الاثنين ١١ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم جواد عامر

الطبيعة في شعرية ابن الرومي

مقاربة الصورة والدلالة

شكلت الطبيعة جزءا أساسا من بنية القصيدة العربية فكان حضورها لافتا بحكم ارتباط الشاعر العربي بالبيئة التي نشأ فيها الشاعر الجاهلي الذي ارتبطت حياته بالعصبيات والتنقلات فلم يعرف قط حياة الاستقرار مما جعل عناصر الطبيعة تحضر في متنه الشعري كجزء من تأملاته الوجودية أو تصويراته الشعرية بحكم انفساح الرقعة التي أتاحت له مد البصر في كافة ألوان الوجود التي أثتت البيئة العربية في عصر الجاهلية فحضرت الطبيعة الصائتة والصامتة معا في قصيدته يستدعيها في كل لحظة من لحظات الإبداع ، فالرياح والأمطار والأنواء تستحضر في سياقات خاصة بوصف الطلول والبكاء على الديار ويحضر الوحيش أوآثاره في شاكلة تصوير شعري حسي إما عن طريق التشبيه تقريبا للصورة كقول امرئ القيس:

ترى بعر الآرام في عرصاتها
وقيعانها كأنه حب فلفل

أو عبر تصوير درامي للصراع مع الوحوش في البيداء أو نقل صورة تصارعها الدامية وما قد يولده ذلك من إحساس بالفاجعة وتحرك العاطفة الإنسانية كما نجد في وصف معركة البقرة الوحشية التي أكل السبع ولدها عند لبيد حين قال:

أفتلك أم وحشية خــــــــــذلت
وهادية الصــــــــــوار قوامـــها
خنساء ضيعت الفرير فلم يرم
عرض الشقائق طوفها وبــغامها
لمعفر فهد تنازع شـــــــــلوه
غبس كواسب لا يمـــــن طعامها
صادفن منها غرة فأصـــــبنها
إن المنايا لا تـــــــطيش سهامها

وقد يعمد الشاعر إلى تشبيه الناقة والخيل في القوة والسرعة والمشي السريع بأنواع من الحيوان كالحمار الوحشي والظبي والذئب والثعلب كما نجد عند امرئ القيس في صورة واضحة للفرس حين قال:

له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

كما تتخذ صورة الطبيعة عند الشاعر الجاهلي مسلكا آخر يتسم بالذاتية حينما يمارس نوعا من المونولوج مع الطبيعة فيعمل على استدعائها للتخفيف من المعاناة كصورة الليل عند امرئ القيس لما يتوجه بخطابه المباشر إليه على أمل الانجلاء يقول:

وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهـــموم ليـــبتلي
فقلت له لما تمطى بصــــــلبه
وأردف إعجـــازا وناء بكلــــــــكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجـــ
ـــلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل

أو قول النابغة:

كليني لهم يا أميمة ناصب
وليل أقاسيه بطيء الكواكب

والملاحظ من خلال هذا التمثيل الذي سقناه أن الطبيعة بعناصرها المختلفة كان لها حضور وازن في الشعرية العربية القديمة ، وسيستمر حضور الطبيعة في الشعر الاسلامي لما سيسهم فيه الإسلام من ترسيخ لثقافة الجمال والاعتناء بالطبيعة باعتباره درجة من درجات الاحسان ، وكانت عناية الشاعر الأموي بوصف عناصر الطبيعة واضحة المعالم بين بيئتين أَثْرَتْ الشعرية العربية هما الحجاز والشام فوصف الشاعر الأموي مناظر الطبيعة كالجبال والنجود كقول العاملي:

من كُلّ أبْهَمَ يَكْسو الثلج ذروتَهُ
حتى فَشا وبدا في الصَّيْفِ عُرْيانا
صَعْبُ الشّواهق مُعْبَرٌّ بمنْكِبِهِ
تَرى بهِ المُعَفَّرات الْعُـصْمُ أخْذانا

ووصفوا الأنهار والماء الجاري والثلج كقول الفرزدق:

مُسْتَقْبلينَ شَمال الشَّأْمِ تَضْرِبُنا
بِحاصِبٍ كَنَديفِ الْقُطْنِ مَنْثُورِ
على عَمائِمِنا يُلْقى وأَرْحُـــــلِنا
على زواحِفَ نُزْجيها مَحاسيرِ

لقد ظلت الطبيعة جزءا من معمار المتن الشعري ولم تحظ بطابع الاستقلالية والاستئثار بمعمار النص كما سيفعل شعراء بني العباس خاصة ابن الرومي الذي سيستثمر براعته في الوصف وقدرته الفائقة على التقاط دقائق الأشياء في وصف الطبيعة عبر انتقاء عناصرها الجزئية وجعلها موضوعا شعريا مستقلا بذاته وهو أمر غاب عن الشعرية العربية القديمة خلال العصر الجاهلي والإسلامي الأول بحكم انشغال الشاعر العربي بموضوعات أكبر من الطبيعة نفسها تتعلق بالتامل وفلسفة الوجود والتعبير عن الأنا والقبيلة وروح الوحي والدفاع عن الإسلام ووصف معاركه والصراع المذهبي بين الطوائف التي أفرزها سياق تاريخي مشحون بالصراع من أجل السلطة أذكته فرق الخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة وغيرها فكان انشغال المفكرة العربية بهذه الجوانب التي استجدت في الساحة وأدت إلى غياب ذلك الاستقرار الذي يقود نحو التأمل والتبصر في العالم الخارجي بمكوناته المختلفة ومنها الطبيعة لذلك فتحول المجتمع العباسي واتجاهه نحو الاستقرار السياسي في أغلب فتراته وتحوله نحو المدنيّة والتحضربفعل تداخل الثقافات الجديدة وما حملته من قيم سيكون عاملا نحو ازدهار الحضارة في مستويات متعددة كان على رأسها الجانب العلمي والفكري والتجديد الشعري الذي وسم المرحلة التاريخية فازدهرت العمارة وتفنن الخاصة في إبداع هندسات الرياض والحدائق التي تأثتت بألوان الورود والزهور والأشجار وتهذب الذوق وصقلت النفس فنظرت إلى الطبيعة في أدق تفاصيلها ليجعل منها الشاعر موضوعة مستقلة احتاجت إلى براعة في التصوير وحسن سبك وتأليف وتوصيف دقيق كان فيه ابن الرومي على درجة عالية من الفنية والإبداعية التي فاق فيها شعراء عصره فنظم في النرجس وقال:

يا حبذا النرجس ريـــــــحانة
لأنف مغبوق ومصــــبوح
كأنه من طيب أرواحـــــــــه
ركب من رَوْحٍ ومن رُوحِ
يا حسنه في العين يا حســنه
من لامح للـــشرب ملموح
كأنما الظل على نــــــــوره
ماء عــــيون غير مسفوح

فالوصف الشعري ينقل للقارئ صورة النرجس من خلال حاستي الشم والبصر عبر تصوير بديع يقوم من حيث البيان على التشبيه، وينقل إلينا ابن الرومي مشهدا رائعا من مشاهد الطبيعة وهو مشهد الغروب ناقلا إلينا صورة الإحساس الإنساني بالفراق حين تضع الشمس خدها على الأرض فيقول:

إذا رَنَّقَتْ شمسُ الأصيل ونَفَّضَتْ
على الأفْقِ الغَرْبِيّ ورْساً مـُـــــذَعْذَعا
وودَّعَتِ الدنيا لتقضيَ نحْبَــــــــها
وشَوَّلَ باقي عُــــــــــــمْرِها فَتَشَعْشَعا
ولاحظتِ النُّوَّار وهْيَ مريضــــةٌ
وقد وضَعَت خَدّا إلى الأرض أضْرعا
كما لاحظت عُوّاده عَيْن مُــــدْنِفٍ
توجَّعَ منْ أوْصــــــــابه ما تــــــوَجًّعا
وظلت عيونُ النَّوْر تخْضَلُّ بالندى
كما اغْرورقَت عيْنُ الشَّجِيَِ لتَدْمَعـــا

وفي قوس قزح يقول ابن الرومي:

وساق صبيح للصبوح دعوته
فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنـــــجم
فمن بين منقـــــــض علـينا ومنــــــغض
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا
على الجو دكنا والحواشي على الأرض
يطرزها قوس الســحاب بأخضر
على أحـــــمر فــي أصفر إثر مبـــــيض
كأذيال خود أقبلت في غــــــلائل
مصبغة والبعض أقــــــصر من بــعض

وإن كانت القصيدة قد نظمها الشاعر العباسي في سياق مفاجئ أخذه جمال قوس السحاب في ذلك الصباح بعد خروجه من الحانة، ليستأثر الجزء الأعظم من المتن بتوصيف جميل للألوان الزاهية وللهندسة البديعة للأقواس وله في شقائق النعمان وصف جميل يقول فيه:

أشقائق النـــعمان بين ربـــى
نعمان أنت محاسن النـــــــــعم
غدت الشقائق وهي واصــفة
آلاء ذي الجبروت والـــــــعظم
ترف لأبصار كــحلن بهــــا
ليرين كيف عجائب الــــــــحكم
شعل تزيدك في النهار سنــى
وتضيء في محلولك الــــــظلم
أعـجب بها شعلا على فـحــم
لم تشتعل في ذلك الفــــــــــحم
وكأنما لمع الـــــــسواد إلــى
ما احمر منها في ضحى الرهم
حدق العواشق وسطت مقلا
نهلت وعلت من دمــــــوع دم
يا للشــــــــقائق إنها قســـم
تزهى بها الابصار في القــــسم
ما كان يهدي مثلها تـــــحفا
إلا تطــــــــــول بارئ النــــسم

إن شعر الطبيعة عند ابن الرومي من خلال هذه النماذج التي أوردناها للتمثيل يمتاز عن غيره من شعر الطبيعة عند من سبقوه في العصور السابقة وحتى معاصروه لم يرتق شعرهم من حيث درجات التوصيف والتشخيص الدقيق إلى درجات عليا مكن الفنية التي أكسبت شعر ابن الرومي جمالية متفردة جعلنه يتعالى في سلم شعرية وصف الطبيعة خلال العصر العباسي تعاليا تشهد له به قصائده التي احتفى فيها بألوان الطبيعة من مختلف العناصر التي أبدع في وصفها مستقلة في جل قصائده إلا ما داخلها شيء أملاه مقام بلاغي حتم الإقحام في بنية المتن الشعري.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى