراقص.
جلس على الطاولة المحاذية للنافذة يرقب أوراق الشجر الصفراء وهي تتساقط مثل رسائل قديمة ممزقة، وبين دقيقة وأخرى يرتشف قهوته المرّة علّها تطرد برودة الساكن في ضلوعه.
فجأة انقطع حبل أفكاره بصوتٍ مألوف أنعش نبضه، التفت ليجدها تقف أمامه ملتحفةً معطفاً بلون الأرض، وفي عينيها لمعة تشبه لمعان الفجر التشريني.
يا لروعة الصدف! أتسير في دروب الذكريات وحدك، أم أنّ الخريف استدرجك كما استدرجني؟
قالتها وهي تبتسم وعيناها تتأملان شروده.
أزاح كرسياً مجاوراً ودعاها بلهفة حاول إخفاءها:
هو الحنين يا عطر الصباح! ألم تعلمي أنّ تشرين لا يترك قلباً مغلقاً إلا واقتحمه؟
اجلسي، ودعينا نقتسم دفء هذا الصباح.
جلست، وأخذت تطالع الأوراق المتطايرة في الخارج، ثم همست بنبرة شجية:
ما بال هذه الأوراق تسقط مستسلمة؟ أهو الموت، أم أنه التخلي؟
التفت إليها، وحرّك كوب قهوته هازاً رأسه:
لا، ليس تخلياً! ما أجمل أنْ نفهم الخريف على حقيقته، إنه مدرسة النقاء لا البكاء.
ألا ترين كيف تتعرى الأشجار من زيفها لتستقبل الشتاء بقلبٍ ناصع؟
صمتت برهة، ثم تنهدت قائلة:
لكنه يوقظ فينا وجوهاً غابت، وأصواتاً تاهت في زحام السنين... ليت الحنين كان كأوراق تشرين، يجفّ، فيسقط، وتذروه الرياح بعيداً!
ابتسم بأسى وقال:
يا ليت شعري! هل نملك حقاً أنْ نطفئ جمر الحنين في قلوبنا؟
إنّ حنيننا يا صديقتي هو الطين الذي جُبلنا منه.
وإنْ غاب عصف تشرين ستظل أوراقه تهمس بأسمائهم مع كلّ هبة ريح.
تلاقت نظراتهما، وبدأت حبات المطر الأولى تنقر على زجاج النافذة.
