إستعراضٌ لقصَّة «صيَّاد البصَّة» لنبيلة إسبانيولي
مقدمة: الكاتبةُ نبيلة إسبانيولي من سكانِ مدينةِ الناصرة، حاصلةٌ على شهادةِ الماجستير (m.a) في موضوع علم النفس من جامعة يامبرج – من ألمانيا. وهي أخصائيَّةٌ نفسيَّة ومديرة مركز الطفولة في الناصرة وناشطة سياسيَّة واجتماعيَّة وكاتبةٌ للأطفال. أصدرت العديدَ من الكتبِ وقصص الأطفال. وسأتناولُ في هذه المقالةِ أحدَ الكتبِ من تأليفِها، وهو قصَّة للأطفال بعنوان: (صيَّاد البصَّة).
تقعُ القصَّةُ في 18 صفحة من الحجم الكبير- تأليف الكاتبة والأديبة نبيلة إسبانولي – الناصرة، رسومات وتصميم وإخراج: أورئيلا خالدي. إصدار مركز الطفولة – الناصرة.
هذه القصّةُ خياليّة فانتازيّة من الدرجة الأولى، ومكان ومجرى أحداثِ القصّة في قرية البَصَّة التي تقعُ شمال غرب فلسطين والتي هُجِّرَ سكانها عام 1948. والقصّةُ هي مزيجٌ بين الطابع والأسلوب السردي والحوار (ديالوج).وقد كُتِبَتْ للأطفال ولجميعِ مراحل الطفولةِ (المبكَّرة والمتقدّمة)، وتصلحُ أيضا لكبار السِّنِّ.
تستهلُّ الكاتبةُ قصَّتها بهذه الجملة: التي كان يستعملها معظمُ الرواةِ وكتاب السير والحكواتيّة قبل عقود من الزمن: (كان يا مكان في قديم الزمان).تتحدَّثُ القصَّةُ عن قريةٍ اسمها البصَّة، وهي قرية كبيرة ومتطورة مقارنة مع باقي القرى الصغيرة في ذلك الوقت (قبل عام 1948)، وكان فيها مدرسة ثانوية، وأهلها يعتاشونَ على الزراعة والفلاحة وصيد الأسماك وغيرها.. وهي تقعُ على شاطئ البحر المتوسط - شمال غرب فلسطين. وَعُرفَ شطُّها بشط البصَّة الذي كان يأتيهِ الصيادون من كلِّ مكان للسياحةِ وليصطادوا هناك، ولأن الأسماك في هذا الشاطئ وهذه المنطقة كانت متوفرة جدا.
وفي أحد الأيام (حسب ما جاء في القصة على لسان الكاتبة) عندما كان أحدُ الصيادين يصطاد في شط البصَّة، وهو من سكان هذه القرية والمُقيمين فيها وقعت وعلقت حوريَّة البحر في شبكته (وحوريَّة البحر أسطورة قديمة كان يؤمن بها الكثير من الشعوب قديما.. وهنالك الكثير من القصص الأسطورية وأيضا بعض الأفلام الحديثة تتحدث عن هذا الموضوع.. ولكن ربما كانت هنالك حيوانات بخيرية قديما وانقرضت تُعرف بحوريات البحر لها جسم سمكة ورأس إنسان وقد انقرضت هذه الأسماك). فقالت هذه السمكةُ الحورية للصياد بعد وقوعها في شبكته:"شبِّيك لبِّيك أنا الحوريَّةُ بن إيديك". ارجعني للبحر وأعطيك ما تريد. وأضافت لكلامها: رجِّعني لأطفالي الذين ينتظرون رجوعي للبيت مثل اطفالك ويحبُّون البوسة والعبطة والقصة قبل النوم.. رَجِّعني من فضلك.
لقد أثَّرَ كلامُ الحورية كثيرا في الصيَّاد وهزّ وجدانه وأعماق أعماقهِ، وفكرَ بأولادهِ وبيته وأسرتهِ، وتذكَّرَ كيف أنَّ ابنه جود يحبُّ العبطة والبوسة قبل النوم.. وبعد تفكير واقتناع أرجع الحورية للبحر. وبعد ان أعادها للبحر سمعها الصياد تغني:"صيَّاد البصَّة يا صيَّاد إرمِ الشيكة يا صيَّاد.
ورمى الصيادُ الشبكة وطلعت ممتلئةً بالأسماكِ. وفي نهايةِ اليوم رجع للبيت ومعه كميّة كبيرة من الأسماك فأطعمَ وأشبع أهلَ بيته والجيران والاقارب أيضا.
وفي اليوم الثاني توجَّهَ الصيادُ إلى البحر كعادته وروتينه اليومي (لأنه يعتاشُ ويرتزقُ فقط من مهنة صيد الأسماك) فسمع الحوريةُ تغني:
(صيَّاد البصة يا صياد إرمِ الشبكة يا صياد
صيَّاد البصَّة يا صيَّاد إرمِ الشبكة يا صيَّاد)
ورمى الصيَّادُ الشبكة في البحر وأخرجَها بعد قليل فطلع معها كمياتٌ كبيرة من الأسماك أكثر بكثير من حاجته وحاجة عائلتهِ، فذهبَ إلى السوق وباع السمكَ واشترى جميعَ احتياجات بيتهِ
وتتابعُ الكاتبةُ حديثها السَّردي وباللهجة العاميّة المحكيَّة:
(وهيك لغاية اليوم إذا بتُنصت منيح على شطِّ البصَّة بتسمع الحوريّة بتغنَّي: صيّاد البصَّة يا صياد إرم الشبكة يا صياد
صياد البصَّة يا صياد إرمِ الشبكة يا صياد (الجملة معادة ومكررة مرين وتفيد الحثّ على العملِ والتأكيد من النتيجة الإيجابية والمثمرة).
وفي نهاية القصة تقول الكاتبة: إنَّهُ حاولُ الكثيرُ من الصيادين رَميَ شباكهم في البحر لكي يحظوا بما حظيَ به وناله صياد البصَّة، ولكن الحوريَّة لم تكن تعطي السمك إلا لأهل البصة لأجل وعدها وميثاقها لصياد البصَّة الطيب والصادق الي أرجعها للبحر بعد أن علقت في شبكته. وتنتهي القصَّةُ نهايةً شبهَ مفتوحة مترعةً ببعدٍ فلسفيٍّ وإنسانيٍّ ووطنيٍّ أيضا، ويستنتج هذا كلُّ من يتمعَّنُ جيدا في القصة ويحللها بشكلٍ صحيح..
تحليلُ القصَّةِ:
كُتِبت هذه القصَّة باللهجةِ العاميّةِ المحكيّةِ والقريبة للفصحى، ويستطيعُ الطفلُ الصغيرُ أن يفهمَها ويستمتعَ بها ويستوعبَ أحداثها بسهولة. والقصّة هي مزيجٌ بين الأسلوبِ السَّردي والحوار المشترك (ديالوج)، ومساحتها قصيرة بيد أنها عريضة بفحواها ومستواها الفني وبقيمتها الإنسانية والتعليميَّة والوطنيَّة. وكان بإمكان الكاتبة أن تتوسَّعَ أكثر في مجرى أحداثِ القصَّةِ وتُطيلَ في فصولها، وأن تُدخلَ شخصيات أخرى للقصَّةِ غير أبطال القصَّة: (صياد البصَّة وحوريَّة البحر)، ولكنها اكتفت بما نسجتهُ وسطرته تفاديا للإطالة، ولكي لا ترهق فكرَ وأعصابَ الطفل الغضّ الصغير السن الذي يصعبُ عليه الاستماع والإصغاء وقتا طويلا إلى القصَّة الطويلة أو إلى قراءتِها واستيعاب كلِّ مشهد وكل جملة وكلمةٍ فيها. فاليوم نحن نعيشُ في عصر السرعة ومن المفضل لكلِّ عملٍ وإبداع فني أو أدبي وغيره يخطّهُ ويبدعُهُ الكاتبُ أو الفنان والشاعر أن يكون قصيرا نوعا ما وليس طويلا ومُمِلًّا.
هذه القصةُ تحوي في طياتها أهدافا وأبعدا عديدة وهامَّة، وهي من القصص القليلة والنادرة محليًّا - للأطفال - التي يشوبُها ويُترعُها الطابعُ الوطني وليس الإنساني والاجتماعي فقط، لأن معظمَ القصص المحلية التي كُتبت للأطفال هي قصص سطحية وساذجة، ولا يوجدُ فيها أيُّ مستوى فنِّي أو أدبي وذوقي او غيره، ولا تحملُ في طيَّاتِها أيَّةَ رسالة إنسانية او أدبية او فكرية وتعليمية وغيرها. والهدفُ من تلك القصص المحلية للأطفال – كما يبدو واضحا للجميع -هو الجانب التجاري والبزنس ولبيعِها وتسويقها للمدارس بشكل رخيص ومستهلك.. ولهذا وأصبح كلُّ كاتبٍ وشويعر فاشل عندنا في الداخل وبعيد كل البعد عن الكتابة ويريد أن يشتهرَ ويطلقوا عليه أسمَ كاتبٍ يتَّجهُ إلى مجال قصص الأطفال. وأما الكتبُ والمؤلفاتُ الراقية التي فيها المعاني والأهداف والأبعاد الوطنية والإنسانية والفكرية والثقافيَّة محليَّا، وخاصة التي تتحدثُ عن القضيَّة الفلسطينيَّة ومأساة الشعب الفلسطيني والقرى المهجرة وغيرها - سواء كانت هذه الكتب والقصص كتبت للأطفال او للكبار لا تُسوَّقُ وتباع في المدارس والمؤسَّسات السلطوية المحلية إطلاقا كما يعرفهُ الجميع. ولنعود إلى القصة التي بين أيدينا الآن (صيَّاد البصَّة) فتتناولُ هذه القصَّة قضايا وأمورًا هامَّة وبشكل مُبطن. إنها تتحدثُ عن قرية فلسطينيَّة وادعة وجميلة كان لها مكانةٌ حسَّاسة وهامة في فلسطين قبل عام 1948 لأهميتها السياحية والمعيشيَّة والثقافية. وكان في قرية البصة هذه مدرسةٌ ثانوية زمن الانتداب قبل عام النكبة والتهجير، ويأتيها الطلابُ للتعليم من جميع أنحاء البلاد ومن خارج فلسطين أيضا.. من الأردن ولبنان وسوريا. وعلى عكس ما كانت يتبجَّحُ ويدَّعيه الإعلامُ الإسرائيلي الصهيوني وما زال إلى الآن على أنَّ فلسطين هي أرض بدون شعب وأما اليهود فهم شعبٌ بدون أرض جاؤوا إلى هذه البلاد واستوطنوها وبنوها وعمَّروا بعد أن كانت خالية من السكان ومن كل معالم الحضارة.. مع أنها كانت عامرةً ومزدهرة ومتحضرة، وأهلها ومدنها كانوا في قمة الحضارة والرقي والإبداع.
إنَّ هذه القصَّة تحوي وتضمُّ في فصولها وصفحاتهِا عدةَ جوانب وأهداف هاَمّة، وهي:
1 – الجانب والعنصر الفانتازي الخيالي. وهذا العنصر هام جدا ويجب ان يكون متوفّرا في كل قصة وعمل يكتب للأطفال..
2 – العنصر الترفيهي: إن القصة جميعها ترفيهيَّة حيث ترفَِّهُ و تسلي الطفل وتفرحُهُ وتُسعدهُ.
3 – عنصر التشويق والإثارة.
4 – البعد الفني
6– البعد والجانب الوطني
6 – الجانب الإنساني والأخلاقي
ومن الناحيةِ السيميائيةِ والشكل الخارجي للقصةِ فالرسومات كانت جميلة ومُعبِّرة، وهنالك صفحاتٌ كانت خاليةً من النصِّ الكتابي، وفيها لوحة كبيرة تتحدث عن مجرى أحداث القصَّة.. أي أنَّ الكتابةَ تركت الريشةَ والرسومات هي التي تتحدثُ وليس قلمها.. وهنالك صفحات في الكتاب جاءَتْ داكنة وغامقة اللونِ كثيرا ولا تظهرُ الجملُ المطبوعة فيها بوضوح مما يصعبُ قراءتُها نوعا ما.
والقصَّةُ بشكل عام ناجحةٌ وجميلةٌ ومُميَّزة، وَتُذكّرنا بالقصصِ العالميةِ المترجمةِ للعربية التي يشوبُها وَيُترعُها العنصُر الخيالي الفانتازي، وهي تحملُ رسالة هادفة وسامية: تثقيفيةَّ وتعليمية ووطنيَّة وإنسانيَّة واجتماعيَّة. فتُعلّمُ الإخلاصَ والوفاءَ لمن يُقدِّمُ لنا معروفا وإحسانا أو أيَّ عمل خيّر ومساعدة (كما جرى مع حورية البحر بعد أن أرجعها الصياد للبحر فكافأتهُ لصنيعِهِ، وكان كلّما يلقي الشبكةَ في البجر تملأها لهُ بالأسماك). وبالنسبةِ للجانب الوطني فالكاتبة تذكرُ في القصَّةِ قرية هامَّة تقعُ شمال غرب فلسطين على شطِّ البحر المتوسط اشتهرت بصيدِ الأسماك وبالزراعة، ومعظمُ الجيلِ الجديد والأطفال الصغار لا يعرفون شيئا عن هذه القريةِ وعن جميع القرى الفلسطينيَّة الأخرى التي هُجِّرَ سكانها عام 1948. وحتى أنهم لا يعرفون أيَّ شيءٍ عن القضيَّة الفلسطينيَّة. فالقصَّةُ هنا تسدُّ حيِّزا هامًّا، وهو: تُعرِّفُ اطفالَ شعبنا والأجيال الوادعة على معالم بلادنا والقضيّة الفلسطينية، تُعرِّفُهم على مدننا وقرانا التي كانت عامرة ومزدهرة وقام المحتلُّ بمحوها عن الخريطة من خلال ذكر قرية قد تعرضتْ للقصفِ والتدمير والتهجير. وتذكرُ الكاتبةُ في نهايةِ القصَّة أنَّ حوريَّةَ البحر لم تعطي الأسماكَ للصيادين الغرباء بل لصيَّادي البصَّة فقط إشارة هنا إلى أنَّ الإنسانَ الفلسطيني سيبقى مُتشبثا ومتعلقا بأرضه، وأن أرضَهُ وشجرَه وزيتونه وهواءَهُ وبحرَهُ وماءَهُ يتذكّرونهُ دائما وسيبقونَ متجذِّرين فيه ومتعلقين به.
وأخيرا وليسَ آخرًا: نُهنئُ الكاتبة والأديبة القديرة والمبدعة نبيلة إسبانيولي على هذا الإصدار الجديد والمُميَّز، ونحن في انتظار إصدارات إبداعية أخرى جديدة لها في الوقت القريب.
