أطياف الفجر المشؤوم
كانت يدي ترتجف حين استلمت البندقية، لم تكن تجربتي الأولى معها، وليس بسبب نسمات الفجر الباردة في ذلك اليوم، ولكن تلقينا أمراً بتنفيذ مهمة إعدام ميداني.
لثلاث سنوات مضت، يقذفنا قادة الجيش في حرب دامية مع المدنيين الثائرين من أبناء جلدتنا ويأمروننا بقتلهم دون رحمة، وتهدر وسائل الإعلام المحلية بكلمات التخوين ضدهم وتلصق بهم أشنع التهم في العمالة والمؤامرة، وضرب السلم الأهلي والتدبير مع أعدائنا الذين يتربصون بنا في الخارج.
كنا ثمانية جنود في المهجع، استلمنا البنادق ثم أمرنا الضابط بالنزول إلى الساحة خلال عشر دقائق. نزل رفاقنا الستة على الفور وبقينا أنا وقاسم في المهجع. اقتربت منه ونظرت إلى وجهه فوجدته يبكي بصمت، سألته بهمس: "لم البكاء؟ لن يكون هذا الأمر أشد من المعارك التي نخوضها".
تفحص قاسم البندقية وقال بسخرية ممزوجة بمرارة: "نعيم الجهل! ولكنه سيزول بعد دقائق". اقتربت منه أكثر وقلت بدهشة: "كيف ذلك؟ ولم تفحص البندقية؟".
أجاب قاسم دون أن يتوقف عن تفحص البندقية: "في المعركة نقتل لننجو، لكن الوجوه والصرخات الأخيرة تعود ليلاً. أما مهمة اليوم لها شأن آخر، سنقتل أشخاصاً لا ندري أي حظ عاثر ساقهم إلينا، ولعل فيهم رجلاً لم يحمل سلاحاً طيلة حياته. فكيف لا يكون هذا أشد على النفس من المعارك؟".
نفخ في فهوة البندقية ثم قال وهو يتجنب النظر إليّ: "تسألني أمي عما نفعله في الخدمة العسكرية، وأخبرها كاذباً بأننا نحرس الثكنة ولا نقاتل أحداً"
ضحك ضحكة جافة قصيرة وهمس: "لو عرفت ماذا نفعل هنا، لأصابها مسّ من الجنون، لن تصدق أن طفلها المدلل أصبح قاتلاً."
كان لكلماته وقعاً شديداً في نفسي ولم أجرؤ على المشاركة في الحديث، وبقيت صامتاً. نظر إلى البندقية وقال حانقاً: "اللعنة عليهم، لم أستطع التحقق من البندقية". قلت بدهشة: "لم أفهم قصدك؟". حمل قاسم بندقيته ثم قال لي ببرود: "اتبعني قبل أن نقف إلى جانب المحكومين بتهمة الخيانة". حملت بندقيتي ومشيت معه على عجل إلى الساحة.
اصطففنا في الساحة على شكل نصف دائرة. كان الفجر قد بدأ ينسحب ببطء، تاركاً وراءه ضوءاً رمادياً كئيباً، كأنه يرفض أن يشهد ما سيحدث. وقفت أنا وبقية الجنود أمام ثمانية رجال معصوبي الأعين جُثُوا على ركبهم، وأكتافهم منحنية، ومع ذلك، لم يظهر الخوف على أي منهم وكأن الله انتزع الطمأنينة من قلوبنا وقذفها في قلوبهم! وكان بعضهم يتمتم بكلمات لم نسمعها، أو لعلنا لا نريد أن نسمعها.
حرّك أحد المحكومين شفتيه كأنه يردد دعاءً تعلمه طفلاً، فتذكرتُ أمي حين كانت تضع يدها على رأسي وتلهج بالأدعية بالطريقة نفسها. بدا المشهد كله كحلم مشوّه؛ نحمل البنادق وهم يحملون صمتهم فقط، ومع ذلك شعرت بأنهم الأقرب إلى النجاة، وأننا نحن الواقفين خلف الزناد نحتاج إلى من ينقذنا.
تجنبت النظر إلى وجوههم وكأن النظر إليها سيجعلني شريكاً أكثر مما أنا عليه، ومع ذلك، لم أنجح في غضّ البصر. تفحصت وجوههم وكان جلّهم في متوسط العمر إلا اثنين منهما في أقصى يسار الصف؛ الأول مراهق والثاني شيخ كهل.
وجهت بندقيتي بعيداً عنهما وأغمضت عيني وقلبي يخفق بقوة حتى كاد ينخلع من مكانه. ثم صاح القائد: "استعداد". جهزت البندقية في وضعية التلقيم. اجتاحتني رغبة قوية في أن أفرغها في جسد الضابط ثم طردت هذا عن خاطري وانتظرت الأمر.
كان الشيخ يحرك شفتيه ببطء، والمراهق يبكي بصمت، أما الرجل الذي بجانبه كانت يده في جيبه يتحسس شيئاً فيه وهو مبتسم.
اقترب الضابط منه ووضع يده في جيب الرجل فوجد قطعة حلوى ملفوفة بورق أحمر باهت، تأملها قليلاً وقال للرجل: "أهي لطفلك؟" فأجاب الرجل بصوت متحشرج: "نعم".
اتسعت حدقتا الضابط للحظات ثم تنهد ووضعها في يد الرجل وعاد بخطوات هادئة إلى جانبنا، أخذ نفساً عميقاً وقال بصوت هادئ: "نار".
أطلقنا الرصاص حتى فرغت الذخيرة في البندقيات ثم وضعناها أرضاً ووقفنا باستعداد. نظرت إلى المحكومين فوجدتهم ساكنين بلا حراك إلا ذلك الرجل الذي أمسك بقطعة الحلوى بقوة وكأنه يقاوم الموت ليعود بها إلى طفله، انتفض جسده للحظات قبل أن يصبح جثة هامدة.
"انصراف"
لقد انتهى كل شيء! عدت مسرعاً إلى غرفة الجنود ولم أجرؤ على النظر إلى الخلف.
دخلتُ المهجع فوجدتُ قاسم جالساً على سريره، يحدّق في السقف. كان سامر واقفاً قرب النافذة، ينظر إلى الساحة الخالية بعينين جامدتين، وكأنه ينتظر أن يحدث شيء يعيد الزمن إلى الخلف. اقتربت من النافذة وأمسكت حافتها بقوة، ونظرت إلى الساحة، وما زال صدى الطلقات يدوي في أذني.
قلتُ بصوتٍ خافت: "انتهى كل شيء". رد سامر بهدوءٍ باهت، دون أن يلتفت: "نعم… وانتهى كما يجب." وفجأة، ضع يده على فمه كأن شيئاً صعد إلى صدره رغماً عنه، واندفع مسرعاً نحو باب المهجع. سمعنا صوت ارتطام الباب بالحائط، ثم سكوناً قصيراً أعقبه صوت تقيؤ مكتوم في الممر.
بعد دقائق عاد سامر. كان وجهه شاحباً. مسح فمه بمعصمه، وسار بخطوات ثابتة نحو النافذة، كأن شيئاً لم يحدث ثم قال بصوتٍ أكثر هدوءاً من ذي قبل: "نعم… انتهى كما يجب.".
قال قاسم بصوت خافت: "سامر، هل قلت أن الأمر انتهى كما يجب؟ ثمانية رجال كانوا يتنفسون قبل دقائق، والآن صاروا تراباً! هل تعي ما تقول؟"
ردّ سامر بعصبية وهو يشد حزامه بإحكام: "وهل نملك لهم ولأنفسنا شيئاً؟ لقد انتهت أعمارهم على كل حال". ضحك قاسم ضحكة قصيرة مكسورة وقال: "أخشى أن أعيش ليومٍ لا أقدر فيه على ضغط الزناد، حتى ولو دفاعاً عن نفسي!".
قال سامر: "حين وصلنا إلى الساحة كنتُ أرتعد من الخوف، ظننتُ أنني سأنهار، ولكن عندما صدر الأمر ورفعنا البنادق معاً وأطلقنا الرصاص، لم أعد أسمع صوت بندقيتي وحدها."
ظلّ سامر ينظر إلى الساحة الفارغة، كما لو يحاول التحقق من أن الرجال الثمانية لم يكونوا موجودين يوماً.
التفتت فجأة إلى قاسم وسألته: "لماذا كنت تتفحص البندقية قبل تنفيذ العملية؟".
تنهد قاسم وقال ببطء دون أن يشيح نظره عن السقف: "يوزع القائد على الجنود مجموعة من البنادق، نصفها حقيقي ونصفها زائف، ويضعون أعصبة على عيون المحكومين، ثم يأمروننا جميعاً بإطلاق النار على كل المحكومين فلا يطلق كل جندي النار على شخص محدد. وبذلك، يضمن قادة الجند ألا نشعر بالذنب بعد انتهاء العملية. فأنت لا تعرف إذا كانت بندقيتك حقيقية أم زائفة، ولن يتبين لك إذا قتلت ومن قتلت".
ثم ضحك ساخراً وقال: "ليس حرصاً على سلامتك النفسية كجندي، وإنما حرصاً عليك كآلة قتل قد تتلفها الاضطرابات النفسية".
وما إن سمع الجنود قصة البنادق الزائفة والحقيقية حتى ساد الهرج في المهجع، باستثناء سامر الذي ظلّ ينظر إلى الساحة بهدوئه المريب.
وبعد أسابيع من الحادثة، وفي ليلة هادئة، انقطعت الكهرباء عن المهجع، فأخرج قاسم قطعة حلوى صغيرة من جيبه بحذر، كما لو أنها كنزٌ خبّأه عن الحرب كلها.
كسرها نصفين وأعطاني قطعةً وهو يبتسم بخجل: "أرسلتها أمي مع الرسالة، وأوصتني بألا آكلها لوحدي."
ضحكنا يومها بصوتٍ منخفض حتى لا يسمعنا الرفاق النائمون، ولثوانٍ قليلة نسينا شكل البنادق، وتذكّرنا فقط أن لنا بيوتاً، وأن أحداً ما يزال ينتظر عودتنا أحياء.
استيقظ سامر وفتح عينيه ببطء، وقال بصوت ناعس: "احتفظا بها، لعلنا نجد طفلاً نقدمها له في معركتنا القادمة، فقد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى لنعمل عملاً صالحاً"، ثم عاد للنوم على الفور.
احتضنت القطعة بين أصابعي، ابتسم قاسم ثم قضم من القطعة، قضمت من قطعتي مبتسماً وقلت لنفسي: "لحظة صغيرة، ولكنها حقيقية، ربما تكون آخر ما تبقى لنا قبل أن نعود إلى ساحات القتال."
وفي الأسبوع التالي، حملتنا ناقلة الجنود إلى معركة على أطراف المدينة. أخذنا مواقعنا وبدأت المواجهة. نظرت إلى قاسم الذي كان مستنداً إلى جدار إحدى الأبنية المدمرة ولم يطلق طلقة واحدة على الرغم من شدة المعركة، كان هادئاً بطريقة مريبة، فهذا الهدوء لا يظهر في مثل هذه المواقف. قلت له: "استهدف القناص في المبنى المقابل عندما أبدأ بالتغطية النيرانية".
التفت إليّ وقال وهو يتأمل السماء: "أتذكر حديثنا يوم مهمة الإعدام؟". صرخت في وجهه غاضباً: "دعك من هذا الآن!".
انهمرت دمعة ساخنة من عينيه ثم وضع البندقية على الأرض وقال: "لا تزال أطيافهم تطاردني منذ ذلك الفجر المشؤوم!". نظر إليّ مطولاً وهو يرتعد ثم صاح بجنون: "حنين تنتظرني، لا أريد أن أموت، ولا أريد أن أقتل أكثر!".
كان قاسم يخوض صراعاً عنيفاً، ثم قرر مواصلة القتال، فاقترب من بندقيته وأمسكها بيدين مرتعشتين، وفي هذه اللحظة، دوت قنبلة بالقرب منا. وقفت بسرعة وأطلقت وابلاً من الرصاص على البناء المقابل ثم استترت لتلقيم البندقية، نظرت إلى قاسم فوجدته ينظر إليّ بصمت.
أفلت قاسم البندقية ووضع خوذته على الأرض ثم مشى بخطوات ثقيلة من خلف الجدار وما إن أصبح مكشوفاً حتى تلقى وابلاً من الرصاص أسقطه قتيلاً على الفور.
تجمدت في مكاني وحدقت في جسده الملقى على الأرض وتلاشت الأصوات من حولي، كانت يداه مفتوحتان كأنهما تطلبان الغفران على ما اقترفت يداه.
انتهت المعركة سريعاً، وعُدنا إلى الثكنة بصمت أثقل من الهزيمة.
تمددت على سريري أنظر إلى سرير قاسم الفارغ، تذكرت كم كان يحدثني عن أخته الصغيرة حنين، وشوقه الكبير للقائها بعد أن تنتهي الحرب، ورسائله إليها. وفي ذات الوقت، أستمع بصمت إلى أصوات رفاقي في الغرفة وأحاديثهم الحالمة عن مخططاتهم المستقبلية بعد انقضاء الحرب، بينما كنتُ أشعر أن شيئاً في داخلي قد سبقهم جميعاً إلى النهاية.
التفتّ فوجدت سامر جالساً على الأرض، أخرج علبة سجائر من جيبه ببطء، نظر إليّ ببرود ثم قال بصوت منخفض: "أتريد واحدة؟" فأخذت سيجارة من العلبة.
قال وهو يحدق في الفراغ: "عندما نظرت إلى جسد قاسم المسجى، أشفقت عليه إذ ظننت أنني نجوت وأنه هلك، هل جاءك هذا الخاطر أيضاً؟"
ارتجفت يده قليلاً وهو يقربها من شفتيه، ثم سحب نفساً عميقاً، ونفث الدخان ببطء شديد، كان زفيراً طويلاً حتى ظننت أنه يحاول لفظ كل ما يثقل صدره قبل أن يعود إلى الصمت!
بعد عدة أشهر، كُلفت بقيادة مجموعة لمداهمة بناء مهجور، وأثناء تمشيط المبنى وجدنا مقاتلاً مصاباً بقدمه ينظر إلينا بذعر. تقدمت إليه وأخرجت مسدسي بهدوء لم أعهده من قبل فقال بصوت مبحوح: "أتوسل إليك، لا تقتلني!".
كانت يدي ثابتة، لم أكن بحاجة إلى من يصدر أمر إطلاق النار، ضغطت على الزناد، فاستقرت الرصاصة برأسه، ليسقط جسده بلا حركة، وانطفأت الكلمات التي كانت تتشبث بالحياة قبل لحظةٍ واحدة.
أعدت المسدس إلى حزامي، ثم نظرت إلى جسد الرجل المسجى، وكأنني أواجه نفسي في مرآة مظلمة لم أرها من قبل.
توقفت عن عدّ الأيام والليالي، سنوات مضت ولا تزال الحرب جاثمة على صدورنا، لم يتغير شيء إلا أنني حصلت على أكثر من ترقية وأصبحت ضابطاً.
فتحت الملف ببطء، أنظر إلى الصور المطبوعة، والأسماء، والأعمار. شعرت فجأة بأن الجدران توشك أن تهوي عليّ، وأن صوت الريح يهمس بأصوات الماضي، والفجر البعيد يعود ليملأ الساحة أمام عينيّ من جديد.
ترددت للحظة، وقلت لنفسي، أستطيع أن أوقف كل شيء الآن، أستطيع أن أكسر تلك الدائرة التي ابتلعتنا واحداً تلو الآخر، هل أرسل هذه المجموعة إلى السجن وأمنحهم فرصة الحياة بعد مثولهم أمام القضاء؟ أم أقتلهم فأريحهم وأعجّل في أجل الحرب؟
العيون تنظر إليّ وأنا أقلّب في الأوراق وأنظر إلى وجوه المحكومين وبياناتهم، رفعت رأسي وقلت ببرود لم أعرفه في نفسي من قبل: "أنزلوهم إلى ساحة الإعدام".
اصطف الجنود والمحكومون، في مشهد هزلي تفوح منه رائحة الموت، أسئلة كثيرة تعبث بعقلي ولا أجد لها جواباً.
تحركت شفتاي أخيراً، وخرج الصوت هادئاً خالياً من أي رجاء: " استعدّوا".
ارتفعت البنادق في آنٍ واحد، وتوقّف الزمن عند حافة الزناد، لحظةً قصيرة بدت أطول من سنوات الحرب كلّها.
لمحتُ بين الجنود وجهاً مرتبكاً يشبه وجهي في ذلك الفجر البعيد؛ كانت يده ترتجف كما ارتجفت يدي يوماً، وكأن التمرّد يوشك أن يولد في صدره.
نظرتُ إليه طويلاً، ثم ابتسمتُ ابتسامةً شاحبة لا أدري أكانت سخريةً منه أم من نفسي التي لم تتمرّد حين كان ذلك ممكناً.
رفعتُ رأسي لأصدر أمر إطلاق النار، ثم توقفت الكلمات في حنجرتي، واستعصت فلا أقدر على نطقها.
اقترب سامر من أذني وهمس دون أن ينظر إليّ: "ماذا تنتظر؟ أصدر الأمر." لم أعرف إن كان يقصد الرحمة بهم… أم بنا.
تذكرت أن سامر كان الجندي الوحيد الذي لم يسأل يوماً إن كانت بندقيته حقيقية، لقد أدرك أن المعرفة جحيم يحرق صاحبها.
ارتسمت على شفتي ابتسامةً باهتة، ثم نطقت كلمة الموت بصوت هادر: "نار".
اندفعت البنادق في اللحظة نفسها، كأنها كانت تنتظر الخلاص أكثر مما ينتظره المحكومون. اهتزّ الهواء، وتمزّق السكون بصوت الرصاص، ثم عاد كل شيءٍ فجأة إلى هدوءٍ مروّع.
اقترب ذلك الجندي مني بعد التنفيذ، ولا تزال يده ترتجف، نظر إليّ بصمت وكأنه يطلب مني تفسيراً. وضعت يدي على كتفه وقلت له: "انصراف". أومأ برأسه ثم أدى التحية العسكرية وعاد مع رفاقه إلى المهجع.
بقيت وحدي في الساحة، أنظر إلى الصرعى وأتنشق رائحة البارود الممزوجة بالموت، رفعت يدي إلى صدري للحظات.. ثم أنزلتها!
