الجمعة ٢٢ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم شاهر خضرة

حين يصبح الغياب طريقة أخرى للحضور

قراءة في ديوان "قصيرٌ فستانُ صبري" للشاعرة ميّادة مهنّا سليمان

لا أدخل هذا الديوان من الرثاء، رغم أن الغياب يمرّ في صفحاته كلها تقريباً، ولا من باب الحب كما اعتادت القصائد العاطفية أن تقدّمه في صورته اللامعة. ما يحدث هنا شيء آخر، شيء لا يكتفي بوصف الفقد، ولا يكتفي باستعادة ما كان، وإنما يحاول أن يوقف الزمن عند لحظة لا تريد الشاعرة لها أن تنقضي.

منذ الصفحات الأولى، شعرت أنني لا أقرأ امرأة تكتب عن رجل غاب، وإنما امرأة تحاول أن تمنع الغياب من أن يكتمل، كأن القصائد نفسها تتحوّل إلى يدٍ تمسك بما تبقّى من أثره، وتعيد توزيعه على الأشياء كي لا يختفي دفعة واحدة.
ميّادة مهنّا سليمان، الأديبة السورية المقيمة في دمشق، صاحبة التجربة الطويلة في الشعر والسرد وأدب الطفل، لا تبدو منشغلة هنا بإثبات مهارتها الشعرية، ولا بتقديم مشروع لغوي متكلّف. ما يشغلها شيء أكثر حميمية: أن تُبقي أثر الرجل قائماً في العالم، أن تمنح حضوره شكلاً جديداً داخل اللغة، وأن تجعل من القصيدة مساحة يمكن للغياب أن يتنفس فيها دون أن يتحوّل إلى موت كامل.

وهي شاعرة وقاصّة وناقدة سورية تحمل دبلوم دراسات عليا في الأدب العربي، نشرت أعمالها في صحف ومجلات عربية وعالمية، وشاركت في مهرجانات أدبية داخل سورية وخارجها، كما حازت جوائز عديدة في الشعر والقصة وأدب الطفل. تمتلك حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي، وتكتب بنبرة تجمع بين الحسّ الأنثوي والوعي الجمالي والقدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى لغة نابضة بالحياة.

منذ الإهداء، يتضح أن الغياب ليس تفصيلاً جانبياً في هذا الديوان، وإنما مركزه الخفي: "إلى روح زوجي الوفيّ: رامز سلمان سليمان". غير أن هذا الغياب لا يدخل النصوص بوصفه نهاية، ولا يتحوّل إلى بكائية طويلة. يحدث شيء مختلف: الرجل لا يغيب، وإنما يتوزّع. يظهر في الورد، في القهوة، في المرايا، في الفساتين، في الضفائر، في الصباحات التي كانت تبدأ بصوته. كل شيء يتحوّل إلى وعاء صغير للذكرى، كأن الشاعرة تعيد بناء العالم من جديد، قطعة قطعة، كي تضمن أن أثره ما يزال قادراً على الظهور.

لهذا لا أقرأ "قصير فستان صبري" كديوان حب أو فقد فقط، وإنما كنوع من إعادة تشكيل الحبيب داخل الأشياء. في كثير من النصوص، لا يظهر الحب كشعور مجرد، وإنما كشيء يمكن لمسه وارتداؤه وشمّه. القصائد تمنح العاطفة مادة: فساتين، مرايا، ضفائر، أحمر شفاه، قهوة، فراشات، شوكولا، قرنفل، وسائد، شبابيك، مطر. هذه الأشياء ليست زينة لغوية، وإنما بيوت صغيرة للذاكرة، أماكن يختبئ فيها الغائب كي يبقى قريباً.

في نص لبستُ فستاناً قصيراً، تقول الشاعرة: "ها قد لبستُ فستاناً قصيراً أتغريك مفاتني؟" في الظاهر، يبدو المشهد غزلياً، غير أن ما يشدّني هنا ليس الفستان، وإنما ما يحدث خلفه. كأن المرأة لا ترتدي القماش وحده، وإنما ترتدي ما تبقّى من حضور الرجل. الأنوثة هنا ليست استعراضاً، وإنما محاولة لإعادة إشعال ما خفت، أو ما تخشى أن يخفت. الرغبة نفسها تتحوّل إلى وسيلة للتأكد أن أثر الحب ما يزال قادراً على الوصول، وأن الغياب لم ينتصر بعد.

وهذا ما يمنح الديوان كله توتره الخاص: الحب فيه لا يعيش بوصفه امتلاكاً، وإنما بوصفه خوفاً مستمراً من الفقد. ولهذا يبدو هذا الخوف متسللاً من التفاصيل الصغيرة، من الصباح الذي لم يأتِ، ومن تلك اللحظة التي تقول فيها الشاعرة: "تساقطت أوراقُ صبري" كأن الصبر نفسه بدأ يتآكل من الداخل، وكأن المرأة لا تخشى الغياب في صورته الكبرى بقدر ما تخشاه في تلك اللحظات التي يتسلل فيها إلى الأشياء اليومية، فيتحول الانتظار إلى طريقة للحفاظ على ما تبقى من الضوء.

حين تقول الشاعرة: "أين قهوة الحب؟ أين صباح الخير يا حياتي؟" فهي لا تتحسر على طقس يومي بسيط، وإنما على عالم كامل كان يُبنى من هذه التفاصيل. الغياب هنا لا يُقاس بالموت، وإنما بالأشياء التي توقفت عن الحدوث. ما يؤلم ليس النهاية الكبرى، وإنما اختفاء العادات الصغيرة التي كانت تمنح الحياة إيقاعها الحميم.

لهذا أشعر أن الشاعرة لا تكتب الفقد من زاويته العالية، وإنما من أثره اليومي، من الفراغ الذي يتركه في الأشياء المعتادة. حتى الحنين لا يظهر كحالة ذهنية فقط، وإنما كشيء يتحرك داخل المادة: في القماش، في الرائحة، في الأصابع، في الألوان، في المرايا. ولهذا تتكرر المرايا كثيراً في النصوص، كأن المرأة لا تبحث فيها عن شكلها، وإنما عن صورة العلاقة نفسها.

في اسأل مرآتي تقول: "في عين المرآة أنا جداً أنا جداً طفلة!" المرآة هنا لا تعكس الوجه، وإنما تكشف هشاشته. الأنثى التي تبدو ناضجة في الخارج تعود، أمام الحب، إلى طفولتها الأولى. وهذا ما يمنح النصوص صدقها؛ فالشاعرة لا تتعامل مع الحب بوصفه قوة فقط، وإنما بوصفه منطقة ضعف أيضاً، منطقة يعود فيها الإنسان أقل دفاعاً وأكثر حاجة للآخر.

وما يلفتني أن هذه الأنوثة لا تُكتب بطريقة متعالية أو استعراضية. المرأة هنا لا تحاول أن تبدو فاتنة طوال الوقت، ولا قوية طوال الوقت، وإنما تسمح لنفسها بالظهور كما هي: تغار، تنتظر، تغضب، تشتاق، تضعف، ثم تعود لتزرع الورد فوق كل ذلك. وهذا ما يجعل النصوص حميمة، كأنها لا تُكتب من أجل القارئ، وإنما من أجل شخص واحد غائب ما تزال القصائد تحاوره.

في نص اقتحمني عشقاً، تقول الشاعرة: "ما الشعر تلميذ عاقل ولا الحب طفل هادئ كلاهما بحر هائج". هذه الجملة تبدو مفتاحاً خفياً للديوان كله. ميّادة مهنّا سليمان لا تفصل بين الحب والشعر. كلاهما عندها حالة اقتحام، حالة خروج عن الاتزان، حالة دخول في شيء أكبر من العقل. ولهذا تبدو القصائد أحياناً كأنها لا تُكتب بهدوء، وإنما بانفعال مباشر، كأن اللغة نفسها تلهث خلف الإحساس وتحاول اللحاق به قبل أن يفلت.

غير أن هذا الانفعال لا يسقط في المباشرة الفجّة، لأن الشاعرة تمتلك حساً تصويرياً يجعل الصورة تحمل العاطفة بدل أن تشرحها. في مزارع فاشل في بستان الحب، يتحول الحب كله إلى حقل: الورد، الأشواك، الندى، الفراشات، البستان. ما يهمني هنا ليس الاستعارة، وإنما الطريقة التي تتحول بها المشاعر إلى مشهد يمكن رؤيته. الحزن لا يُقال مباشرة، وإنما يُزرع. الخيبة لا توصف، وإنما تظهر كأشواك نبتت في المكان الذي كان يفترض أن يزهر.

وهذا ما يجعل علاقتي بهذا الديوان لا تقوم على الفهم فقط، وإنما على الرؤية أيضاً. أنا لا أفسر النصوص بقدر ما أدخل صورها. وربما لهذا شعرت أن الشاعرة، حتى في لحظات الحزن، لا تتخلى عن الحس الجمالي. كأنها تحاول دائماً أن تُلبِس الوجع شكلاً قابلاً للحياة.

في نص حزام ناسف من الحب، تقول: "قررت هذا الصباح أن أفخخ نفسي بالأشواق والأزهار". هذه الصورة تكشف طبيعة الحب في هذا الديوان. الحب لم يعد خلاصاً هادئاً، وإنما صار قوة قابلة للانفجار. غير أن الانفجار يحدث بالأزهار والقبلات، لا بالعنف. كأن الشاعرة تعيد تشكيل الألم داخل لغة الحب نفسها، وتحول الوجع إلى شيء معطر ومضيء، رغم أنه ما يزال وجعاً.

حتى عنوان الديوان قصير فستان صبري يحمل هذا التوتر كله. الفستان، بما يحمله من دلالة أنثوية وجمالية، يقترن هنا بالصبر. غير أن الصبر يبدو قصيراً، غير قادر على تغطية الألم كاملاً. كأن المرأة، مهما حاولت أن تبدو متماسكة، يبقى شيء منكشفاً دائماً: الحنين، الضعف، الخوف، الانتظار.

ومن هنا تأتي العلاقة العميقة بين القصيدة والحبيب. الرجل في هذا الديوان ليس موضوعاً للحب فقط، وإنما سبب اللغة نفسها. كثير من النصوص توحي أن القصيدة تولد منه أو نحوه، وأن الكتابة ليست إلا محاولة لإبقائه قريباً. حين تقول الشاعرة: "أطرز خفقات قلبي على مناديل الحنين" فهي لا تتحدث عن الكتابة كفعل أدبي، وإنما كطريقة لترتيب الخفقان نفسه.

لهذا لا تبدو القصائد مكتفية بذاتها، وإنما كأنها دائماً تنادي شخصاً ما. وأنا أقرأ، لم أشعر أنني أتابع امرأة ترثي رجلاً غائباً، وإنما امرأة ترفض أن تسمح للموت بأن يأخذ صورته الأخيرة. كل شيء في الديوان يحاول أن يبقيه حيّاً: في القهوة، في الفستان، في المرآة، في الورد، في صوت الصباح، وفي القصائد التي تفتح نافذتها كل يوم وكأن أحداً سيعود.

وربما لهذا السبب لا يترك هذا الديوان أثره في الفهم فقط، وإنما في الإحساس نفسه. لأنه لا يطلب من القارئ أن يفسّر ما يحدث، وإنما أن يمرّ به. في النهاية، لا أخرج من "قصير فستان صبري" وأنا أفكر في الحب كعاطفة، وإنما كطريقة لمقاومة الغياب. كأن ميّادة مهنّا سليمان لا تكتب كي تتذكر فقط، وإنما كي تمنع الاختفاء من أن يصبح نهائياً. ولهذا تبدو القصائد كلها محاولة مستمرة لإبقاء الرجل داخل العالم، موزعاً على الأشياء الصغيرة، على الورد، والمرايا، والقهوة، والفراشات، والفساتين، وعلى تلك اللغة التي لا تبدو كأنها كُتبت بعد الفقد، وإنما كأنها كُتبت كي تؤجل حدوثه قليلاً.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى