بيني و بين ظلي
كل ليلة، حين يندس الكل تحت لحافهم ليخلدوا للنوم، أجلس قرب النافذة و أترك الضوء الخافت خلفي، فقط لكي يتجلى ظلي على الجدار المقابل.
لا أعلم متى بدأت اعتياد هذا الأمر ، لكني أعلم أنني لم أعد أخافه.
كان ظلي يشبهني تماما ...
غير أنه أكثر صدقا.
في النهار، أرتدي العديد من الوجوه.
وجه الإبن المطيع.
وجه الصديق المرح.
وجه المتعب الذي يردد دائما ....أنا بخير.
لكن الليل كان يسحب تلك الوجوه الواحد تلو الآخر و يتركني لوحدتي أمام نفسي و أمام ظلي.
كنت أحدق فيه طويلا، فأشعر أنه يعرف كل شيء أخفيه، يعرف الغضب الذي أبتلعه كي لا أجرح أحدا.
يعرف الكلمات التي لم أقلها خوفا من الندم.
يعرف كم مرة ابتسمت فقط حتى لا يسألني أحد عما يؤلمني.
في إحدى الليالي، قلت له هامسا:
– هل تكرهني؟
ظل ساكنا فوق الجدار، ثم بدا لي و كأنه يهتز مع لهب المصباح.
أغمضت عيني و تابعت:
– أنا أكره ضعفي .... أكره خوفي ... أكره أنني كلما حاولت الهروب من الماضي، عاد إليّ في أبسط الأشياء، في أغنية قديمة، أو رائحة عطر، أو شارع مررت به يوما مع شخص لم يعد هنا.
شعرت بشيء ينكسر بداخلي.
لأول مرة لم أكن أتحدث مع ظل ... بل مع نفسي.
اعترفت له بأنني متعب.
متعب من التظاهر بأنني تجاوزت كل شيء.
من دفن مشاعري تحت الصمت.
من إقناع الناس أن البرود قوة، بينما هو في الحقيقة تعب طويل.
كان الظل يكبر فوق الحائط كلما تكلمت، كأنه يتغذى من اعترافاتي.
ثم فجأة أدركت أمرا غريبا.
الضوء لا يصنع ظل الانسان فقط، بل تصنعه أيضا الأشياء التي يخفيها في داخله.
و حينها شعرت بخفة لم أعرفها من قبل.
نظرت إلى الجدار مرة أخيرة، فوجدت ظلي هادئا مستقرا، لا يبدو مخيفا كما كان دائما.
كأنه كان ينتظر مني اعترافا واحدا فقط ... كي يتوقف عن مطاردتي.
تجرأت أخيرا و قلت ساخرا:
– ما لذي تنظر إليه؟
أجابني بصوت يشبه صوتي تماما.
– و أنا أنظر إلى رجل يتقن الهروب.
ضحكت ببرود:
– و أنا أنظر إلى مجرد ظل.
رد فورا:
– و أنا أظن أنك مجرد قناع.
ساد الصمت للحظة.
شعرت بالاختناق لكنني تماسكت و أجبت:
– على الأقل أنا أعيش بين الناس، أما أنت فلا وجود لك دوني.
رد الظل: بل أنت من لا وجود له دون كل تلك الوجوه التي ترتديها أمام الآخرين اقتربت من الجدار غاضبا:
– ماذا تريد مني؟
– أن تتوقف عن الكذب و ادعاء الصدق.
– أنا لا أكذب.
– حقا؟ ... حين يقولون لك كيف حالك؟ و تجيب "بخير". ماذا تسمي ذلك؟
أشحت بوجهي.
قال بنبرة أكثر حدة:
– لماذا تخفي غضبك دائما؟
صرخت:
– لأن لا أحد يتحمل حقيقتي ...
ضحك الظل ضحكة قصيرة باردة.
– بل لأنك تخاف أن يراك الناس ضعيفا.
– الضعف عار.
– لا ... التظاهر بالقوة هو العار.
شعرت بأن الغرفة تضيق حولي.
قلت مستهينا محاولا فض الحوار.
– أنت مجرد جزء مظلم مني.
فأجاب: لكني الجزء الصادق.
ارتجفت يداي.
– الصدق لا يجعل الانسان سعيدا دائما.
– لكنه يجعله حقيقيا.
اقترب ظلي أكثر فوق الجدار، حتى بدا كأنه يقف أمامي وجها لوجه.
ثم قال بهدوء قاتل:
اخبرني ...كم مرة قلت "لا يهم" بينها كان الأمر يحطمك؟
كم مرة سامحت فقط لأنك تخشى الوحدة؟
كم مرة ضحكت كي لا تبكي؟
لم أجب ....
لأول مرة، شعرت أنني الطرف الأضعف في الجدال،... همست
– و لماذا تظهر الآن؟
قال:
– لأنك تعبت من دفني بداخلك.
جلست على الأرض بصمت، بينما بقي ظلي واقفا بشموخ.
لا منتصر بيننا.... و ربما لا منهزم.
فأنا و هو لم نكن شخصين مختلفين أبدا... بل حقيقة واحدة.... تحاول أن تواجه نفسها.
