أين نذهب بعد الموت؟
لم يتسع العالم كثيراً مذ خرجت من جوف أمي، لقد أصبح أكثر جمالاً، إذ يمتد عالمي الجديد من صدرها شمالاً إلى ذراعيها جنوباً.
ينقضي عامي الأول وتنجح أولى محاولاتي في استكشاف ما وراء هذا العالم، حبوت خارجه أمتاراً قليلة بدافع الفضول ثم عدت إليه بدافع الخوف.
وفي عامي الثاني، أتغلب على خوفي وأخطو بأقدام مرتجفة، ثم أطلق ضحكة عالية.
يقترب عامي الثالث من نهايته، ويتسع العالم قليلاً، ولا أكون خارجه إلا إذا نظرت حولي ولم أجد أمي.
وقفت في أول أيام العام الرابع بين أبي وأمي، ونظرت إلى جسديهما العملاقين بانبهار، ثم ركضت إلى باب الدار وارتديت حذاء أبي الضخم، مشيت به ثم تعثرت. كيف أصبح قوياً كأبي؟
ارتديت جلباباً أبيضاً في عامي الخامس والتحقت بالمسجد لحفظ القرآن الكريم، وأوصتني أمي بأن أحفظ المعوذتين ليحفظني الله بهما ويطمئن قلبها، ثم دخلت المدرسة واتسع الكون أكثر فأكثر، عشرات الأطفال والمعلمين أصبحوا جزءاً من حياتي اليومية.
وفي عامي السابع، كذبت لأول مرة على مدرس مادة العلوم التي أمقتها حتى الآن، طلب منا تسليم الواجب واقترب مني منتظراً أن أعطيه الدفتر، فوضعت رأسي داخل الحقيبة وقلت له أنني أبحث عن الدفتر، وظلّ رأسي داخل الحقيبة حتى انتهت الحصة.
تعرفت على المعلم فان في عامي التاسع، وتأثرت به كثيراً، وظل قدوتي حتى لحظة موته دفاعاً عن تلامذته. أعلنت الحداد لأيام وتوقفت عن مشاهدة التلفاز، ثم سألت أبي: "أين نذهب بعد الموت؟" فأجابني مرتبكاً: "الجنة أو النار".
استعنت بهذا الوعد المؤجل على كل نوائب الدهر، موت المعلم فان، وموت أطفال فلسطين. ثم تمضي الأيام والسنوات، وأقف أمام أبي وأدرك أنه ليس عملاقاً كما ظننت. عرفت في عامي الرابع عشر أن المعلم فان شخصية خيالية، وأن أبي ليس بطلاً كما اعتقدت، وإنما هو رجل محب، نذر نفسه لنحيا أنا وأمي وإخواني حياة كريمة.
وفي عامي الثامن عشر، كنت الرجل الأكثر ذكاءً ووسامةً على وجه الأرض التي تدور حول نفسها وحول الشمس وتحمل مليارات البشر لأجلي، أمسك سيجارتي الأولى بثقة، وأقف أمام ابنة الجيران، وأسكب كلمات العشق في أذنها، وأمطرها وعوداً لو عاد بي الزمن لما تجرأت على التفوه بها.
مرّت سنوات المراهقة كنسمة باردة في الصيف، وحطت الحرب رحالها، وأصبح الخوف رفيقاً وفياً لا يفارقني في ليل أو نهار، اقتربت من الموت فيها مرات عديدة، حتى فقد الموت هيبته وهانت الدنيا في عيني.
في يوم شتوي في السنة الثالثة للحرب، كنت أمشي في أحد الأسواق، ثم تساقطت الصواريخ وكان الناس يركضون في هلع في مشهد يشبه يوم القيامة. كانت تلك المرة الأولى التي لم أركض فيها كما يفعل الناس، أي موت أخشاه؟ إنني ميت منذ بدأت الحرب، مشيت بهدوء حتى خرج أحد التجار من دكانه وطلب مني الدخول إلى الدكان بصرخة خائفة، فابتسمت بوجهه بصمت ثم واصلت السير.
ابتلعت الحرب خمسة عشر عاماً من عمري، وأعادت إليّ السؤال القديم: "أين نذهب بعد الموت؟". لا يهم إلى أين سنذهب، المهم أن نغادر هذا العالم في أقرب وقت.
وفي عامي العشرين، اكتمل الشيب في رأس أبي بعد أن أتم عامه الستين، ولا يزال يرى في الحياة أموراً ينكرها ويعجب منها، وكأن العقود الستة لم تكن كافية للحصول على الإجابات وفهم كل ما يحيط به. أما أنا، فأعرف كل شيء!
أخبرني جدي في عامي الخامس والعشرين أنني أشبه أبي كثيراً في طريقة المشي والضحك وفي ردود أفعاله، وكأنه يرى ابنه قبل أربعة عقود، ثم يموت في نفس العام ويعود السؤال مجدداً: "أين نذهب بعد الموت؟"
وقفت أمام قبره أنتظر أن ينهض منه وينفض التراب ثم يجيبني بنبرة هادئة كالتي يتقنها الأجداد الحكماء فلم يفعل.
حملت طفلي الأول في العام التالي بسعادة لو ارتفعت عن سطح الأرض لحجبت السماء وما فيها، وبمزيج من الخوف والأمل، تأملت وجهه الصغير وسألت نفسي: "لماذا جلبت هذا الطفل البريء إلى عالمنا الموحش؟". لقد فعلتها لأنتصر على الموت.
ماذا سيصنع هذا الطفل إن غيبني الموت عنه؟ هل سيكون ممتناً لي بعد عقدين من الزمن كما أنا ممتن لأبي الآن؟ هل ستبدأ حربُ أخرى في شبابه؟ اللعنة على هذه البلاد!
وصلت إلى عامي الثلاثين، وأصبحت أكثر هدوءاً وأقل يقيناً، كنت أظن أن الثلاثين بوابة يدخل منها المرء إلى مرحلة النضج، ثم اكتشفت أنني دخلتها وأنا أحمل الأسئلة القديمة، ومعها أسئلة لم تخطر لي من قبل.
سألني طفلي في عامي الثاني والثلاثين ذات السؤال الذي سألته لأبي وحملته معي من عهد الطفولة: "أبي، أين نذهب بعد الموت؟". نظرت إليه، ولم أعرف هل أجيبه كما أجابني أبي، أم بما تعلمته في السنوات الماضية. قلت له: "اعمل صالحاً، ولا تبغض أحداً من الناس، وإذا جاء الموت، اذهب إليه بقلب مطمئن".
وفي عامي الأربعين، سألني ولدي سؤالاً قاسياً: "أبي، لماذا لم تشارك في الحرب التي شهدتها في مرحلة الشباب؟" فأجبته: "ادخرت نفسي لحرب أخرى". نظر إليّ بحيرة، فابتسمت وربتت على كتفه ثم غادرت الغرفة.
ومضت السنوات، وبدأ الذين أحبهم يرحلون واحداً تلو الآخر. رحل أبي، ورحلت أمي، وغاب أصدقاء الطفولة، حتى جسدي الذي حملني سبعين عاماً خذلني الآن.
كبر العالم، وكبرت معه، ولم أعد مهتماً إلى أين سنذهب بعد الموت، أريد فقط أن أعود إلى حضن أمي، وأن أرتدي حذاء أبي من جديد، ولكنهما قد سبقاني إلى مكان أجهله الآن، وسأعرفه قريباً، ولعلني حين أصل، أجد أمي هناك. حينها سأعود طفلاً من جديد، ولن أسأل: أين نذهب بعد الموت؟
