الاثنين ٩ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم يونس عبد الله الجامع

الصمت الصاخب

الهروب من الضوضاء: رحلة البحث عن الصمت المفقود

في زمن يضج فيه العالم بأصوات لا تتوقف، يطل علينا سؤال وجودي قديم/جديد: أين ذهب الصمت؟ ليس الصمت الذي يعنيه غياب الكلام، بل الصمت الكوني الذي كان يوماً جزءاً أصيلاً من حياة البشر. الصمت في عالمنا الحالي ليس كالصمت في ما سبقنا من أزمان، وشتان ما بين الصمتين.

ذاكرة الصمت القديم

كان الإنسان قديماً يعيش مع الطبيعة في تناغم لم يعرف تشويشات العصر الرقمي. كانت الأصوات تخفت عند غروب الشمس، وكأن الكون يأذن بصلاة العشاء. تعود الطيور إلى أعشاشها هادئة، والحيوانات إلى حضائرها ومرابطها، والناس إلى بيوتهم. تدخل القرية عند المساء، فلا تسمع إلا همس الطبيعة: صوت بعض حشرات الليل، نباح كلاب بعيد، مواء قطط في وقت تزاوجها. كأن الحياة تغفو في سكون مهيب.

وحالما ينبلج الفجر، تعود الحياة بهدوء متناغم. تنطلق الطيور من أعشاشها بعد إطلاق تغريداتها ونداءاتها لبني جنسها. بعضها، كالديكة، تطلق ما يشبه الأذان لتوقظ من يصل إليه صوتها. بعدها شيئاً فشيئاً، تتحرك الحياة ويعم النشاط الحقول والبوادي والقرى. لكن تبقى الأصوات كلها مجرد همسات، إذا ما قارناها بعالمنا اليوم.

هذا هو الصمت القديم: ليس غياباً مطلقاً للصوت، بل حضوراً متناغماً لأصوات الطبيعة التي كانت تمنح الإنسان مساحة للتفكر، للتأمل، لأن يكون وحيداً مع ذاته دون أن يشعر بالوحدة.

صخب الحداثة الذي لا يرحم

أما اليوم، فقد استبدل الإنسان همس الطبيعة بصراخ الآلات. المدن تغشاها الضوضاء في كل وقت، بل صار الصخب هو هويتها. السيارات على شبكة الطرق تصرخ، والطائرات في الإقلاع والهبوط تزأر. محطات توليد الكهرباء ومحطات تحلية مياه البحر تئن، والمصانع تزمجر، والسفن في البحر تدمدم. حتى الحواري التي كانت ملاذاً للهدوء، تحولت إلى أسواق يزعق فيها البائعون والمشترون. منبهات السيارات تنادي النادلين لتسلم الطلبات، والدراجات النارية التابعة لشركات توصيل الوجبات والمواد الاستهلاكية تطن في كل لحظة. وسيارات الإسعاف والشرطة والدفاع المدني تطلق صفاراتها بين الحين والحين، في حركة جنونية واستعجال أرعن من قبل الجميع.

الأمر الأكثر إيلاماً أن الإنسان صار يحمل صخبه معه أينما ذهب. تتوق إلى الابتعاد عن ضوضاء المدينة، فتذهب إلى سواحل البحر، لتصطدم بصخب الجت سكي وجنون الشباب. تبحث عن ملاذ روحي، فتذهب إلى المسجد لتهنأ بالسلام، وقلما تجده، إذ تسمع رنات هواتف المصلين تنطلق بشتى أنواع الموسيقات الصاخبة، أو حوارات بعض الموجودين التي لا تراعي قدسية المكان. حتى المقابر لم تعد صامتة! فقد تحول بعضها إلى فضاءات للزيارات العائلية الصاخبة، أو مواقع لتصوير محتوى (يوتيوب وتيك توك) غريب!

الصخب الداخلي: عندما يصمت العالم

وإذا وفقت في إغلاق باب بيتك عليك، واعتزلت في غرفتك، وحاولت الارتخاء وأصمت هاتفك، تتفاجأ بالصخب الداخلي. وكأن خلاياك العصبية سجلت كل ما سمعت خلال اليوم، وأعادت تشغيله دفعة واحدة في داخل أذنيك. الوشات والأصداء تتقاتل على مسامعك حتى تهدأ رويداً رويداً.

لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد ذلك: تتزاحم عليك الأفكار والتحليلات والتأويلات لما سمعته من أخبار وحوارات. تبدأ في سماع أصوات الشحنات الكهربائية وهي تنتقل بين مراكز دماغك الداخلية، وتتردد أصداؤها البعيدة في القلب والرجلين. إنه الضجيج الداخلي، وهو ربما الأصعب، لأنه يثبت أن المشكلة لم تعد في الخارج فقط، بل أصبح الصخب جزءاً من تكويننا النفسي والعصبي.

لماذا نحتاج الصمت؟

هذا الصخب المتواصل، الخارجي والداخلي، له ثمن باهظ. نحن ندفعه كل يوم دون أن نشعر: تشتت التركيز، القلق المزمن، اضطرابات النوم، فقدان القدرة على التفكير العميق، واكتئاب خفي ينمو في غمرة الضوضاء. الصمت لم يعد ترفاً، بل صار ضرورة صحية ونفسية ملحة.

الصمت الحقيقي يمنحنا:

مساحة للتفكر: لنفهم ما يحدث لنا، ولنخطط لحياتنا بدلاً من التفاعل الآلي معها.

فرصة للسمع الداخلي: لنسمع صوت ضميرنا، صوت حدسنا، صوت أعمق أمنياتنا.

استعادة الطاقة: فالصمت يعيد شحن طاقتنا العقلية والنفسية كما يعيد النوم شحن طاقتنا الجسدية.

كيف نستعيد الصمت المفقود؟

تعلم السيطرة وتناغم العقل الواعي مع اللاوعي، قد يؤدي إلى القدرة على غلق نوافذ استقبال الصخب غير المرغوب فيه، وتغليف النفس وحمايتها من هذا الصخب الموجه إلينا من الخارج. لهذا الأمر تمارين، أهمها الإخلاص في الصلوات. فالصلاة ليست مجرد حركات جسدية، بل هي توقف عن صخب الدنيا، وانقطاع للحوار مع الذات والكون وخالق الكون. هي تدريب يومي على العودة إلى الصمت الداخلي.

وهناك تمارين أخرى مثل:

الصمت الإرادي: ويتأتى بتخصيص نصف ساعة يومياً بدون أجهزة، بدون كلام، فقط جلوس هادئ.

المشي التأملي: المشي في الطبيعة بدون هدف، فقط لمراقبة الأصوات الطبيعية.

الوعي بالتنفس: التركيز على الشهيق والزفير يعيدنا إلى الحاضر ويصمت ضجيج الماضي والمستقبل.

الصمت الجديد

العودة إلى صمت الأجداد مستحيلة، ولن نستعيد القرية التي كانت تغفو عند الغروب. لكن بإمكاننا أن نصنع صمتاً جديداً يناسب عصرنا. صمت لا يعني انعدام الصوت، بل يعني قدرتنا على الاختيار: نختار ما نستمع إليه، نختار متى ننعزل، نختار ألا نكون متاحين لكل صارخ وكل ضاج.

الصمت اليوم ليس هروباً من العالم، بل هو مواجهة ذكية معه. هو إعلان استقلالنا عن ضجيجه، وتذكرة دائمة بأن الحياة الحقيقية تحدث في الفراغات بين الأصوات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى