الخميس ١١ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

عودة جزئي المغترب

حين بلغت الأربعين، أدركت حقيقة غريبة، لم يسبق لي وأن تغربت عن وطني يوما، بل كانت غربتي عن نفسي... منذ مراهقتي كنت أعيش بنصفين كلاهما متناقض عن الآخر... نصف هادئ بطبعه يعيش الواقع، ينتقل من البيت إلى المدرسة ومن المدرسة إلى الجامعة ومن الجامعة إلى الوظيفة، يلتقي الناس... يكلمهم ويبتسم في وجوههم ويؤدي ما عليه من واجبات تجاههم.

أما النصف الجموح فيعيش في مكان بعيد لا تحده حدود ولا تبلغه الخرائط، نصف مخلوط بأمنيات مؤجلة وصور مثالية وحياة أسطورية رسمها عن نفسه وعن المستقبل...، المستقبل الذي كنت أعتقد أنه سيأتي يوما ليعتذر لي عن الكبوات والخيبات، عن العلاقات التي أجهضت قبل أن تولد، عن كل ما ضاع من الفرص وعن الأبواب التي أغلقت في وجهي.
كنت أتقنص اللحظة المحورية التي أصبح فيها الشخصية التي تخيلتها دوما.

لكن السنوات كانت تمر وتمتص من تلك الشخصية أجزاءً دون أن تعطيني تلك اللحظة. وكلما تقدمت في العمر شعرت أن تلك المراهقة التي في داخلي تزداد حنقا وغضبا، فكثيرا ما كنت أسمعها في صمت الليل معاتبة:

ـ لم يكن هذا اتفاقنا منذ زمن.

لم أجب واكتفيت بمقاومة الصمت.

بدأت بتجاهلها وانتهيت بالخوف منها.

بل انتهيت إلى أن أصبحت أعيش منقسمةً بين حاضر أعيشه ومستقبل تخيلت أنه كان من الواجب أن أعيشه.

ذات ليلة، جلست أرتب صندوقا قديما، وجدت فيه مذكرة تخصني تعود إلى سن السادسة عشرة.

كانت أوراقها صفراء بالية عليها سطور متهالكة، تصفحتها بتحفظ فجدت قائمة طويلة كتبتها آنذاك بخط مرتب: "سأعيش حياة استثنائية، سأسافر العالم، سأكون من أثرياء العالم ومن أشهرهم .... لن أعيش حياة عادية."

قرأت الكلمات ببطء ثم انفجرت ضاحكةً.

ضحكة طويلة ممزوجة بشيء من الألم والسخرية.

بعدها بدقائق وجدت الدموع تذرف من عينيّ دون استئذان.

كانت المرة الأولى التي لم أبكي فيها على ما خسرته، بل بكيت على تلك الفتاة التي ظلت مدى حياتها تنتظر تحقيق وعودا مستحيلة.

فجأة شعرت أن سنوات عمري كلها كانت محاكمة بين نقض واستئناف، كان القاضي فيها هو نسخة مراهقة مني. والمتهم هو المرأة التي أصبحت اليوم.

في تلك الليلة حلمت حلما مختلفا.

رأيتني في مدينة مهجورة. كل شارع منها يحمل اسم أمنية قديمة:

شارع الشهرة، شارع الثراء، شارع الحب، شارع السفر...

لكن الغريب أن البيوت كلها كانت خالية. الأبواب مفتوحة والنوافذ محطمة كأن أحدهم هجر المكان منذ زمن طويل.

في آخر الشارع لمحت فتاة تجلس على درج حجري، عرفتها على الفور.

كانت أنا في السادسة عشر، اقتربت منها لكنها لم تنظر إليّ.

قلت: كنت أبحث عنك منذ سنوات.

أجابت الصبية ببرود: بل كنت تهربين مني باستمرار.

جلست بجانبها

ساد بيننا لحظات صمت طويلة ثم قالت الفتاة:

ـ لماذا خذلتني؟

ابتسمتُ ابتسامة موجوعة وقلت على مضض:

ـ لأني صدقتك أكثر مما ينبغي.

رفعت الصبية رأسها بدهشة وأكملت أنا حديثي:

ـاقنعتني أن الحياة يجب أن تكون عظيمة دائما... وأن العادي فشل... وأن التعثر هزيمة...وأن الرضا استسلام.

ثم نظرت حولي إلى المدينة المهجورة وباغتتها بالحديث:

ـانظري ماذا فعلتي بنا.

تلفتت الفتاة حولها. ولأول مرة بدت مرتبكة.

أدركت أن هذه المدينة مبنية على اسفنج وهمٍ لا من خرسانة الواقع، وأن صاحبتها ظلت تسكنها عقوداً بينما كانت حياتها الحقيقية تحدث في مكان آخر.

استحضرتُ جزئي الهادئ وقلت:

ـأتدرين ما أكبر خساراتي؟

هزت الفتاة رأسها.

ـلم تكن الأحلام التي لم تتحقق، بل السنوات التي قضيتها أرفض نفسي لأنني لم أصبح الشخصية المرجوة.

ارتجفت ملامح الفتاة كأن الكلمات أصابتها في مقتل... ثم سألت:

ـوهل سامحتني؟

أجبت: وما الداعي لمسامحتك ولم تكوني من الأصل عدوتي... كنتِ مجرد طفلة خائفة ظنتِ أن الكمال هو طريق النجاة.
ساد الصمت مرة أخرى، لكن لم يكن صمت خصومة بل صمت تفهم.

بدأت المدينة تتلاشى شيئا فشيء.

اختفت الشوارع، سقطت اللافتات وذابت البيوت في الضباب.

أما الفتاة فاقتربت مني حتى صارت معي وجها لوجه. وسألت للمرة الأخيرة:

ـ وماذا بقي لنا الآن؟

ابتسمت كما لم أفعل من قبل:

ـ بقي أن نعيش ما تبقى من العمر دون أن نحارب بعضنا.

عندها لم تختف الفتاة، ولم تمت ولم ترحل... بل عادت إلى مكانها الطبيعي داخلي كحلم فقد سلطته محتفظا بجماله.

استيقظت مع الفجر... فتحت النافذة ... كان كل شيء كما هو.

لكن للمرة الأولى شعرت أن داخلي لم يعد ساحة حرب.

فهمت أخيرا أن النضج ليس قتل أحلام المراهقة، ولا انتصار عليها.

بل مصافحتها بعد سنوات من الجفاء.

وأن الرضا ليس أن تحصل على كل ما أردت... بل أن تتوقف عن معاقبة نفسك على ما لم تحصل عليه.

في تلك اللحظة عاد جزئي المغترب من منفاه الطويل ولم يجد وطنا أجمل من أرض الواقع نفسه.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى