«بروازُ شوق» لرَجاء بَكرِيِّة
تمثل روايةُ "بِروازُ شَوْق" للأديبة رجاء بكريّة.. متتالية سرديّة تتوزَّعُ بين الصوت والصوت الآخر في تنامٍ وتوهُّج لحدث رئيس ومواقف متنوعة، تتكئ على أدوات اللّغة والتّصوير الفنّي التّشكيلي عبرَ دفقٍ سرديّ يلامس روح الشعر، كسَمْتِ غالب على الرواية حتى نهايتها.
قسمت بكرية روايتها الصادرة حديثاً عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، إلى أبواب وفصول ومشاهد، وكذلك الرسائل بين بطليّ الرّواية "نشوة ظافر"، و"غسان صقر" كجزء أساسيّ من متن الرواية.
أهدت الكاتبة روايتها، على لسانِ "نشوة"، تقول: "للمدنِ أسماء كثيرة، لكنّها لا تشبهُ عكّا في ذاكِرَتِها". وكأنها تنبِّه القارئ منذ السّطر الأوّل إلى ذلك الجرح المفتوح في قلب الوطن؛ فلسطين. وتظل عكا بين سطور الرواية بنفس الحضور والتنامي باعتبارها مساراً رئيساً في أحداثها.
يبدأ المشهد الأول في الرواية برسالة من "نشوة" إلى صديقتِها "ديمة" متحدثة فيها عن طبيعة علاقتها بغسان كأنّها تستكمل حديثا قُطِعَ وصلهُ منذ زمن؛ ذلك الحبيب الذي حاول البرواز المُذهّب أن يلتقط أشدّ المشاهد جذبا لحضورهِ في حياتِها. من عمق التّداخلات فيهِ تتوالد تساؤلاتِ البطلة الكثيرة، الّتي نهضت عليها أحداث الرّواية.
تقول الرّاوية على لسانِ نشوة مُستعرضة شكل التّشابك الحسّي بينها وبين غسّان في المشهد الأول: "أبحرتُ في الصّورة ذاتها، كان غسّان يدخل إليها الآن معي ويتخلّى عن فكرة سبيي بهذه الطّريقة الفِجّة؛ غسّان القلب الّذي يشهقُ كلّما فتح نافذة على موج ضحكتهِ الدّافئة، فالصّور الّتي تعبر معنا جسور المدن الغريبة ولا تسقط تحت أقدامنا في زحمة الوجوه الدّخيلة، وحدها تستحقّ أن نلمّع أزرار ذاكرتها ودبابيس أكتافها، لئلا نسقط نحن في لوعات ذهَبِها المزيّف".
وتظهر الرسائل منذ المشهد الأول في الرواية، فتأتي أوّلها محكِيّة على لسان غسّان وَمُذيَّلة بتوقيعِهِ، ".. امرأة النّشوة الّتي انتظرتْ.. إذا وَجدْتِني فوق مغلّف خمريّ ينتظرُكِ أمام باب مقفل فافتحي ذاكرتي بالمفتاح الّذي بقي في حمّالة نهدكِ وقبّليني على الجدران الّتي رسَمْتُكِ عليها وعطّرتُكِ بها واحتضنتُها في بُعدِكِ وبكيت"، موقِّعا (غسّان الكبير). في الرّواية يتجلّى روح الشعر أكثر وضوحا ولمعانا في الرسائل المتبادلة بين العاشقَين على مدار أحداثها بقوّة، لكنّه شعر مغموس بزيتِ الولَه كما تقول الرّاوِية.
هكذا تُعرِّج الرّواية عبر انفتاحِ أحداثِها على الأحداث السياسية الملتهبة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وكأن الكاتبة لم تتعمَّد الولوج إلى ذلك السلك الشائك، ونعني الأحداث التي تؤجِّج المشاعر المحلية والعالمية، كتحصيل حاصل لمسار الحياة الّتي يعيشها الجانبين. تقول الرّاوِية في الفصل الثّالث من الرّواية واصفة المأزق الرّوحيّ الّذي انزلقت اليهِ الأحداث: "تَلاحُق المشاهد العابسة والمعتمة عبر الشّاشة الذكيّة؛ أنعشت أرواحهم جميعاً الصّحافة العربيّة والأجنبيّة والشّعب المُدمّر في كلّ زاوية من المدينة. بعضهم قفز من الفرح، والبعض الآخر صفّق انفعالاً، لكنّ عيون الجميع زغللت فرحاً وانفعالاً. لقد أَحرجت المقاومة رئيس الوزراء ومطبخه الأمنيّ والرّأي العام اليهودي المُضَلَّل بِردّها العنيف الّذي هزّ تل أبيب وساكنيها. لقد انتظر العالم الموزّع بين الصّور والتّصريحات المتضاربة للدّول العربيّة والأجنبيّة حركة تسبق خطواتهم تحرج القيادة الإسرائيليّة وتُعرّيها أمام شعبها الحانق أساساً من كوارث حرب لم ينتظرها. ضرب جيشهم، قتلَ وأذلَّ فكانت حركة الأجنحة العسكريّة المُهانَة برداً وملاذاً لكلّ مقهوري غزّة هاشم أحياء وشهداء".
تَتتابع فصول الرّواية ملقية الضوء على مشاهد تمزج الخاصّ بالعام، وكأن الأبطال يحيون مأساة غزة في حربها قبل الأخيرة فَرادى ومُجتمعين، إذ تصف الرّاوية في الفصل الرابع ما تعرّضَ له غسّان، كأنَّهُ ذات الحدث الّذي عاشتهُ غزّة حينذاك، فتقول: "كأنّ الذّاكرة تراجعت عن غيابها وبدأت تنزلُ قطرةً قطرة في روحهِ. غبَشٌ خفيف أعقبهُ جلاء واضحا للرّؤية، أين رأى كلّ هذا الحرس قبل الآن؟ على غير انتظار تجلّت غزّة بتفاصيلها المشوّشة. بِزّات أمن وعسكر، رشقات صاروخيّة، أجساد تسقط، دمٌ يصبغ المشهد، وحوارات تتّسع ويرتفع لغطها، تقارير وورق يتطاير في الذّاكرة. لخمتهُ الحياة، بمعاول قاسية، وأوجعته من حيث لا يحتسب. كان يعطيها وترفسهُ، يزيدُها وتدوسهُ بجفاء، لكنّهُ يصرّ دائماً أن يجعل الحياة مشروع ذاكرة ورصيف قلب. لم يقابل التّاريخ رجالاً ونساءَ كُثُراً يتجاوزون قسوتها بإيمان مطلق".
تنغلقُ ِ(بِروازُ شَوق) على مشهد أقرب إلى الفانتازيا لا يشفي غليل القارئ، بل يدعه متحيِّراً ويفكر في النهايات، أيختار نهايةً أم يدَعُ السّرد متواصلاً ومفتوحاً إلى اللانهاية التي جسّدتها الكاتبة عن عمد؟ ربما فعلت لتأخذ القارئ معها إلى ما بعد الكلمات. تقول الرّاوِية في مشهد الختام: "يتقدّمُ على جُرحِ الفَجرِ مُحاذياً موجَ الفيروز الّذي مشى بلا نهاية بأقدامِ خَيل ممشوقة، كأنّهُ يمتطيهِ. يشعرُ أنّ أقدامهُ تعلو وتنبتُ لها قوائم فارهة، يعبُّ من الهواء الرّطب ويصغي لهمسِ غنجها تلك اللّيلة الأخيرة الّتي عضَّ فيها كتفها وتركَ وعدَهُ لامعاً في إصبعها وذهب. يجنُّ الموجُ ويرشقُ بدنهُ كاملاً، يمتطيهِ ويعتلي وهج الفراغ. يتذكّرُ الوجهَ والبدنَ والنّشوة، ويصهل اللّيلُ في قلبهِ ويخفقُ كأوّل مرّة أخذتهما عكّا لأوّل فنجان قهوة".
