تحولات البنية السردية وتشظي الذات
تحولات البنية السردية وتشظي الذات: فلسطين في الرواية العربية (1970 - 1985)
"دراسة نقدية تحليلية في الخطاب الأيديولوجي والتشكيل الجمالي"
المقدمة
في مسيرة تطور السرديات العربية الحديثة، لا تكاد توجد قضية تغلغلت في النسيج الروائي، وشكّلت بنيته العميقة، وأعادت صياغة وعيه الجمالي والسياسي، كما فعلت القضية الفلسطينية.
وبعد عدة سنوات من استقراء المنجز الروائي العربي والتتبع النقدي لها، وجدت أن الفترة التي تمتد من عام 1970 إلى عام 1985 تمثل "القلب النابض" والمنعطف الأكثر ثراءً ودراماتيكية في تاريخ الرواية العربية المعاصرة.
إن مقاربة حضور فلسطين في النص الروائي خلال هذه الحقبة لا تعني مجرد تتبع لموضوع سياسي طارئ أو رقعة جغرافية سُلبت، بل هي حفر "أركيولوجي" في وعي الذات العربية، وقراءة عميقة في أزمات الانتماء، والاغتراب، وتشظي الهوية في مواجهة آلات القمع والمحو والشتات([1])
يستمد هذا التحديد الزمني (1970 - 1985) مشروعيته النقدية والمنهجية من كونه يمثل وحدة تاريخية وسردية مغلقة ومكثفة. تبدأ هذه الحقبة بعام 1970، وهو العام الذي شكل زلزالاً سياسياً ووجدانياً (أحداث أيلول، غياب القيادات القومية التاريخية) أسس لانهيار السرديات الكبرى وتواري مرحلة "الرومانسية الثورية".
وتصل هذه الحقبة إلى ذروتها التراجيدية، وتنتهي منهجياً بعام 1985، وهو التاريخ الذي يمثل ذيل التداعيات الكارثية لاجتياح لبنان (1982)، وحصار بيروت، ومجازر صبرا وشاتيلا، وما تلاها من تشتيت لحركة المقاومة في منافي بحرية وبرية جديدة. إنها المرحلة التي اصطدم فيها الحلم بيقين الهزيمة، وانتقل فيها الأدب الروائي من "سردية التبشير والتحريض" إلى "سردية الحصار والمراجعة القاسية"([2])
في هذا السياق المتلاطم، أنجزت الرواية العربية قطيعة إبستمولوجية حاسمة مع "أدب النكبة" الكلاسيكي الذي ساد في الخمسينيات والستينيات، والذي ظل أسيراً للبكائيات وتصوير الفلسطيني كلاجئ ينتظر الخلاص الغيبي أو فزعة الجيوش النظامية. في حقبة (1970-1985)، أسس الروائيون (الفلسطينيون والعرب) لعصر سردي مغاير؛ عصر يواجه الذات قبل أن يواجه الآخر، يُعري التناقضات الداخلية، ويبني معماراً روائياً يعتمد على التجريب الحداثي، وتيار الوعي، وتعدد الأصوات، ليحولالهزيمة الميدانية والشتات الجغرافي إلى انتصار جمالي ووثيقة إنسانية عابرة للزمن([3])
تنهض هذه الدراسة على مقاربة نصية تحليلية للمتن الروائي المنتج في تلك الفترة، معتمدة على تفكيك آليات بناء الشخصية الروائية، وهندسة الفضاء المكاني، وتشظي الزمن الروائي، وتطور اللغة السردية، واستنطاق النصوص ذاتها للوقوف على جماليات المكابدة والمقاومة.
أولاً: الكسر الإبستمولوجي وانتقالات "البطل الإشكالي" المأزوم
إن الملمح الأبرز الذي يتصدر المشهد النقدي عند تفكيك روايات هذه المرحلة هو الانقلاب الجذري في بناء "الشخصية الروائية". في السرديات التي سبقت السبعينيات، كان يُقدم لنا البطل إما بوصفه ضحية مسلوبة الإرادة تثير الشفقة، أو بوصفه "بطلاً أسطورياً" إيجابياً بالمطلق ؛ فدائياً خارقاً يمتلك يقيناً حتمياً ويتحرك في مسارات محسومة لا تعرف التردد أو الانكسار([4])
لكن مع دخول حقبة السبعينيات المأزومة، وسقوط هيبة الأنظمة، وتشابك الخطوط في الحرب الأهلية اللبنانية، برز في الرواية العربية "البطل الإشكالي" بكل ما تحمله الكلمة من حمولة نقدية وفلسفية. لقد نزل البطل الروائي من عليائه الأسطوري ليمشي في طين المخيمات، وأزقة المدن المحاصرة، وأقبية التحقيق. إنه بطل من لحم ودم، يحمل البندقية بشجاعة، لكنه يحمل في عقله أسئلة الشك، والخوف، والتردد، والرغبات الإنسانية المشروعة. لقد عمد الروائيون إلى "أنسنة" المقاتل والمثقف والمواطن؛ فلم يعد كائناً مجرداً من الغرائز، بل إنساناً يخطئ، يعشق، يضعف، ييأس، وينهزم من الداخل أحياناً([5])
هذا التعقيد السيكولوجي جعل من الشخصية بؤرة درامية بالغة التوتر. أدرك الروائي أن صناعة "بوق أيديولوجي" يقتل الفن الروائي ويسطح الوعي، لذلك وجه أدواته السردية نحو الحفر في البواطن والسرائر. لم يعد الصراع محصوراً مع "العدو الخارجي" الواضح فقط، بل انفتح على جبهات أشد شراسة مع "الأعداء الداخليين". رأينا البطل الروائي يواجه البيروقراطية الثورية المتكلسة، وتجار الشعارات، والقيادات الفاسدة التي تثرى من دماء المخيمات، والمثقفين الانتهازيين الذين يبيعون الوهم([6])
لقد أصبحت محاكمة الذات، وجلدها أحياناً بأسواط السرد، جزءاً عضوياً من بنية الشخصية، حيث تختلط أصوات التضحية بأصوات العبث، لتنتج تراجيديا روائية مروعة الصدق. الشخصية الروائية في هذه الحقبة لم تعد تبحث عن انتصار عسكري سهل، بل تبحث عن "معنى" لوجودها في عالم فقد بوصلته الأخلاقية.
ثانياً: سيميائية المكان وهندسة الفضاءات المفتوحة على الجحيم
المكان في الرواية الحديثة لم يعد مجرد وعاء هندسي أو مسرح جامد يحتوي الأحداث، بل أصبح فضاءً دلالياً تتجسد فيه رؤية الكاتب وتتشكل عبره هويات الشخوص. والمكان في الرواية العربية الدائرة حول فلسطين (1970-1985) شهد تحولات سيميائية حادة ومؤلمة. غابت صورة "القرية الفردوسية" الوادعة وبيارات البرتقال الحالمة التي هيمنت على روايات الحنين والبدايات، لتحل محلها فضاءات قلقة، ديستوبية، خانقة، وكابوسية تعكس وطأة المنفى وحصار الجغرافيا الملعونة([7])، وقد وتجسد ذلك في:
1. المخيم: رحم الغضب وبؤرة التشكل
لم يعد المخيم في هذه الحقبة مجرد مساحة طارئة للبؤس المادي والخيام الممزقة التي تنتظر وكالة الغوث. لقد تحول سردياً إلى مؤسسة نضالية قائمة بذاتها ؛ "وطن بديل" و"فلسطين مجازية". أصبح المخيم فضاءً سوسيولوجياً معقداً يضج بالحياة التحتية التي تتناسل فيها مشاريع التمرد وتتشابك فيها العلاقات الإنسانية والطبقية. التقطت الكاميرا الروائية نبض المخيم اليومي بدقة مجهرية: أزقته الضيقة التي تشبه شرايين متصلبة، أسطح الزينكو التي تغلي في الصيف وتتجمد في الشتاء، الروائح المختلطة بين البارود والقهوة المهيلة، والأسلاك الشائكة التي تحدد هويته. بات هذا المعمار العشوائي معادلاً موضوعياً للاحتقان والثورة([8])
غير أن هذا الفضاء أثبت هشاشته الدموية لاحقاً في الروايات التي وثقت اجتياح بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا، حيث أصبح المخيم مسرحاً للموت المجاني يُذبح فيه الفلسطيني على مرأى من "العالم الحر"، مما حوّل المخيم في السرد من "قلعة محصنة للمقاومة" إلى "مصيدة للموت"، تنفتح فيها الأرض لتبتلع سكانها.
2. بيروت والمدن العربية: المتاهة الكافكاوية
تصدّرت العواصم العربية (وتحديداً بيروت، دمشق، عمان، وبغداد) الجغرافيا الروائية غير أن "بيروت" حظيت بالقداسة السردية الكبرى، مُفرزةً "ديستوبيا حضرية" متناقضة بين "الرحم" الفدائي و"المسلخ"؛ لتستحيل إلى "متاهةٍ كافكاوية" ابتلعت البطل في اغترابٍ مُركّب يجسّد مأساة "الأخ المطارد في بيت أخيه"([9])
ولم يكن هذا الاغتراب سوى انعكاسٍ لفضاءاتٍ صغرى داخل هذه العواصم؛ (كالغرف المستأجرة الباردة في الطوابق السفلية وأقبية المخابرات وموانئ الرحيل) لتستحيل المدينة العربية إلى "زمكان" ضاغطٍ يُعمّق أزمة الانتماء ؛ حيث بات الفلسطيني يسير حاملاً هويته كـ"تهمة أمنية"، راكضاً نحو وطنٍ غدا حلماً يضيق ويبتعد باستمرار.
3. السجن والحاجز العسكري: هندسة القهر وإعادة صياغة الجسد
في الروايات التي قاربت الداخل الفلسطيني، أو تلك التي وثقت تجارب الاعتقال السياسي لدى الأنظمة العربية الديكتاتورية، برز "السجن" و"الحاجز العسكري" كفضاءات سردية مكثفة. الحاجز العسكري الإسرائيلي ليس نقطة عبور جغرافية، بل هو مقصلة للكرامة ومسرح للإذلال اليومي الممنهج، يقف عليه البطل مجرداً من كل شيء إلا من وعيه بقهره وعجزه([10])
وإزاء المُصادرة الكلية للجغرافيا في الزنازين، برز "الجسد" كخريطة للتعذيب والمقاومة، متكئاً على "جغرافيا الذاكرة" وتمدّد الزمن الداخلي لقهر المكان؛ لتستحيل الزنزانة سردياً ساحةً لمعركة الإرادات وإعادة تعريف الحرية، وفضاءً لاكتشاف الذات الداخلية بعيداً عن زيف العالم الخارجي([11])
ثالثاً: تشظي الزمن الروائي وتكسير الكرونولوجيا الخطية وعبثية الانتظار:
انعكس الشتات الدامي والأزمات المتلاحقة على بنية الزمن الروائي، محطماً "الزمن الكرونولوجي الخطي" لعجزه عن استيعاب تراجيديا التمزق لتحل محله فكرة "الزمن الدائري أو المتشظي" كمعادل فني لانهيار فكرة التقدم التاريخي عقب صدمات أيلول واجتياح بيروت([12])
وبوعي تقني عالٍ، عمد الروائيون إلى تكسير "الزمن الميكانيكي" الرتيب لصالح هيمنة "الزمن النفسي" واستراتيجيات التداخل والانقطاع. حيث تكثف توظيف تقنيات "الاسترجاع" و"الاستباق" و"تيار الوعي" لكسر انسيابية الحدث السردي.
لتغدو أدواتٍ فاعلة للحفر العميق في لاوعي الشخوص المحبطة([13])
وتجسيداً لهذا الغوص النفسي تنطلق شرارة السرد من لحظةٍ حاضرةٍ مصيرية تُفجّر تداعياً حراً للذاكرة، ليلتحم عبره ماضي المدن المفقودة بالحاضر الكابوسي والمستقبل الضبابي([14])
هذا التشظي الزمني ليس ضعفاً تقنياً من الكاتب، بل هو "معادل بنيوي" لتشظي الذاكرة الفلسطينية والذات العربية. الزمن الروائي هنا هو زمن "مريض"، مثقل بـ "فلسفة الانتظار"؛ انتظار لا يتحقق، انتظار التصريح الأمني، انتظار العودة المستحيلة، انتظار توقف القصف. هذا الانتظار يتحول سردياً إلى حالة عبثية تشل حركة البطل، حيث يفقد الزمن دلالته المتنامية ليصبح مجرد اجترار متواصل للألم والفقد والمكابدة، ويصبح الماضي هو الملاذ الوحيد المتبقي أمام بشاعة الحاضر([15])
رابعاً: البوليفونية (تعدد الأصوات) وموت الراوي العليم السلطوي
على صعيد التشكيل التقني، شهدت هذه الحقبة هجرة جماعية ومقصودة لـ "الراوي الكلي للمعرفة" (الراوي الأوحد) ؛ ذلك الصوت الأحادي السلطوي الذي يتدخل في مصائر الشخوص، يعلق على أفعالهم أخلاقياً، ويحتكر امتلاك الحقيقة وتوجيه القارئ أيديولوجياً ([16])
هذا الراوي الديكتاتوري لم يعد يتناسب بأي شكل مع واقع ملتبس، دموي، تتداخل فيه الرؤى وتنهار فيه المطلقات وتتساوى فيه الخيانات، فاقتضت الضرورة الفنية والسياسية معاً اللجوء إلى تقنية "تعدد الأصوات" (البوليفونية) أو السرد المتعدد.
وبوعيٍ عميق أدرك الروائيون المبدعون أن مأساة بحجم القضية الفلسطينية، والهزائم العربية المتلاحقة، أضخم من أن تُروى بصوت واحد يدعي احتكار الصواب. لذا، أسندوا مهمة السرد لعدة شخصيات داخل الرواية الواحدة. تتناوب الشخصيات على إدارة دفة التبئير (Focalization)، وكل شخصية تروي الكارثة وتبرر أفعالها أو خياناتها من زاويتها الخاصة، وبمستواها اللغوي الخاص، وبحمولتها الأيديولوجية والطبقية([17])
هذا التعدد أحدث ثورة سردية، وخلق "ديمقراطية نصية" تعارض بامتياز ديكتاتورية الواقع العسكري والسياسي الخارجي الذي يصادر حق الفرد في الكلام وقد استوعب النص الروائي تعددية الأصوات المأزومة والصامدة، متجاوزاً ذلك بجرأة لتوظيف "صوت الآخر" الصهيوني، لا بغرض أنسنته، بل لتفكيك أسطورته سردياً وتعرية هشاشته وقلقه الوجودي خلف ترسانة المجازر([18])
وترافق ذلك مع توظيف "ضمير المخاطب" لخلق محاكمة سردية تورط القارئ في جلد الذات، وتُحيل الرواية إلى منصة لتعرية الهزيمة وفضح التواطؤ الجمعي([19])
خامساً: البعد القومي لفلسطين: المرآة الكاشفة لعورات الاستبداد والمأزق العربي:
من الظواهر الاستثنائية التي وثقتها قراءتنا المتأنية والمستفيضة لهذا المتن الإبداعي، أن "رواية فلسطين" لم تكن حكراً مقفلاً على أقلام الروائيين الفلسطينيين. بل شهدت الفترة (1970 - 1985) تدفقاً هائلاً ونوعياً وغير مسبوق من الروائيين العرب (من مصر، سوريا، العراق، لبنان، ودول المغرب العربي) الذين اتخذوا من فلسطين، وشخوصها، ومآسيها تيمة مركزية ومحركاً درامياً في أعمالهم الروائية([20])
واللافت أن حضور فلسطين تجاوز مجرد التعاطف القومي السطحي، لتُوظَّف روائياً كـ"مرآة فاضحة" للواقع العربي المأزوم بأسره ! حيث اتخذ الروائيون من رمز الفدائي بياناً لاذعاً لإدانة استبداد الأنظمة في بلدانهم، وتعرية تهافت الشعارات الجوفاء ([21]) حتى استحال الرمز الفلسطيني سردياً إلى مقياس نقدي يفضح الاستبداد المزدوج (الاحتلال الصهيوني في الخارج، والأنظمة المستبدة في الداخل)، ليؤكد الروائيون أن طريق تحرير الوطن يمر حتماً عبر تحرير الإنسان العربي من جلاديه في الداخل([22])
وبالتالي، شكّلت روايات تلك المرحلة لائحة اتهام تاريخية للأنظمة المتواطئة، لتغدو فلسطين سردياً هي "الذات العربية" عينها لا مجرد "الآخر" المتضامن معه ؛ حيث جسّد سقوط العواصم المزدوج (بالقصف والاستبداد) انهياراً للانتماء القومي وانزلاقاً نحو العدمية([23])
سادساً: التناص والميثولوجيا و"الواقعية الرمزية" كأسلحة سردية مضادة
لمواجهة بشاعة الواقع واستحالة التعبير عنه باللغة التقريرية العادية الصحفية، وتفادياً لمقص الرقيب العربي الجاهز دائماً لخنق الكلمة المباشرة، لجأ الروائيون بين 1970 و1985 إلى التخلي التام عن الخطابية المباشرة (لغة المنشورات والبيانات العسكرية الرنانة) وانحازوا إلى أفق "الواقعية الرمزية"، مستفيدين بذكاء من إرهاصات "الواقعية السحرية" التي بدأت تتسرب بقوة للأدب العربي متأثرة بأدب أمريكا اللاتينية([24])
وتجسيداً لذلك، استدعى الكُتّاب الميثولوجيا القديمة والنصوص الدينية وأساطير الفداء والانبعاث، لإسقاطها ببراعةٍ فنية على تراجيديا الواقع الفلسطيني المعاصر ([25]) فتجلى ذلك بمقاربة الفدائي بـ"المسيح" وبيروت بـ"طروادة"، بينما تحولت رموز الطبيعة كالزيتون والبرتقال والبحر إلى أيقونات ميتافيزيقية تجسد التجذر والاغتراب وحصار الأحلام([26])
كما منح "التناصُ" القضيةَ بُعداً ملحمياً، بينما تحوّل استثمار الفولكلور وتوثيق القرى الممحاة إلى "مقاومة سردية" واعية مضادة لسياسات التهويد ؛ لتحفظ الروايةُ بذلك فلسطينَ في مُتخيّلٍ سرديّ عصيّ على التدمير والمصادرة من قِبل آلة المحو الصهيونية([27])
سابعاً: جدلية المثقف المنفصم وإدانة نخب الهزيمة
من المحاور الأبرز والأكثر إثارة للجدل والنقد اللاذع في رواية (1970 - 1985) هي تعرية شخصية "المثقف المأزوم" أو "المثقف المنفصم" والعدمي. النكسة وما تبعها من مجازر دموية في المخيمات وصولاً إلى الخراب العظيم في اجتياح بيروت، وضعت المثقف العربي أمام مرآة الحقيقة القاسية، وكشفت خواء مشروعه التنظيري العاجز أمام شراسة الدبابة الإسرائيلية وبطش المخابرات العربية([28])
وفي هذا السياق قدمت الرواية تشريحاً سيكولوجياً قاسياً ومريراً للمثقف الذي يُنظّر للثورة المسلحة والكفاح الشعبي وهو جالس في مقاهي العواصم الآمنة وبارات أوروبا، يلوك المصطلحات الماركسية والقومية المستوردة، ويُدمن الكحول هرباً من واقعه، بينما يدفع الفلاح البسيط واللاجئ المعدم في أزقة المخيمات ضريبة الدم واللجوء والموت اليومي. هذا الانفصام الحاد بين الفكر المستورد والممارسة الميدانية، كان هدفاً لسخرية الروائيين ونقدهم الذاتي اللاذع([29])
وبهذا عرّت الروايات زيف النخب الانتهازية في مقابل الاحتفاء بـ "المثقف العضوي المشتبك"، معلنةً عبر هذه الثنائية السقوط المدوي لعصر التنظير الأجوف والمزايدات الفكرية([30])
ثامناً: تحولات صورة المرأة: من وعاء الرثاء إلى صانعة الفعل التاريخي
شهدت هذه الحقبة انقلاباً سوسيولوجياً جذرياً حطّم القوالب السلبية لصورة المرأة في السرديات السابقة ؛ مُحرراً إياها من التنميط الذكوري الجامد كـ"أرضٍ سليبة"، أو "أمٍ باكية"، أو "عِرضٍ" تحرسه التقاليد([31]) حيث تمردت المرأة سردياً على سلبيتها لتغدو محركاً للتاريخ وشريكاً ندياً في معركة الوجود استجابةً للتحولات السوسيولوجية وتصاعد الكفاح، فتجسدت صورتها روائياً في المقاتلة الشرسة، والمثقفة الثائرة، والأم الفولاذية الصامدة أمام سياط الجلادين رافضةً الانكسار ([32])
وهكذاتجاوزت المرأة سردياً قالب "مُنجبة الشهداء" لتغدو شريكةً فاعلةً في القرار والميدان، كاسرةً بذلك قيود النظام البطريركي. ليؤسس النص وعياً جذرياً يربط حتمياً بين تحرير الذات الأنثوية وتحرير الوطن، مؤكداً ألا حرية لأرضٍ نساؤها مقمعات([33])
تاسعاً: جماليات القبح والكوميديا السوداء وتغريبة البحر (ذروة أدب الحصار):
إن القراءة الفاحصة لتطور الرواية في هذا الإطار الزمني تقتضي التوقف عند ما أسميه نقدياً "جماليات القبح" التي بلغت ذروتها التعبيرية المخيفة عقب اجتياح لبنان وحصار بيروت صيف 1982. لقد تخلت الرواية كلياً عن "اللغة الرومانسية المنمقة" والبلاغة الكلاسيكية والمحسنات البديعية التي باتت تبدو سخيفة ومستفزة، بل وغير أخلاقية، أمام مشاهد الأشلاء الممزقة ورائحة الفوسفور الأبيض والدمار العشوائي([34])
وترجمةً لهذا التحول اعتمد الروائيون لغة صادمة، قاسية، وعارية من الزيف. وُصفت مشاهد قصف المستشفيات، وروائح الجثث المتفحمة والمتحللة في مجزرة صبرا وشاتيلا، بلغة حادة ومباشرة تهدف إلى "صفع القارئ" وإخراجه من حالة التلقي المريح والتخدير العاطفي. لم تعد الرواية تبحث عن إمتاع المتلقي جمالياً، بل عن إزعاجه، وتوريطه، وجعله يشعر بشراكة العار في الصمت العالمي والعربي([35])
وترافق ذلك مع توظيف "الكوميديا السوداء" والمفارقة التراجيدية كسلاحٍ هجوميّ يجلد الخطابات الرسمية الجوفاء ؛ مُفككاً سردياً عبثية الضمير العالمي المنافق الذي يراقب المجازر متشدقاً بحقوق الإنسان، حيث تحولت رمزية "البحر" -في ذروة أدب الخروج من بيروت (1982)- من نافذة للأمل إلى جدار مائي وطريق للمنفى الجديد ؛
لتُصوَّر مشاهد الرحيل عبره كتغريبة ثانية ابتلعت البندقية، تاركةً البطل الروائي في تيهٍ معاصر يواجه أسئلة العدم والضياع([36])
الخاتمة: شهادة النص على محاكمة العصر
في ختام هذه المقاربة النقدية التحليلية المعمقة، والتي غطت حقبة مفصلية من تاريخ الرواية العربية الحديثة (1970 - 1985) بكل احتقاناتها، ودمويتها، وتحولاتها الإبستمولوجية والجمالية، يمكننا الجزم، بناءً على قراءتنا المكثفة والمتفحصة للمتن الروائي المنجز، أننا نقف أمام واحدة من أخصب، وأعمق، وأقسى المدونات السردية في تاريخ الأدب العربي المعاصر. إن هذه الفترة التاريخية لم تكن مجرد سنوات عابرة في التقويم الزمني العربي، بل كانت بمثابة الزلزال الذي أيقظ الضمير السردي، وزلزل المفاهيم الكلاسيكية للرواية العربية، فهي لم تكن مجرد حبرٍ على ورق، بل كانت محاولة جادة ومستميتة لإنقاذ الذاكرة من براثن الضياع، ولتثبيت الحق في الوجود في زمنٍ كان يبذل قصارى جهده لمحو وتزييف وعي الشعوب العربية تحت وطأة الهزائم العسكرية المتلاحقة، والانهيارات السياسية المدوية التي جعلت من "الرواية" ساحة للمواجهة الأخيرة، ومركباً للنجاة حين غرقت مراكب السياسة الرسمية في بحور الانكسار والخذلان.
لقد أثبتت الرواية العربية في هذه السنوات الخمس عشرة أنها لم تكن صدىً باهتًا أو ملحقاً تابعاً للأحداث السياسية والعسكرية، ولم تكن صياغة روائية للبيانات الإذاعية الرنانة أو الخطابات الأيديولوجية المباشرة التي تستهلكها اللحظة، بل كانت "مختبراً" إبداعياً حقيقياً وفضاءً موازياً تم فيه تشريح الروح العربية والفلسطينية المأزومة واستنطاق مكبوتاتها التي عجزت السياسة عن قولها أو الإفصاح عن تعقيداتها النفسية. لقد نجح الروائيون ببراعة واقتدار في إحداث قطيعة فنية ومعرفية صارمة مع سرديات البكاء السطحي والرثاء الكلاسيكي للديار المفقودة، مُتجاوزين مرحلة "النواح الأدبي" نحو بناء روائي مركب وحديث، يستوعب صدمة الحداثة وهزيمة الواقع في آنٍ واحد، مستخدمين أحدث ما توصلت إليه التقنيات السردية (كتيار الوعي، والبوليفونية، وتكسير الزمن، وتوظيف الأسطورة والمفارقة الساخرة) لخدمة الفكرة وإغناء البعد الجمالي، دون الوقوع في فخ التنظير البارد أو الانغلاق التقني المتعالي على جراح الناس؛ فكانت الرواية بذلك صوت من لا صوت لهم، وملاذ الذاكرة حين تلاشت الأوطان تحت وطأة النكبات المتوالية، لتؤسس بذلك لجماليات جديدة قائمة على أنقاض الهزيمة، جماليات لا تجمّل القبح بل تعرّيه وتجعله موضوعاً للتأمل والمساءلة الأخلاقية العميقة.
وبفضل هذا التطور الجمالي والمناخ السردي المتشظي، تجاوزت القضية الفلسطينية في هذا المنجز الروائي الفذ كونها مجرد جغرافيا محتلة أو قضية سياسية طارئة، لتصبح "ميتافيزيقا" للرفض والمكابدة، ومرآة فاضحة تعكس تجليات الاستبداد، والقمع الداخلي، والانهيار القيمي، والتخلف الاجتماعي في العالم العربي قاطبة. لقد أدركت الرواية ووثقت حقيقة مرة مفادها أن هزيمة الخارج العسكري ما هي إلا تحصيل حاصل لهزائم وعفونات الاستبداد وقمع الحريات في الداخل العربي؛ إذ تحولت المعركة من مجرد "تحرير الأرض" إلى معركة أعمق تتعلق بـ "تحرير الإنسان" الذي سحقه الاستبداد والمجتمع الذكوري والتقاليد البالية، لتصبح الرواية بذلك وثيقة أخلاقية تُحاكم عصرها وتكشف زيف شعاراته التي أدت إلى تلك الهزائم المدوية. لقد أصبح البطل الروائي في هذه النصوص، سواء أكان مقاتلاً أم مثقفاً أم امرأة، تجسيداً لإنسان يواجه العالم بأسره، يرفض الانكسار، ويحاول إعادة بناء كينونته من بين ركام الحروب الأهلية والاجتياحات الخارجية، مما يمنح هذه الأعمال بُعداً إنسانياً عالمياً يتجاوز حدود المكان والزمان ليلامس جوهر الوجود الإنساني في لحظات سقوطه ونهوضه.
إن هذه الروايات، التي كُتبت على عجل في غرف بيروت المحاصرة، وعلى طاولات مقاهي دمشق وعمان، وفي غرف منافي أوروبا الباردة، ستظل الشاهد الأطول عمراً والأكثر نفاذاً وصدقاً على جيل كامل تأرجح بحدة مرعبة بين رومانسية الحلم الثوري بالتحرير الكامل، وقسوة الكوابيس الارتدادية للهزائم المتلاحقة. لقد نجحت هذه الأعمال في تحويل الانكسار الشخصي والوطني إلى مادة إبداعية خالدة، ولم تكتفِ بكونها توثيقاً تاريخياً فحسب، بل تحولت إلى كائنات لغوية حية تمتلك قدرة فائقة على استنطاق الحاضر ومساءلته، فصارت نصوصاً قادرة على استعادة حضورها وتأثيرها في كل لحظة انكسار جديدة تمر بها الأمة. إن الرواية هنا لم تكن مجرد فن، بل كانت "ممارسة وجودية" تهدف إلى إثبات الذات في مواجهة العدم، ومقاومة الصمت في عالم يضج بالتواطؤ. إن الكاتب في تلك الحقبة لم يكتب لينشر، بل كتب ليحمي وعيه من التآكل، وليحفظ هوية شعبه من التبدد في دروب المنافي والشتات، وليقول للعالم إن الفلسطيني لم يمت، بل تحول إلى ذاكرة ترفض الغياب.
وتبقى قراءتها اليوم، من منظور نقدي أكاديمي متجدد، أداة لا غنى عنها ليس فقط لفهم تاريخ الأدب وتطوره المذهل، بل لفهم سايكولوجيا الأمة بأسرها، ومساءلة حاضرها المأزوم والمكرر الذي لا يزال يدور، بشكل أو بآخر، في فلك ذات الأسئلة المفتوحة والمؤلمة التي طرحتها تلك النصوص الدامية والمدهشة في آن واحد. إن العودة إلى هذه المدونة ليست استحضاراً للماضي بقدر ما هي محاولة لفك شفرات الحاضر الذي لم يخرج بعد من "نفق" أسئلة 1982؛ إذ تظل هذه الروايات هي "الذاكرة المتقدة" التي تحمي الأمة من النسيان، وتؤكد أن الكلمة، حينما تُكتب بصدق الدم، لا تموت، بل تظل حية تتحدى تقادم الزمن، وتنتظر قارئاً جديداً يفكك أسرارها ويستوعب دروسها التي لم تُستوعب بعد، لتظل هذه النصوص بوصلة للأجيال القادمة في بحثها الدؤوب عن الحرية، والهوية، والوجود، ولتكون مرجعاً نقدياً يُذكرنا بأن الرواية، في جوهرها، هي فعل مقاومة أصيل ضد الزيف والمحو، وضد كل ما من شأنه أن يغيب الحقيقة أو يطمس الملامح. في هذا الفضاء السردي، وجدنا أنفسنا أمام محاكمة كبرى للعصر، محاكمة لم تنتهِ فصولها بعد، بل لا تزال تتردد أصداؤها في كل زاوية من زوايا واقعنا الراهن، مما يجعل من هذه الدراسة ليس فقط نظرة إلى الوراء، بل استشرافاً لمستقبل يظل فيه سؤال فلسطين هو البوصلة الأولى والأخيرة لكل باحث عن معنى للعدالة والكرامة الإنسانية في هذا العالم المضطرب الذي لا يزال يطحن أحلام الشعوب ويحاصر حقها في التطلع نحو فجرٍ جديد، فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد أسئلته الحارقة التي لا يطفئها إلا وعيٌ سرديٌ شجاع، وروايةٌ جريئة ترفض أن تكون أقل من حقيقة المعاناة الإنسانية.
المــــصادر
– حبيبي، المتشائل (1974)
– جبرا، صيادون في شارع ضيق (1974)
– صنع الله إبراهيم، نجمة أغسطس (1974)
– خليفة، الصبار (1976)
– أبو شاور، العشاق (1978)
– جبرا، البحث عن وليد مسعود (1978)
– خليفة، عباد الشمس (1980)
– الراهب، الوباء (1981)
– خوري، الوجوه البيضاء (1981)
- يخلف، تفاح المجانين (1982)
- صنع الله إبراهيم، بيروت بيروت (1984)
- نصر الله، براري الحمى (1985)
– زفزاف، المرأة والوردة (1972)
المــــراجع
(أ)الكتـــــــــــــب:
إبراهيم، السردية العربية الحديثة (2003)
برادة، لغة الطفولة والحلم (1986)
دارج، الرواية وتأويل التاريخ (2004)
شكري، أدب المقاومة (1970)
فضل، منهجية الواقعية (1978)
يقطين، تحليل الخطاب الروائي (1989)
العيد، تقنيات السرد الروائي (1990)
(ب)دوريـــــــــــــــات ومجلات ثقافية
– مجلة الآداب، بيروت (أعداد متفرقة من فترة السبعينيات والثمانينيات المخصصة للأدب الفلسطيني).
- مجلة الكرمل، نيقوسيا/بيروت (الأعداد المتخصصة في نقد أدب الحصار والمقاومة 1982-1985)
– مجلة الطريق، بيروت (دراسات نقدية في الأدب الواقعي والملتزم)
(ج) المراجع الأجنبية المترجمة
– باختين، الخطاب الروائي (1987)
– باشلار، جماليات المكان (1980)
– جينيت، خطاب الحكاية (1997)
– فورستر، أركان القصة (1960)
– لوكاش، نظرية الرواية (2007)
([1] ) البحث عن وليد مسعود" لجبرا: تجسيد لأزمة الهوية والغياب.
([2] ) "بيروت بيروت" لصنع الله إبراهيم: صدمة الحصار والانكسار.
([3] ) "براري الحمى" لنصر الله: تيار الوعي وتفكيك أزمة الشتات.
([4] ) "الصبار" لخليفة: نقض أسطورة الفدائي بشخصيات إشكالية.
([5] ) "الوباء" للراهب: تشريح نفسي لأزمة البطل وعجزه.
([6] ) "الوجوه البيضاء" لخوري: إدانة فساد النخب والتنظير.
([7] ) "المتشائل" لحبيبي: الانتقال للديستوبيا الجغرافية.
([8] ) "العشاق" لأبو شاور: المخيم كبؤرة للمقاومة.
([9] ) "صيادون في شارع ضيق" لجبرا: المدينة كمتاهة اغتراب.
([10] ) "تفاح المجانين" ليخلف: السجن كمختبر للصمود.
([11] ) "نجمة أغسطس" لصنع الله إبراهيم: الذاكرة كجغرافيا دفاعية.
([12] ) "البحث عن وليد مسعود" لجبرا: كسر الخطية الزمنية وتشتت الهوية.
([13] ) "براري الحمى" لنصر الله: تيار الوعي لتفكيك الزمن.
([14] ) "المرأة والوردة" لزفزاف: التحام الذكرى بالحاضر الكابوسي.
([15] ) "المتشائل" لحبيبي: عبثية الانتظار وشلل المستقبل.
([16] ) "البحث عن وليد مسعود" لجبرا: البوليفونية كبديل للراوي العليم.
([17] ) "الصبار" لخليفة: تعدد الأصوات وتعرية الأيديولوجيا.
([18] ) "المتشائل" لحبيبي: تفكيك صوت الآخر سردياً.
([19] ) "الوباء" للراهب: ضمير المخاطب كمحاكمة للذات.
([20] ) "نجمة أغسطس": فلسطين كمعيار أخلاقي عابر للحدود.
([21] ) "الوجوه البيضاء" لخوري: الفدائي كمرآة لاستبداد الأنظمة.
([22] ) "المرأة والوردة" لزفزاف: النقد الاجتماعي والمأزق العربي.
([23] ) "بيروت بيروت" لصنع الله إبراهيم: التماهي بين معاناة اللاجئ وقمع السلطة.
([24] ) "براري الحمى" لنصر الله: الانتقال للواقعية الرمزية والسحرية.
([25] ) "العشاق" لأبو شاور: التناص الميثولوجي لإضفاء طابع ملحمي.
([26] ) "صيادون في شارع ضيق" لجبرا: الطبيعة كرموز للحصار والاغتراب.
([27] ) "تفاح المجانين" ليخلف: الفولكلور كأداة مقاومة سردية.
([28] ) "البحث عن وليد مسعود" لجبرا: نقد المثقف المغترب.
([29] ) "الوباء" للراهب: إدانة الانفصام بين التنظير والميدان.
([30] ) "بيروت بيروت" لصنع الله إبراهيم: تعرية انتهازية النخب.
([31] ) "الصبار" لخليفة: تحطيم الصور النمطية للمرأة.
([32] ) "عباد الشمس" لخليفة: المرأة كشريك فاعل ومحرك للتاريخ.
([33] ) "المرأة والوردة" لزفزاف: ربط حرية الوطن بتحرر المرأة.
([34] ) "تفاح المجانين" ليخلف: جماليات القبح ولغة الصدمة.
([35] ) "المتشائل" لحبيبي: الكوميديا السوداء كأداة نقدية.
([36] ) "الوجوه البيضاء" لخوري: البحر كرمز للتيه بعد الخروج.
