الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم ريم عباس

إنسان واحد.. بين اسمين

مأزق الهوية في رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني

ملخص الدراسة:

تتناول هذه الدراسة رواية "عائد إلى حيفا" للكاتب غسان كنفاني من منظور تحليلي يركز على إشكالية الهوية والانتماء، من خلال تتبّع التحول الذي طرأ على شخصية "خلدون" بعد أن أصبح "دوف" تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الرواية تقدم قضية الفقد كأزمة وجودية عميقة تتصل بتشظّي الذات وانقسامها بين الأصل والتكوين.

تعتمد الدراسة على مقاربة سردية وفكرية لتحليل البنية الفنية للنص، بما في ذلك توظيف الزمن، والحوار، والرمزية، للكشف عن الأبعاد الدلالية الكامنة في العمل، كما تسعى إلى إبراز كيفية تحول الاسم في الرواية من علامة تعريفية إلى رمز لصراع داخلي يعكس فقدان الانتماء وإعادة تشكيل الهوية.

مقدمة:

فلسطين في الرواية العربية:

بشكل عام يشكّل مفهوم فلسطين في الرواية العربية فضاء دلالي ومكزي يتجاوز كونه إطار جغرافي أو موضوع سردي عاطفي، ليغدو رمز مكثف للهوية والانتماء والوجود الإنساني المأزوم، فمنذ أحداث عام (١٩٤٨م) ، وما تبعها من تهجير وتشظّي، تحولت فلسطين إلى محور أساسي في الكتابة الأدبية العربية، حيث لم تعد تُقدَّم فلسطين على انها محرد أرض، وانما على اساس انها تجربة إنسانية عميقة تجمع معاني الفقد والمنفى والحنين والمقاومة، وقد انشغل الروائيون العرب بتفكيك هذه التجربة عبر شخصيات تعيش اغترابا مزدوج اغترابا عن المكان، واغترابا عن الذات، فصارت فلسطين في النص الروائي كتاب لأسئلة كبرى تتعلّق بالانتماء والهوية والعدالة.

وفي هذا السياق، برزت أعمال عدد من الكتّاب الذين أسهموا في ترسيخ هذا المفهوم، وفي مقدّمتهم "غسان كنفاني"، الذي قدّم فلسطين كقضية أُمة ومسؤولية كبرى على عاتقهم.

كما اتجهت الرواية العربية إلى توظيف تقنيات سردية متنوعة كالتناوب الزمني، وتعدّد الأصوات، والرمزية من أجل التعبير عن تعقيد التجربة الفلسطينية، فجاءت النصوص مشبعة بالتوتر بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والمأمول.

وهكذا، يمكن القول إن فلسطين في الرواية العربية هي بنية اساسية و رمزية وثقافية تتجدد باستمرار، وتعبّر عن صراع الإنسان العربي مع التاريخ والهوية، إنها حضور دائم في الاجيال المتعاقبة، وسؤال مفتوح يتجاوز حدود السياسة ليصل إلى عمق التجربة الإنسانية المريرة.

نبذة عن غسان كنفاني:

يُعدّ غسان كنفاني من أبرز أعلام الأدب الفلسطيني، إذ جمع بين الإبداع الأدبي والنضال الفكري، فكانت كتاباته انعكاس صادق لمعاناة الشعب الفلسطيني وتطلعاته، ولد عام (١٩٣٦م) ، وعاش تجربة اللجوء بكل قسوتها، فانعكست في أعماله الروائية والقصصية التي اتسمت بالعمق والالتزام بالقضية، كان يمثّل صوت حي للمقاومة الثقافية، استطاع أن يخلّد اسمه من خلال أعمال خالدة مثل "عائد إلى حيفا" و"رجال في الشمس" و"أرض البرتقال الحزين" وغيرها حيث عبّر عن قضايا الهوية والاغتراب والعودة بأسلوب إنساني مؤثر.

توفي غسان كنفاني في عام (١٩٧٢م) في بيروت، إثر عملية اغتيال نفذها جهاز الموساد الإسرائيلي، وقد استُهدف بسيارة مفخخة وضعت في سيارته، فانفجرت لحظة تشغيلها، ما أدى إلى استشهاده على الفور، إلى جانب ابنة شقيقته التي كانت برفقته.

جاء اغتيال كنفاني في ذروة نشاطه السياسي والإعلامي، إذ كان حينها صوت بارز في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وقد أثار اغتياله صدمة واسعة في الأوساط الثقافية العربية والعالمية، لما كان يمثّله من قيمة أدبية وفكرية كبيرة، ولأن رحيله شكّل خسارة فادحة للأدب المقاوم.

عن رواية "عائد الى حيفا":

تُعدّ رواية "عائد إلى حيفا" للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي جسّدت مأساة اللجوء الفلسطيني، وقد نُشرت عام (١٩٦٩م) لتقدّم رؤية عميقة لمعنى الوطن والهوية والانتماء، تعتمد الرواية على بنية سردية تقوم على تقنية "الاسترجاع"، حيث يتداخل الماضي بالحاضر في حركة زمنية غير خطية، تبدأ من لحظة العودة إلى حيفا بعد عشرين عام، لتستعيد أحداث النكبة وتفاصيل الفقد.

كما يوظف كنفاني السرد بضمير الغائب في بعض الشخصيات ما يمنح النص مسافة تأملية تسمح بتحليل الموقف دون انفعال مباشر، في حين يأتي الحوار مكثفا وحادا، خاصة في اللقاء بين سعيد و"دوف"، ليكشف عن صراع فكري عميق أكثر من كونه صراع عاطفي.

ويُلاحظ أيضا الاقتصاد اللغوي، إذ يعتمد الكاتب على التكثيف بدل الإطالة، ما يمنح النص قوة دلالية عالية.

دراسة الرواية:

تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية ذات بعدين "سردي وفكري" بهدف الكشف عن البنية الفنية للرواية ودلالاتها العميقة، تتناول الرواية قصة إنسانية مؤلمة تدور أحداثها ما بين نكبة عام (١٩٤٨م) وعام (١٩٦٧م) حيث أُجبر الفلسطينيون على مغادرة مدنهم وقراهم، تاركين خلفهم كل شيء، ومن خلال رحلة العودة، يطرح كنفاني أسئلة جوهرية حول المسؤولية، والحق، والانتماء.

تطرح الرواية عدة قضايا عميقة، أبرزها "الهوية والانتماء" هل تُصنع الهوية بالدم أم بالتربية؟، و "المسؤولية" يحمّل كنفاني الأفراد جزء من مسؤولية ما حدث، لا الاحتلال وحده، و ايضا "معنى الوطن" ماذا يعني الوطن الحقيقي، دون تعريف سياسي أو عاطفي، وهو ما بيّنه كنفاني في احداث الرواية، وايضا " الذاكرة والعودة" وأكد كتفاني ان العودة الجسدية لا تعني استعادة ما فُقد.

تُعدّ قضية الهوية من أبرز المحاور التي تقوم عليها الرواية، حيث يطرح كنفاني سؤال إشكالي: "هل الهوية تُورث أم تُكتسب؟"

ويُبيّن هذا الصراع في شخصية "خلدون/دوف"، الذي نشأ في بيئة مغايرة لأصوله، فتبنّى هوية جديدة تتناقض مع جذوره، وهنا يقدّم الكاتب رؤية معقّدة، لا تقوم على التبسيط أو العاطفة، بل على تحليل عميق لمفهوم الانتماء.
كما يكشف كنفاني عن مفهوم المسؤولية، حيث لمّح إلى أن ما حدث لم يكن نتيجة الاحتلال وحده، انما أيضا نتيجة قرارات بشرية في لحظات الخوف.

ومن خلال حوار داخلي عميق، يعيد سعيد النظر في مفهوم "الوطن" معتبرا أن الوطن هو ما ندافع عنه ونحافظ عليه، هكذا تتحول الرواية من حكاية عائلية إلى تأمل فكري وإنساني في الهوية والضياع والعودة.

البعد الرمزي في الرواية:

يعتبر البيت قي الرواية رمز للوطن المسلوب، و"خلدون" يمثل الجيل الضائع، بينما تجسّد شخصية "دوف" نتيجة التحول القسري في الهوية.

وطريق العودة يمكن وصفه شريط الذاكرة الداخلية للانسان.

كما يمكن قراءة اللقاء بين الأب وابنه على انه صدام بين ماضي مفقود وحاضر مفروض، في حين تمثل "ميريام" تعقيد الصورة الإنسانية للآخر، بعيدا عن التبسيط أو النمطية.

تحليل الرواية:

في رواية " عائد الى حيفا" يصور كنفاني "الحرب" بطريقة فنية عميقة، حيث مثلت عائلة "سعيد" التي تتكون من "سعيد" وزوجته "صفية" وابنائهما "خلدون" و"خالد" و"خالدة" تتمثل في هذه العائلة الآف بل ملايين العائلات الفلسطينية منذ الماضي وحتى الان.

تبدأ القصة بقرار الزوجين "سعيد" و"صفية" زيارة مدينتهما حيفا بعد أن أصبح الوصول إليها ممكن، فيسعيان لاستعادة ذكرياتهما والبحث عن ابنهما "خلدون" الذي اضطرا لتركه رضيعا أثناء الهروب، وعند عودتهما إلى المنزل القديم، يكتشفان أن امرأة يهودية تُدعى "ميريام" قد تبنّت الطفل وربّته باسم "دوف"، ليكبر حاملا هوية مغايرة تماما، بل وليصبح جندي في الجيش الإسرائيلي، في هذا اللقاء الصادم، لا تقتصر المأساة على فقدان الابن، بل تتعمق لتطرح أسئلة وجودية حول معنى ثنائية الهوية والانتماء.

ما بين السيارة موديل الفيات الرمادية، والبيت في "الحليصة" عادت ذكريات واحداث كاملة الى ذهن "سعيد" وزوجته "صفية" كلاهما يحاول ان يتبرأ من فكرة انه هو من جاء بفكرة "العودة الى حيفا" رغم ان كلاهما كان يخفي هذه المشاعر منذ عشرين عامل، ولكن فقك ينتظران لحظة مناسبة، أو بالأحرى ينتظران ان يسمح الاحتلال بالزيارة للمدينة، وهنا بيّن كنفاني صدمته في أول مدخل لحيفا في مقطع مؤثر:

" قالها لنفسه وهو يرتجف، ولكنه تحكم بأعصابه وعاد يقول لها بهدوء:

– لقد فتحوا الحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفوراً، لم يحدث ذلك في أي حرب في التاريخ، أتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان ١٩٤٨، والآن، بعد لماذا؟ لسواد عينيك وعيني؟ لا، ذلك جزء من الحرب، إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كيف أننا أحسن منكم وأكثر رقياً، عليكم أن تقبلوا أن تكونوا خدماً لنا، معجبين بنا، ولكن رأيتِ بنفسك، لم يتغير شيء، كان بوسعنا أن نجعلها أحسن بكثير

– إذن لماذا أتيت؟
ونظر إليها بحنق، فصمتت.
كانت تعرف، فلماذا تسأل؟ وهي التي قالت له أن يذهب، فطوال عشرين سنة تجنبت الحديث عن ذلك، عشرين سنة، ثم ينبثق الماضي كما يندفع البركان"

وما كانت تبرئة النفس من فكرة "العودة" إلا خوفا من شيء واحد، ألا يكون ما جاءا من احله حقيقة، كما أوضح كنفاني في نقاش دار بين سعيد وزوجته:

" وعاد زوجها يقول لها:

– ربما كان لا يعرف على الإطلاق أنه ولد من أبوين عربيين ربما عرف ذلك قبل شهر، أو أسبوع، أو سنة، فماذا تعتقدين؟ إنه مخدوع، وقد يكون أكثر حماساً لها منهم لقد بدأت الجريمة قبل عشرين سنة، ولا بد من دفع الثمن بدأت يوم تركناه هنا.
– ولكننا لم نتركه أنت تعرف.
– بلى، كان علينا ألا نترك شيئاً. خلدون، والمنزل، وحيفا! ألم ينتبك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا أسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت أشعر أنني أعرفها وأنها تنكرني وجاءني الشعور ذاته وأنا في البيت، هنا. هذا بيتنا! هل تتصورين ذلك؟ إنه ينكرنا! ألا ينتابك هذا الشعور! إنني أعتقد أن الأمر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين."

اثناء الطريق، كان كل منهما يحادث قلبه عن الذكريات، عن الشوارع والمعالم، والاثار وحتى رائحة المدينة، وهنا استذكِر قول الشاعر امرؤ القيس حيث كتب يبكي داره:

"قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْملِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لمْ يَعْفُ رَسْمُها
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْألِ"

اي ان هذه الدار لم ولن يستطع احد محو اثرها، وان غيّروا السُّكان، تبقى ارواحهم فيها، وربما اراد كنفاني ذات المعنى حيث اكّد انه لم يتغير شيء منذ احتلال هذه الارض، ليشير الى حقيقة انه لا اصل له ولا فصل للمحتل، انما فقط يريد ان يجد لنفسه أرض، فهو مجهول جاء وجلس بأرض لا تعرفه ولا يعرفها، ينتظر من يخبره ويصنع له هوية حتى يخترع لنفسه "منهج"..

"هذه هي حيفا إذن، بعد عشرين سنة.

ظهر يوم الثلاثين من حزيران ١٩٦٧، كانت سيارة الفيات الرمادية التي تحمل رقما أردنيا أبيض تشق طريقها نحو الشمال، عبر المرج الذي كان اسمه مرج بن عامر قبل عشرين سنة، وتتسلق الطريق الساحلي نحو مدخل حيفا الجنوبي. وحين عبر الشارع ودخل إلى الطريق الرئيسي انهار الجدار كله، وضاعت الطريق وراء ستار من الدموع، ووجد نفسه يقول لزوجته صفية:

– هذه هي حيفا يا صفية!
وأحس المقود ثقيلاً بين قبضتيه اللتين أخذتا تنضحان العرق أكثر من ذي قبل، وخطر له أن يقول لزوجته: إنني أعرفها، حيفا هذه، ولكنها تنكرني، ولكنه غير رأيه، فقبل قليل فقط كانت فكرة قد خطرت له وقالها لزوجته:

– أتعرفين؟ طوال عشرين سنة كنت أتصور أن بوابة مندلبوم ستفتح ذات يوم ولكن أبداً أبداً لم أتصور أنها ستفتح من الناحية الأخرى لم يكن ذلك يخطر لي على بال، ولذلك فحين فتحوها هم، بدا لي الأمر مرعباً وسخيفاً وإلى حد كبير مهينا تماما قد أكون مجنوناً لو قلت لك إن كل الأبواب يجب ألا تفتح إلا من جهة واحدة، وإنها إذا فتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال، ولكن تلك هي الحقيقة.

والتفت إلى زوجته، إلا إنها لم تكن تسمع، كانت منصرفة إلى التحديق نحو الطريق تارة إلى اليمين حيث كانت المزارع تمتد، وتارة الى اليسار حيث كان البحر"

وعند وصولهما الى البيت "بيتهما" بدأ "سعيد" من أول وهلة يتظاهر بأنه طبيعي، وان في هذه اللحظة عاد كل شيء، وربما بهذا الركن الصغير قد يتجاوز عن بوابة المدينة التي باتت تُفتح من جانبهم "جانب الاحتلال" يفتحونها وقت ما يشاؤون ويغلقونها وقت ما ارادوا، ليتفاجأ بحبل الغسيل "الجديد" وعليه ملابس ليست بعربية، طلاء الباب تغير اصبح "جديد" كما اوضح كنفاني:

"كان حبلاً جديداً للغسيل قد دق على وتدين خارج الشرفة، وتدلت منه قطع بيضاء وحمراء لغسيل جديد وفجأة أخذت صفية تبكي بصوت مسموع، أما هو فقد انحرف إلى اليمين، وترك عجلات سيارته تصعد الرصيف الواطئ، ثم أوقف السيارة في المكان الذي لها، كما كان يفعل تماماً منذ عشرين سنة"

حاول كلاهما ان يتماسك أو على الاقل التظاهر بالتماسك، تابعا السير وكلامهما يشد بيد الاخر، صعدا السلم، مرّا بجانب شقة جارهما "محجوب السعدي" واصلا الصعود حتى الطابق الثالث، وقفا يطرقان باب بيتهما، فسمعا خطوات ثقيلة وبطيئة واضح انها لشخص عجوز، لتفتح الباب عجوزة بدينة وقصيرة كما وصفها كنفاني:

"هل نستطيع أن ندخل؟

ولم تفهم المرأة العجوز، السمينة بعض الشيء، والقصيرة، والتي كانت تلبس ثوباً أزرق منقطاً بكريات بيضاء، فأخذ سعيد يترجم إلى الإنكليزية، وعندها انفرجت أسارير العجوز المتسائلة، ووسعت من الطريق حتى دخلا"

لحظة دخولهما بدأ سعيد وزوجته صفية بتفحص كل شيء بعينهما، حتى ان سعيد قام بعدّ ريشات الطاووس الخمس الموجودة في المزهرية التي تم تغير مادتها من الزجاح الى الخشب، عدّها عدة مرات متتالية، يحاول ان يجد الريشتان المفقودتان ليخدع نفسه انها هي الريشات السبع كما كان في الماضي، حتى ادق التفاصيل ما تزال في مكانها في الواقع وفي عقل "سعيد" ما اقساها من لحظة! حين تعود الى حيث بيتك القديم، بعد ان هجرته لمدة عشرون عاما، والأشد قسوة ان تجد فيه أناس لا تعرفهم ولا يعرفونك، ان تُعامل في بيتك كأنك "غريب".

مثل هذه اللحظة قاسية جدا، حيث يُبرز كنفاني في هذا المشهد ألم الانسان الذي اضطر قسرا للهروب من بيته ووطنه، حيث يتحول هذا الألم الكامن والمكتوم في النفس الى قنبلة حين يرى أو يتذكر شيء من ذاك المكان هناك، وهنا يحدث اضطراب نفسي حاد للانسان، وفي حالة سعيد وصفية رغم انهما حاولا بقدر الامكان ضبط نقسيهما الا ان كل منهما انفجر عدة مرات، حيث انفجر سعيد سائلا "ميريام" العجوز التي جاءت من بولونيا، عن سبب اختفاء الريشتين السادسة والسابعة، وهو ما اصاب السيدة العجوز بالدهشة واكدت انها بكل تأكيد لا تعرف شيء كهذا بل وانها لم تقم بِعدّ الريشات في المزهرية قط، فهو بالنسبة لها " أمر سخيف" ولكن لتمتص الغضب الظاهر في عيني سعيد حين سألها بررت سبب اختفاء الريشتين بلهو ابنها "دوف" هنا جاءت صدمة اخرى لسعيد، فسألها باستغراب شديد عن هذا الابن، وبقربه زوجته صفية التي لا تفقه شيء مما يتحدثان به الاثنان، حيث انهما كانا يتحدثان باللغة الانحليزية، كان سعيد يترجم لها بعد كل جولة كلام، وربما في هذا المشهد اراد كنفاني توضيح ان سعيد ربما يكون قد هاجر الى دولة غربية واكستب مهارة اللغة الانجليزية، وبعد سؤال سعيد الحاد لها عن ابنها، اوضحت ان "الوكالة اليهودية" هم من عرضوا عليها تبني الطفل "العربي" الذي وجدوه في هذا البيت وهو صاحب خمسة اشهر، وهي وزوجها " إفرات كوشن" لم يمانعا لأنهما لم يكونا يستطيعان الانجاب، وفي هذه اللحظة صمت سعيد، سألته زوجته مرارا عما قالته هذه العجوز ليجعله يصمت ولا يترجم لها، وبعد لحظات اخبرها، فقالت بدهشة " انه خلدون" انه ابننا، ثم اوضحت العجوز انها لن تمانع ذهابه مغهما اطلاقا ان اراد "دوف" أو "خلدون" الذهاب مع والديه الحقيقيان، وانتظر ثلاثتهم عودة الابن على احر من الجمر، واستذكِر هنا ما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن الانتظار في مشهد طريف عن ما يمكن ان يكون رمزا "للأنثى أو الارض المسلوبة او الحرية أو فلسطين ذاتها" في قصيدته "في الانتظار":

"في الانتظار، يُصيبُني هوس برصد
الاحتمالات الكثيرة
ُربَّما نَسِيَتْ حقيبتها
الصغيرة في القطار،
فضاع عنواني
وضاع الهاتف المحمول،
فانقطعت شهيتها
وقالت: لا نصيب له من المطر الخفيف"
وفي ختام القصيدة:
"وربَّما ماتَت،
فان الموت يعشق فجأة، مثلي،
وإن الموتَ، مثلي، لا يحبُّ الانتظار"

ما ان عاد الشاب الابن الى البيت وهو يرتدي بزة عسكرية، تفاجأ بوجود ضيوف، فأخبرته العجوز "ميريام" انهما والديه الحقيقيان، ليرد الابن بجملة اوقفت الزمن عند سعيد وزوجته التي عرفت لاحقا، فقال الابن:
"السيدة هي أمي، وانتما لا اعرفكما ولا اشعر إزاءكما بأي شعور خاص"

وهنا انتهى كل شيء، لم يكن ما جاءا من اجله سوى "وهم" لم يعد "خلدون" هو ابنهما صاحب الخمسة اشهر، انما شاب اسمه "دوف" يحمل الجنسية اليهودية ويعمل في جيشها، "سعيد" و"صفية" لا يعنيان له شيء، العروبة لا تعني له شيء، الماضي لا يعني له شيء، هو شاب له مستقبل يعيش في مدينة جميلة، بيت جميل، لديه السيدة ميريام التي يعتربها امه الوحيدة، ولا يكترث لثرثرة عجوزين، سألت صفية بصوت عالي:

"ألا تشعر بأننا والداك؟"

نظر سعيد اليها بشفقة، فهي تعلم انه لا الابن ولا العجوز يفهمان ما تقول، ولكنها سألت، وبعد نقاش كثير دار بين الابن وسعيد، يُصدم سعيد في كل مرة يتحدث فيها ابنه عن التحضّر والتقدم، ويستغرب وصفه لهما بأن ما قاما بفعله والحضور الى هنا بعدما تركوه منذ عشرون عاما ليس الا "تخلف وتطفل" خلع قبعته العسكرية ووضعها بجانب المزهرية، في هذه اللحظة تحوّل اهتمام "سعيد" كله نحو هذه القبعة التي تحمل رمز الجيش الذي هجّره من بيته وبسببه فقد ابنه خلدون الذي يتحدث الان امامه بصفة جندي في جيش الاحتلال، اشعلت بركان في قلبه هذه القبعة التي شوّهت منظر المزهرية وبها خمس ريشات طاووس، لكنه اكتفى بالضحك بصوت عالي ومؤلم في آن واحد، واصل الابن حديثه في مشهد مؤثر كما كتبه كتفاني، مبيّن الابن لسعيد انه لا يوجد سبب على وجه الأرض يبرر ترك طفل صاحب خمسة أشهر في سرير لوحده، والعودة الى اصطحابه بعد عشرون سنة:

"كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا، وإذا لم يكن ذلك ممكناً، فقد كان عليكم بأي ثمن ألا تتركوا طفلاً رضيعاً في السرير وإذا كان هذا أيضاً مستحيلاً فقد كان عليكم ألا تكفوا عن محاولة العودة، أتقولون إن ذلك أيضاً كان مستحيلاً؟ لقد مضت عشرون سنة يا سيدي! عشرون سنة! ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا أيوجد سبب أكثر قوة؟ عاجزون! عاجزون! مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل! لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون! الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود، ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي! أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المفلول؟! "

وبعد هذا النقاش الطويل الذي لم يترجمه لزوجته صفية، فقط اخبرها بأن عليهما العودة من حيث جاءا، وان ابنهما الحقيقي ليس هذا الذي امامهما، انما هو الطفل الذي رأته "ميريام" والفرق اليهودية ترمي جثته في سيارة الاسعاف، وهذا مشهد مؤلم صوره كنفاني، حيث وصول الانسان الى مرحلة " تصديق الواقع الذي هو عكس الواقع" ، هنا تُقتل المشاعر في الانسان الى الابد..

خرج كلاهما دون الشعور بأدنى شيء من كل ما هو امامها، كل شيء المزهرية، ريشات الطاووس، الجدران، السلالم، حبل الغسيل، اصبح كل شيء بلا طعم ولا لون، ركبا سيارتهما موديل الفيات الرمادية اللون وقاد سعيد حيث كان طريق العودة..

ختاما:

رواية "عائد الى حيفا" تمثل الجرح الفلسطيني خاصة والعربي عامة، وحتى الافريقي، حيث الحروب في كل هذه الدول لا تعني شيء سوى الموت، اما موت الجسد او موت النفس والعقل، وربما الطريقة التي ختم بها كنفاني الرواية بمعنى مؤلم وهو عدم الجدوى من العودة الى أرض تم إحتلالها.

وكأن الرواية في عمقها، دعوة مبطّنة إلى التمسك بالأرض منذ اللحظة الأولى، وإدراك أن الخروج منها مهما كانت أسبابه قد يحمل في طيّاته فقدا لا يُعوّض، فالإنسان إذا غادر بيته ووطنه، قد لا يعود إليه كما كان، وإن عاد يوما فقد يعود "غريب" وهنا يكمن سر قوة الرواية، إذ لا تكتفي بتصوير المأساة، بل تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في معنى الوطن هل هو مكان نعود إليه، أم مسؤولية نحيا من أجلها ونحافظ عليها؟!

إقتباس من الرواية:

– أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.

وسألته زوجته متوترة بعض الشيء:

– ماذا حدث لك يا سعيد؟

– لا شيء، لا شيء أبداً، كنت أتساءل فقط أفتش عن فلسطين الحقيقية فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم، وكنت أقول لنفسي ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهرية، ولا الصورة، ولا السلم ولا الحليصة ولا خلدون، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها، وبالنسبة لنا، أنت وأنا، مجرد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة، وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار، غباراً جديداً أيضاً! لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل، وهكذا كان الافتراق، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح عشرات الألوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، وهم إنما ينظرون للمستقبل، ولذلك هم يصححون أخطاءنا، وأخطاء العالم كله إن دوف هو عارنا، ولكن خالد هو شرفنا الباقي.. ألم أقل لك منذ البدء إنه كان يتوجب علينا ألا نأتي، وان ذلك يحتاج إلى حرب؟ هيا بنا، لقد عرف خالد ذلك قبلنا، آه يا صفية.. آه".

المراجع:

رواية عائد الى حيفا طبعة دار منشورات الرمال/ قبرص

مؤسسة غسان كنفاني الثقافية


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى