القاهرة 1952: امحمد الخطابي واستعجال الفعل
في قلب قاهرةٍ هزّتها الثورة، كان عبد الكريم يراقب بحذر ما يجري في المغرب، بينما لم يعد شقيقه امحمد، المدفوع بإلحاح المواجهة المفتوحة مع النظام الاستعماري، يحتمل الجمود الذي فرضه المنفى.
لقد حملت عودة حمادي و الطود في أكتوبر إضاءات ثمينة. فقد أكدت رواياتهما ما كان امحمد يستشعره منذ زمن: في كامل المغرب الكبير كانت التوترات تتصاعد، وفكرة المواجهة المفتوحة مع النظام الاستعماري تزداد حضورًا وانتشارًا. غير أن هذه الحيوية كانت تثير أيضًا أسئلة أكثر مرارة. ففي المغرب، أصبحت شخصية السلطان تهيمن على المشهد السياسي، بينما بدا حزب الاستقلال، الراسخ في المدن كما في القرى، وكأنه يؤطر تقريبًا مجمل الحركة الوطنية. وفي هذا المشهد الذي كان يعاد تشكيله بسرعة، كان امحمد يشعر أحيانًا بأن مكانهم قد أُقصي إلى الهامش، وكأن معركتهم الخاصة أ
صبحت تنتمي إلى زمن مضى. لكن هذا الإحساس لم يزده إلا تشبثًا بقناعاته. بل على العكس تمامًا. فالطريق المسدود الذي بدا أن المغرب يُدفع إليه كان، في نظره، يؤكد صواب تحليله: عاجلًا أم آجلًا ستُطرح مسألة الكفاح المسلح. غير أن ذلك كان يفرض عليهم أيضًا التفكير في إمكانياتهم المحدودة آنذاك.
كان امحمد يزداد نفادًا للصبر. وفي الانتظار، ظل يراقب أدق الإشارات القادمة من المغرب، وكأن التاريخ، وهو يتسارع أمام أعينهم، لا بد أن يعيد إليهم يومًا طريق المبادرة. كان يتابع تطورات الوضع باهتمام يكاد يكون محمومًا. وكانت الأخبار تصله أساسًا عبر الصحافة الفرنسية والبرقيات المتداولة بين المناضلين المغاربيين. وكانت الجرائد تؤكد ما وصفه حمادي ورفاقه عند وصولهم. لقد أصبح المغرب يتصدر الصفحات الأولى. وكان كل مقال يُقرأ ويُناقش مطولًا مع أقرب مساعديه. التصريحات تتوالى، والتوترات تتصاعد، وكل برقية كانت تبدو وكأنها تعلن مرحلة جديدة من المحنة القادمة. وكلما ازدادت الأخبار القادمة من المغرب خطورة، ازداد اقتناع امحمد بأن لحظة التحرك تقترب. ومع ذلك، كانت حقيقة واحدة تفرض نفسها عليه: كان يحتاج إلى مباركة أخيه الأكبر لتحويل هذا الاقتناع إلى فعل. كان يعلم أن عبد الكريم لا يشعر بنفس الاستعجال. فوفاءً لحذره الاستراتيجي، ظل يرى أن الساعة لم تحن بعد. ومن منزله، الذي نادرًا ما كان يغادره، كان يتابع الوضع من مسافة، مقتنعًا بأن أي حركة غير مهيأة جيدًا قد تتحطم قبل أن تبدأ.
حلّ المساء على القاهرة في أواخر نوفمبر، عندما طوى امحمد ببطء الجريدة التي كان يقرأها، قبل أن يتوجه إلى منزل شقيقه، كما اعتاد كل يوم جمعة، ليتحادثا حول أخبار المغرب. ومنذ وصولهما إلى مصر، أصبحت هذه اللقاءات الأسبوعية أشبه بطقس عائلي، يعيد أحيانًا إلى الذاكرة أحاديثهما الطويلة في زمن شبابهما بالريف. غير أن محمد كان حريصًا تلك الليلة خصوصًا على أن يطلع أخاه على ما رواه له حمادي وتاعوض بعد عودتهما من المهمة.
كان عبد الكريم جالسًا غير بعيد عنه، يصغي في صمت. ولم يتأخر في ملاحظة أن شيئًا في صوت شقيقه يكشف عن خطورة خاصة. وكان محمد يعيد عرض ما سمعه، ممزوجًا بأخبار الصحافة الدولية التي ظل يتابعها خلال الأيام الأخيرة.
— لا يمكن أن يستمر هذا الوضع، قال محمد أخيرًا. البلاد على حافة الانفجار.
رفع عبد الكريم نظره إليه بهدوء.
— ربما. لكن الانفجار لا يصنع دائمًا ثورة.
أخذ محمد يتمشى في الغرفة، وكأنه يحاول كبح اضطرابه.
— الناس مستعدون. حمادي رأى ذلك بنفسه. الغضب يتصاعد في كل مكان. وإذا واصلنا ال
انتظار، فسوف يأخذ آخرون مكاننا.
ظل عبد الكريم صامتًا لحظة، غارقًا في التفكير. كان نظره شاردًا بعيدًا، كأنه يستحضر ثقل السنوات التي مرت منذ حرب الريف.
— لا تُنتصر المعارك بالغضب وحده، أجاب أخيرًا. بل بالإعداد. نحتاج إلى رجال، وإلى سلاح، وإلى طرق آمنة. من دون ذلك، فنحن نسوق الناس إلى التضحية المجانية.
لم يرد امحمد مباشرة. كان يعلم أن أخاه يتحدث من واقع تجربة. لكن القلق والاستعجال كانا ينهشان داخله باستمرار.
— وماذا إن ضاعت اللحظة؟
ارتسمت على وجه عبد الكريم ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى.
— لحظات التاريخ لا تضيع بسهولة. إنها تعود دائمًا إلى أولئك الذين يعرفون كيف ينتظرونها.
وفي تلك اللحظة نفسها، ارتفع أذان صلاة العشاء في سماء المساء القاهري، ليضع حدًا لحوارهما. وعاد الصمت ليسكن الغرفة، دون أن تجد كل الأسئلة المطروحة جوابها. وبعد الصلاة والعشاء، اتفق الشقيقان على مواصلة متابعة الأخبار بنفس القدر من الاهتمام، كلٌّ بطريقته: أحدهما بانتظارٍ متبصر، والآخر باستعجال الفعل.
مقتطف من كتابي القادم: «عبد الكريم من منفى إلى منفى، الجزء الثاني: مصر»
امحمد لشقر امرابو
طبيب وكاتب
سيرى كتابي الجديد النور قريبًا
أصبح كتابي أخيرًا جاهزًا، وسيدخل الآن مرحلة الطباعة لكي يلتقي، كما آمل، بقرّائه. وكما كان الحال مع مؤلفاتي السابقة، كانت هذه المغامرة طويلة، شاقة، وعميقة البعد الإنساني. خضتها وحيدًا، بالصبر والإصرار، مدفوعًا بعمل بحثي مُرهق بقدر ما كان غنيًا ومثمرًا، قادني حتى إلى أرض الفراعنة. واليوم أشعر أن الدائرة قد اكتملت أخيرًا.
ويأتي هذا الإصدار الجديد ليُكمل رباعية كرّستها بالكامل لحرب الريف: كتابان حول حياة محمد بن عبد الكريم الخطابي في المنفى، وكتابان آخران عن شخصيات محورية في هذه الملحمة التاريخية، ظلت طويلًا حبيسة الظل والنسيان: «منفي موغادور» و«غيرترود أرنال».
ويمثل هذا المسار سبعة كتب كُتبت على امتداد سبعة عشر عامًا، جمعتها إرادة واحدة: إعادة قراءة تاريخ منطقتي من خلال كتابة شخصية، تحاول أن تُزاوج بين الصرامة التاريخية والنَّفَس الأدبي. وإذا كان لهذا العمل من طموح، فهو ربما هذا فقط: أن يساهم، بتواضع، في معرفةٍ أفضل لذواتنا، حتى نتعلم كيف نعيش معًا، باختلافاتنا، وذاكرتنا، وتاريخنا المشترك.
كما تتزامن صدور هذا الكتاب مع مناسبتين رمزيتين. الأولى شخصية وحميمة: بلوغي الثامنة والستين من العمر، وهو ما يمنحني شعورًا عميقًا بالرضا الداخلي، خاصة وأنه أول عيد ميلاد لي بعد المرض. أما الثانية فهي جماعية وتاريخية: الذكرى المئوية لنهاية حرب الريف، وهي محطة تعني المغرب كما تعني فرنسا وإسبانيا.
وقد تشكل هذه الذكرى فرصة حقيقية للاعتراف، بوضوح وشجاعة، بمسؤوليات الجميع في تلك الحرب، وتشجيع عمل جاد ومشترك حول الذاكرة، وفتح فضاء للكلمة والحقيقة طال انتظاره. فالاعتراف بعنف الماضي لا يُضعف الأمم، بل يسمو بها. أما الصمت، فإنه لا يفعل سوى إطالة عمر الجراح وتعميق سوء الفهم.
ملاحظة: كما في جميع كتبي السابقة، فإن تصميم هذا الغلاف هو من إبداع ابنتي جهاد
