الجمعة ٣١ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

هل تقود الثقافة إلى الوعي وتكوين الرأي؟

في زمنٍ يُقاس فيه الإنجاز الفكري بعدد الكتب المرصوفة على الأرفف، يبرز سؤالٌ يخدش هذا التباهي الكمي، كاشفًا الفارق بين التخزين العقلي والتفكير الحي. يتوهّم كثيرون أن استهلاك المعرفة هو عين الوعي، فيحشد المرء في ذهنه مقولات الفلاسفة، وأحداث التاريخ، ونظريات الاجتماع، ثم يظن أنه امتلك مفاتيح التأويل. غير أن كثرة القراءة، في ذاتها، لا تُعد دليلًا كافيًا على نضج العقل؛ إذ قد تتحول إلى ركامٍ يُضاف إلى الذهن دون أن يُحدث تحولًا في بنيته الداخلية. فالقارئ الذي يلتهم الصفحات دون أن يُخضعها لمشرط النقد، يزداد تبعيةً، ويتحوّل إلى نسخة مكررة من الكتب التي قرأها، مردّدًا آراء غيره تحت غطاءٍ زائف من الفصاحة والألمعية.

تكشف هذه الظاهرة عن آفةٍ أعمق تمس طبيعة التلقي في مجتمعاتنا، حيث يُخلط بين «المعرفة» بوصفها مادة تُجمع، و«الوعي» بوصفه فعلًا ذهنيًا يتطلب التجربة والتمحيص. فقد يحفظ المرء أمهات الكتب عن ظهر قلب، ويستدعي المقولات في سجالاته، لكنه يعجز عن قراءة تفاصيل يومه أو فهم الصراعات القريبة منه، لأن معرفته ظلت زينةً خارجية لم تتحول إلى أداة لفك شفرات الواقع. بهذا المعنى، تُنتج هذه الثقافة عقولًا ممتلئة بالمعلومات لكنها مضطربة الإرادة الفكرية، تطبّق مناهج جاهزة على وقائع متغيرة، دون إدراك للشروط التاريخية والإنسانية التي أفرزت تلك النظريات. وهكذا يغدو الثقافي حجابًا يحول دون رؤية الواقع، بدل أن يكون جسرًا إليه.

إن الثقافة، في ذاتها، لا تفضي تلقائيًا إلى رأيٍ مُعتدّ به؛ فالأصالة الفكرية تنبع من طبيعة الموقف الذهني إزاء المعرفة. ويكتسب الرأي وزنه حين يتسلّح الإنسان بالقدرة على الشك والتمحيص، وقراءة ما بين السطور، وكشف المحمولات الخفية فيما يرى ويسمع، بعيدًا عن الجاهز من الأحكام والوصاية الفكرية. يبدأ الوعي في اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن الاستهلاك الخامل، ويتجه نحو مساءلة ما يتلقاه، نازعًا عن الأفكار هالة اليقين المطلق، وممارسًا مسافة نقدية شجاعة مع كل ما يعترضه، حتى يغدو قادرًا على مراجعة ذاته وتفكيك قناعاته قبل الشروع في نقد قناعات الآخرين.

ومن ثمّ، فإن تحوّل الثقافة إلى وعيٍ حقيقي يتطلب شجاعة أخلاقية بقدر ما يتطلب جهدًا فكريًا؛ شجاعة الوقوف في المنطقة الرمادية، ومواجهة الأسئلة بدل الاحتماء بالإجابات الجاهزة. فالرأي المُعتدّ به يتكوّن عبر التأنّي في إصدار الأحكام، ومن خلال القدرة على تفكيك الخطابات السائدة في الإعلام والمجتمع والسياسة، لكشف ما هو ظاهر وما هو مضمر.

وعندما يمتلك الإنسان هذا الحس النقدي، يغدو قوله وفعله صادرين عن موقفٍ ذاتي ناضج، بعيدًا عن أوهام الجماعة وضغوط السلطة المعرفية المتوارثة، فتتحول عملية التأويل إلى فعل خلقٍ مستمر يمنحه حساسية أعمق تجاه الإنسان والوجود.

إن الثقافة ليست غاية في ذاتها، بل أداة تُصقل بها الرؤية. قد تصنع القراءة الكثيفة «مكتبة ناطقة»، غير أن التحليل والمساءلة والقدرة على تأويل الواقع هي التي تصنع الإنسان الواعي. فالوعي الحقيقي يتشكّل حين تتحول المعرفة من عبءٍ يُتباهى به إلى تمرين يومي على الحرية الفكرية، حيث تنصهر المادة المقروءة في التجربة الخاصة، لتنتج رأيًا أصيلًا يستند إلى الفهم لا إلى الاستظهار، ويميّز بين الصوت المستقل والصدى المتكرر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى