الشعر بوصفه انكشافًا داخليًا
قراءة في مجموعة طائر آخر يتوارى للشاعر عقيل علي
لا يُختزل الشعر في كونه تعبيرًا لغويًا أو بناءً إيقاعيًا، إذ يتجاوز ذلك ليغدو فعل انكشاف، تتقدم فيه الذات نحو مناطقها الأكثر خفاءً. إنّه اقتراب من تخوم لا تُقال مباشرة، ولا تستقر في صيغة نهائية، حيث تتجاور التجربة مع حدّها، ويغدو القول أثرًا لما يعتمل في الداخل. منذ البدايات، ارتبط الشعر بسعي الإنسان إلى إدراك نفسه داخل عالم متحوّل، عالم تتقاطع فيه الذاكرة مع الحلم، ويختلط فيه الحضور بما يتوارى خلفه. من هنا، تبدو القصيدة فضاءً للاهتزاز، ومجالًا لإعادة اختبار اللغة وهي تلامس حدودها.
في هذا الإطار، تتبدى تجربة عقيل علي كتابةً تنبع من توتر داخلي، حيث لا تُقدَّم القصيدة كمعنى جاهز، إنما كحالة تنفتح عبر انكسارها. لا ينشغل النص ببناء عالم مستقر، إنما بإظهار تصدعاته، إذ تتحول اللغة إلى حقل اختبار، تكشف فيه عن هشاشتها، أكثر مما تؤدي وظيفة التسمية.
في عبارة الشاعر:
"يا قصيدة العائلة أغتسل بالأخ"¹
تتجمع طبقات دلالية متداخلة، تجعل من الجملة بؤرة توتر عالية. النداء هنا موجّه إلى "قصيدة العائلة"، لا إلى العائلة نفسها، مما يزيح العلاقة من واقع اجتماعي إلى فضاء لغوي-وجودي، حيث تصبح العائلة أثرًا مكتوبًا، لا كيانًا ثابتًا. إن استحضارها بصيغة القصيدة يضعها داخل تجربة إعادة كتابة، وكأن الروابط الأولى لا تُعاش كما هي، إنما تمر عبر وسيط لغوي يعيد صياغتها ويكشف هشاشتها.
أما فعل "أغتسل" فيحمل طاقة تطهيرية، غير أن هذه الطاقة تنقلب عن مألوفها، لأن الاغتسال لا يتم بالماء، إنما بـ"الأخ". هنا تنزاح العلاقة من بعدها العاطفي إلى بُعد أكثر التباسًا، حيث يتحول الأخ إلى مادة للعبور، أو وسيط لغسل الذات من ثقل ما. لا يعود الأخ قرينًا للألفة وحدها، إنما يصبح موضع توتر، يتقاطع فيه الحميمي مع ما يلامس الحافة.
في هذا السياق، لا يُفهم الفعل بوصفه تطهيرًا بقدر ما يُقرأ كنوع من التماهي القلق، حيث تتداخل الحدود بين الذات والآخر، فيغدو "الأخ" امتدادًا جارحًا للذات، أو مرآةً لا تمنح صفاءً، إنما تكشف ما يتعذر احتماله. إنّ الاغتسال هنا لا يزيل الأثر، بل يضاعفه، لأن الوسيط نفسه محمّل بثقل التجربة.
يتواصل هذا التوتر في بقية المقطع، حيث يتحول الفم إلى موضع للهاوية، ويتحول الصباح إلى رجفة جسدية، ويغدو البيت شيئًا يُستجدى، بما يكشف عن عالم منزوع الطمأنينة:
"من أجل فم ينطق بالهاوية
من أجل صباح القشعريرة وهو يتسول بيته
تلك السماء المضيئة مسها الأصيل"¹
ويمتد هذا الأفق إلى استدعاء الموتى، حيث لا يظهرون كغياب تام، إنما كحضور فقد قدرته على الإغواء، أي أنه معلق في منطقة وسطى، لا ينتمي إلى الحياة تمامًا ولا يغادرها كليًا. إن جرّ المخاطَب نحو السطوح لا يحقق استعادة، إنما يكشف عن حركة مستمرة داخل فراغ:
"شعب الموتى يفتقدون الفتنة بهدير قارب
هكذا أجرّك إلى سطوحنا دائمًا"¹
وتبرز مفارقة لافتة في قول الشاعر:
"كان علينا أن نرتفع بعمق
فهذه ليست الشمس كلها"²
إذ يقترن الارتفاع بالعمق، في تركيب يربك العلاقات المألوفة، ويفتح الرؤية على إدراك لا يستجيب للثنائيات الجاهزة. كذلك، تحضر الشمس بوصفها جزءًا، لا كيانًا تامًا، بما يضع اليقين نفسه موضع مساءلة.
وتتسع حركة الانزياح حين تتحول الأجنحة إلى ذكرى، والطائر إلى أسرة، في إعادة توزيع لوظائف الأشياء، حيث لا تبقى على دلالتها الأولى، إنما تنجرف نحو معانٍ جديدة:
"هل دنت ساعة الشاطئ
كنت أسوي من الأجنحة ذكرى لاسمك
ومن طائر تلك الحقول أسرة"³
كما يظهر التصدع في النظر إلى الماضي، الذي لا يُستعاد بوصفه قيمة راسخة، إنما كأثر متفتت، تتحول فيه المأثرة إلى نواح وشظايا:
"لقد كنتم مأثرة
وها أنتم صرتم نواحًا، وصباحًا قائمًا للأوفياء
صرتم شظايا محنطة، تنفض بلا رحمة على الموتى الذين يتقدمون"⁴
وتبلغ العلاقة مع اللغة ذروتها حين تغدو الكتابة فعل إنشاء يعقبه محو، في إشارة إلى إدراك حاد لمؤقتية العالم داخل النص:
"سأؤسس بلادًا
أطلق فيها مقاطع من طيور
أكتبها
ثم أشطبها، بعد ما أكمل مهمتي"⁵
ورغم كل هذا القلق، يظل البعد الإنساني حاضرًا، غير أنه لا يأتي في صورة صفاء، إنما ضمن علاقة متشابكة بين الحنان والألم:
"إليك أمد يدي
أنت الأكثر حنوًا علي من عذابه"⁶
بهذا المعنى، تقوم تجربة عقيل علي على خلخلة اليقين، حيث ينبثق المعنى من التوتر، ومن انزياح اللغة عن وظائفها المألوفة. القصيدة لا تمنح استقرارًا، إنما تضع القارئ داخل تجربة يُلامس فيها المعنى وهو يتولد ويتلاشى، في حركة لا تهدأ.
الهوامش
1. عقيل علي، طائر آخر يتوارى، ص 7
2. المصدر نفسه، ص 9
3. المصدر نفسه، ص 14
4. المصدر نفسه، ص 24
5. المصدر نفسه، ص 30
6. المصدر نفسه، ص 46
