السبت ٣٠ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم عبد السلام دخان

إدغار موران: رحيل مفكر القرن وفيلسوف التعقيد

برحيل إدغار موران عن عمر ناهز مئة وأربع سنوات، تفقد الثقافة الإنسانية واحدا من أبرز المفكرين الذين طبعوا الفكر الفرنسي والعالمي خلال العقود الأخيرة. ولد في باريس عام 1921، وشارك في المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم التحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، حيث شيد مشروعا فكريا موسوعيا امتد إلى الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا ونظرية المعرفة والدراسات الثقافية. وارتبط اسمه بمفهوم «الفكر المركب» الذي تحول إلى أحد أهم المفاهيم الفلسفية في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

تنبع أهمية إدغار موران من طبيعة المشروع المعرفي الذي كرس له أكثر من ثمانية عقود من البحث والكتابة. فقد انشغل بالسؤال المتعلق بكيفية فهم الإنسان والعالم في زمن تتداخل فيه الظواهر البيولوجية والاجتماعية والثقافية والتاريخية داخل شبكة واسعة من العلاقات المتبادلة. وعمل على تطوير تصور جديد للمعرفة يضع الترابط في قلب العملية الفكرية، ويمنح العلاقة مكانة مركزية في تفسير الواقع. وتجسد هذا المشروع في مؤلفه الضخم «المنهج» الذي صدر في ستة أجزاء وشكل خلاصة مساره الفكري. وقد سعى من خلاله إلى بناء نظرية عامة للمعرفة تنظر إلى العالم بوصفه نسيجا حيا من التفاعلات. فالإنسان عند موران كائن بيولوجي وثقافي ونفسي وتاريخي في الوقت نفسه، والمجتمع فضاء تتفاعل داخله المؤسسات والذاكرات والقيم والرموز، والحضارة مسار تتشابك فيه المعرفة والتقنية والسياسة والثقافة. وبموجب ذلك تبلور مفهوم «الفكر المركب» الذي أصبح العلامة الأبرز في فلسفته. و هو يحيل إلى إدراك الواقع من خلال الروابط التي تجمع عناصره المختلفة. فكل ظاهرة تحمل داخلها مستويات متعددة من المعنى، وكل مستوى يكتسب دلالته من خلال علاقته بالمستويات الأخرى. ولذلك دعا موران إلى ثقافة معرفية قادرة على الجمع بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، وعلى استيعاب التفاعلات التي تنتظم العالم المعاصر.

وامتد تأثير هذا التصور إلى التربية والتعليم. فقد رأى موران أن تكوين الإنسان المعاصر يقتضي تنمية القدرة على الربط بين المعارف وفهم السياقات التي تنتجها. وفي كتابه الشهير «المعارف السبعة الضرورية لتربية المستقبل» قدم رؤية تربوية تجعل من الفهم الشامل للعالم هدفًا أساسيًا للعملية التعليمية، وتمنح المتعلم أدوات تساعده على استيعاب القضايا الكبرى التي تواجه الإنسانية. كما اكتسب فكره أهمية خاصة في دراسة الأزمات العالمية المعاصرة. فقد تناول القضايا البيئية والتحولات الاجتماعية والعولمة والتغيرات الحضارية من منظور يركز على العلاقات المتبادلة بين مختلف العوامل المؤثرة فيها. ومن خلال هذا المنظور دعا إلى تنمية وعي كوكبي يربط مصير الإنسان بمصير الأرض، ويعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه المستقبل.

وتشكل السينما مكانة متميزة داخل مشروعه الفكري. ففي كتابه «السينما أو الإنسان المتخيل» درس العلاقة التي تنشأ بين الصورة والخيال والوجدان الإنساني، ورأى في التجربة السينمائية فضاء تتفاعل داخله الرغبات والذكريات والتصورات الجماعية. وتناول في كتابه «النجوم» المكانة الرمزية التي يحتلها الممثلون داخل الثقافة الحديثة، مبرزا الدور الذي تؤديه صناعة النجومية في تشكيل المخيال الاجتماعي. ويكشف منجز إدغار موران الفكري اتساع أفق هذا المفكر، حيث نظر إلى السينما بوصفها ظاهرة ثقافية وجمالية واجتماعية ونفسية تتجمع داخلها أبعاد متعددة من التجربة الإنسانية. وتتضح أهمية مشروع إدغار موران في تأسيس تصور معرفي يربط بين الصورة والثقافة والخيال الجماعي، وتغدو السينما في هذا السياق مجالا لفهم الإنسان في تعدد أبعاده وتشابك تجاربه، ويقوم تصور ادغار موران على بناء جسور بين الحقول المعرفية من خلال الجمع بين البحث العلمي والتأمل الفلسفي وإعادة وصل الإنسان بالطبيعة والثقافة والتاريخ ضمن رؤية شمولية للمعرفة والمسؤولية الحضارية، وقد شارك إدغار موران في الدورة الثالثة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بمدينة طنجة، حيث ترأس لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة وقدّم يوم 13 يناير 2012، ماستر كلاس «حول السينما» بدعوة من الراحل نور الدين الصايل مبرزا اهمية السينما بوصفها فضاء لإنتاج المعرفة وفهم التجربة الإنسانية في تعدد مستوياتها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى