السبت ١٨ تموز (يوليو) ٢٠٢٦
بقلم علي عبد الجليل علي

تهذيب الأخلاق .. العنوان التائه «1-2»

تهذيب الأخلاق.. العنوان التائه بين الجاحظ ويحي بن عدي ومسكويه وابن الهيثم وابن عربي) (1-2)

مقدمة:

تاريخ الأخلاق هو تاريخ الإنسان ذاته على الأرض، بيد أن هذا التاريخ قد مر بمراحل وأطوار تَجَلّت في ممارسات عملية تتابعت وتراكمت بفعل العوامل والأسباب؛ حتى تحولت مع الوقت إلى منظومة أخلاقية تتوارثها الأجيال، فلم يَخْلُ تاريخ أمة كبيرة أو جماعة بشرية صغيرة مِنْ وَضْع منظومة أخلاقية تُمَيّز بين الفضيلة والرذيلة وبين الخير والشر، وتهدف إلى حماية السلوك الإنساني وتسعى إلى تهذيبه وترقيته، استنادا إلى ما تمليه الأديان من ناحية أو ما تفرضه العادات والتقاليد والأعراف الجماعية من ناحية أخرى، أو ما ترسمه الطبائع الشخصية للأفراد من ناحية ثالثة.

وقد ظل التعبير عن هذه المنظومة الأخلاقية – عبر عقود وقرون – في شكلين لا ثالث لهما: الأول: هو الممارسة العملية، والثاني: هو المقولات النظرية الشفهية المتوارثة، حتى جاءت الكتابة -في صورتها البدائية البسيطة ثم في صورتها المتطورة -لتمنح هذه المنظومة شكلا ثالثا في التعبير عنها والتقنين لها، فظهرت مدونات كتابية في الهند وفارس وبلاد الرافدين وفي مصر القديمة، تمثلت في وصايا وإرشادات وآداب عامة ترسم ملامح السلوك الإنساني المنشود، وظهر في الحضارة اليونانية القديمة بداية من شعر الملاحم كما في الإلياذة والأوديسة لهوميروس، ووصولا إلى فلسفة أفلاطون وأرسطو الأخلاقية وغيرهما من فلاسفة اليونان والرومان.

وقد عرف العرب قبل الإسلام – مثل غيرهم من الأمم – تلك المنظومة الأخلاقية التي لم تكن بعيدة عن واقعهم الديني والسياسي والاجتماعي؛ فَعَبَّرُوا عنها شعرا ونثرا وممارسة عملية تناقلوها بالرواية والمشافهة، فلم يُؤْثَر عنهم كتاب مُدَوّن يحفظ تلك المنظومة، ثم جاء الدين الإسلامي بما رسمه من منهج أخلاقي فريد عبر آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة – قولا وفعلا – وما أُثِر عن الصحابة والتابعين – قولا وفعلا، وكان مصدر هذه المنظومة الأخلاقية هو الوحي الإلهي الذي ارتبط -ولأول مرة في تاريخ العرب -بالتدوين والكتابة فضلا عن الرواية والمشافهة، فتحول التعبير عن المنظومة الأخلاقية من المرويات إلى المدونات.

وانتقلت العقلية العربية بفضل ما تراكم لديها من أدبيات المنظومة الأخلاقية الإسلامية، وما توارثتها من عادات وتقاليد وأعراف عربية، وما تلقفته من الحضارات والثقافات الأخرى (الهندية والفارسية واليونانية)، بفضل الترجمة والاحتكاك المباشر بعد حركة الفتوحات الإسلامية، انتقلت إلى مرحلة التأليف في الأخلاق علما وسلوكا وفلسفة.

وقد زخر التراث العربي بالعديد من الكتب والمؤلفات التي اهتمت بموضوع الأخلاق، ومن ضمن هذه المؤلفات كتب وَضَعَت في عنوانها كلمة (تهذيب) سابقة لكلمة (الأخلاق)، وهذا العنوان تحديدا قد أثار العديد من الإشكاليات قديما وحديثا؛ لما ظهر من التباس في نسبته إلى بعض العلماء والفلاسفة والمفكرين العرب، ويسعى هذا المقال إلى تحقيق هدفين: الأول هدف عام يتمثل في التذكير بجهود العرب القدامى في التأليف والكتابة في موضوع الأخلاق، واقتضى ذلك التنويه –بإيجاز- إلى نماذج من تلك الجهود، والثاني هدف خاص يتمثل في إزالة هذا اللبس وتفكيك هذا الخلط الذي وقع فيه عدد من الدارسين المحدثين في عنوان كتاب (تهذيب الأخلاق)، واستلزم ذلك تتبع كل مَنْ نُسِب إليهم الكتاب، والنظر تفصيلا في صحة هذه النسبة أو نفيها.

والمقال مقسم إلى مقدمة تستعرض جزءا يسيرا من تاريخ التأليف في موضوع الأخلاق عند العرب، وصولا إلى المؤلفات التي تحمل عنوان (تهذيب الأخلاق)، حيث يقوم المقال بتحليل وتفكيك هذا العنوان والنظر في شيوع كلمة التهذيب في بعض المؤلفات، ثم يقوم بالنظر فيمن نُسب إليهم العنوان مُرَتَّبين ترتيبا تاريخيا بداية من الجاحظ ومرورا بيحيي بن عَدِيّ ومسكويه والحسن بن الهيثم وانتهاء بمحي الدين بن عربي، ومن خلال هذا التتبع والتحليل نحاول الوصول إلى صاحب الكتاب الحقيقي ترجيحا، ونفي نسبتها إلى غير صاحبها يقينا، ثم يُختم المقال بإجمال النتائج التي توصل إليها، وأهم التوصيات التي يُوصي بها.

أولا: تاريخ من التأليف في الأخلاق

حَظِي موضوع الأخلاق باهتمام بالغ في التراث الفكري العربي على المستوى الديني الإسلامي وعلى المستوى الفلسفي والنفسي وعلى المستوى اللغوي والأدبي، وزخرت المكتبة العربية في القديم والحديث على السواء بعدد هائل من المؤلفات في هذا العلم، بعضها يحمل اسم الأخلاق بشكل مباشر وبعضها يُعَبّر عن موضوع علم الأخلاق وإن لم يحمل هذا الاسم، ومنها ما يتناولها من زاوية التربية الأخلاقية أو من زاوية العلم المعياري الذي يضع القواعد، وأخرى من زاوية فلسفية ونفسية تبحث فيما وراء القواعد وتسعى لتفسير السلوك الإنساني.

وقد ظهر التأليف فيما يتعلق بموضوع الأخلاق عند العرب منذ وقت مبكر، وذلك كما رأينا عند عبد الله بن المقفع ت 143 هـ في كتابيه (الأدب الصغير) و(الأدب الكبير)()، وقد نَقَل فيهما ابن المقفع فرائد من الآداب والحِكَم الفارسية بأسلوب بياني عربي، ولهذا أُطْلِق على كتاب الأدب الكبير (رسالة في الأخلاق)().

واهتم الفلاسفة المسلمون بعلم الأخلاق على اعتبار أنه فرع من الفلسفة وذلك تأثرا بالفلسفة اليونانية، وبدأت تجليات هذا الاهتمام فيما كتبه الكِنْدِيّ ت 256 هـ في عدة رسائل منها (رسالة في خبر فضيلة سقراط) و (رسالة في الأخلاق) و (سالة التنبيه على الفضائل) و (رسالة في النفس وأفعالها)،وتجلى أيضاً في ترجمة (كتاب الأخلاق)() لأرسطو على يد إسحق بن حُنَيْن ت 298 أو 299 هـ.

ومن المؤلفات الفلسفية التي تناولت علم الأخلاق ما صنفه الفارابي ت 339 هـ في بعض كتبه الفلسفية، ومنها كتابه (تحصيل السعادة)()، ورسالة أخرى بعنوان (التنبيه إلى سبيل السعادة)()، وكتاب بعنوان (الأخلاق إلى نيقوماخوس لأرسطو)، إضافة إلى ما بثه من آراء وأفكار تخص علم الأخلاق في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة)().

ثم ظهرت رسائل إخوان الصفا في القرن الثالث الهجري حاملة خمسين مقالة تدور حول مسائل فلسفية عدة منها فلسفة الأخلاق، ولابن سينا ت 428 هـ كذلك مؤلفات في الأخلاق منها كتاب بعنوان (علم الأخلاق)()، إضافة إلى ما بثه عن الأخلاق في كتبه الأخرى، وظهرت مؤلفات عديدة في هذا الموضوع لعدد من الفلاسفة الآخرين كابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وإن كان هؤلاء الفلاسفة المسلمون قد تأثروا بالجانب الأخلاقي في الفلسفة اليونانية، وخاصة فيما طرحه أرسطو وأفلاطون.

وبجانب هذا التيار الفلسفي ظهر عدد كبير من المؤلفات التي نهجت نهجا دينيا إسلاميا في تناول موضوع الأخلاق، منها مؤلفات بعض علماء الحديث كالبُخاري وابن مَاجة وابن أبي الدُّنيا، حيث قامت مؤلفات هؤلاء وغيرهم على انتقاء عدد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت الأخلاق، ولكنها ابتعدت عن التنظير والتقسيم لمقولات علم الأخلاق كما ظهر عند الفلاسفة، ومن أوائل هذه المؤلفات كتاب (الأدب المفرد) للإمام البخاري ت 256 هـ، وكتاب (مكارم الأخلاق) لابن أبي الدنيا ت 281 هـ فهذا الكتاب"بيان للأخلاق الفاضلة التي يجب التحلي بها مقتبسة من الأحاديث"().

وتعاقبت الكتب والرسائل في هذا الاتجاه ومنها (رسالة المجالسة والجلساء) لأبي العباس السَّرْخَسي ت 286 هـ، وكتاب (أدب النفس الشريفة والأخلاق الحميدة) لأبي جعفر بن جرير الطَّبَري ت 310 هـ، وكتاب (أدب الدين والدولة) لعلي بن ربَّن الطبري ت حوالي 310 هـ، وكتاب (أخلاق العلماء) لأبي جعفر الآجُرِّي ت 360 هـ، وكتاب (السعادة والإسعاد) لأبي الحسن العامري ت 381 هـ، وكتاب (قوت القلوب) لأبي طالب المكي ت 386 هـ، وكتاب (أدب الدينا والدين) لأبي الحسن البصري الماوردي ت 450 هـ، وكتاب (الترغيب والترهيب) للحافظ المنذري الدمشقي ت 656 هـ، وكتاب (رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين) للحافظ النووي ت 676 هـ.

وفي الوقت ذاته كان ثمة اتجاه إسلامي آخر مزج بين الفكر الديني والفكر الفلسفي والصوفي كذلك، وتجلت هذه المؤلفات فيما كتبه الإمام أبو حامد الغزالي ت 505 هـ، الذي اعتنى بهذا الجانب وأفرد له مؤلفات، منها رسالة بعنوان (آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق)()، وكتاب (نجاة الأبرار) والذي عُرِف باسم (كتاب أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار) ويعد الإمام الغزالي وبحق"أكبر مفكري الإسلام اهتماما بالأخلاق التي تقوم على المبادئ الإسلامية الحقيقية"().

يضاف إلى ما سبق العديد من المؤلفات التي اهتمت بعلم الأخلاق دون أن تحمل اسم الأخلاق وإن عَبَّرت عنها، فحملت اسم الأدب أو الآداب أو الطبع أو الطباع أو الفضائل والرذائل..، وكان من جملة المؤلفات التي شاعت في أدبيات علم الأخلاق ما حَمَل عنوان (تهذيب الأخلاق)، وهذا العنوان تحديدا قد أثار نوعا من الجدل في نسبته إلى صاحبه، خاصة بعد نَشْر عدة كتب في العصر الحديث تحمل هذا العنوان منسوبا إلى غير واحد من مفكري العرب والمسلمين؛ لذا احتاج العنوان إلى وقفة نفكك فيها تركيبه اللغوي، ونرصد المؤلفات التي حملت هذا العنوان، وصولا إلى الكتاب المنشود المختلف في نسبته إلى مؤلفه.

ثانيا: عنوان التهذيب وتهذيب العنوان

ليس غريبا أو جديدا على كتب التراث أن يُنْسَب بعضها إلى غير صاحبها، أو أن يختلط العنوان إذا كان واحدا ومكررا فينسب إلى أكثر من مؤلف، فتلك إشكالية عرفها التراث في كل أمة وليس لدى العرب فحسب، وذلك يعود لأسباب كثيرة ليس هنا مجال دراستها بالتفصيل، وإن كان من أبرزها ضياع عدد كبير من مخطوطات الكتب التراثية، إضافة إلى أخطاء النُّسَّاخ والوَرَّاقين وما زادوه من عندهم على عنوان النسخة أو محتواها، أو ما يَعْتَور المخطوطات من تصحيف وتحريف، وانتهاء بعدم تدقيق بعض من يتصدى في العصر الحديث لتحقيق المخطوطات في التأكد من اسم المؤلف واسم الكتاب ونسبته إلى صاحبه.

وسوف نحصر هنا دائرة اهتمامنا في هذه المقالة بالمؤلفات والكتب التي عُنْونت بــ (تهذيب الأخلاق)، وهو عنوان مركب إضافي من كلمتين (تهذيب) و (الأخلاق)، وسوف نقف على الدلالة اللغوية للجزء الأول من العنوان دون الثاني، فالتهذيب في اللغة يعني التنقية والتخليص والإصلاح والتطهير، يقول ابن منظور:"هَذَب: التهذيب: كالتنقية، هَذَّب الشيء يُهذبه هذبا، وهذَّبه: نقَّاه وأخلصه، وقيل: أصلحه..،والمهذب من الرجال: المخلص النقي من العيوب؛ ورجل مهذب أي مُطَهر الأخلاق، وأصل التهذيب: تنقية الحنظل من شحمه، ومعالجة حبه، حتى تذهب مرارته، ويطيب لآكله"().

وهذا يعني أن (التهذيب) مقرونا ومضافا إلى (الأخلاق) له دلالته المضافة، حيث يعني تنقية الأخلاق مما يَشُوبها، وتخليصها مما يَسُوؤها، وإصلاحها مما يُفْسدها، وتطهيرها مما يُدَنِّسها، وهذه الدلالات كانت مغرية للكثير من المؤلفين في موضوع الأخلاق بل وفي غيره من الموضوعات المعرفية، لجعل هذا التركيب الإضافي عنوانا لبعض مؤلفاتهم.

لهذا كانت كلمة (تهذيب) شائعة في أسماء عدد من الكتب اللغوية والأدبية والفقهية والتاريخية، منها مثلا كتاب (تهذيب الطبع) لابن طباطبا العلوي ت 322 هـ الشاعر والناقد الأدبي، وكتابه هذا -وإن لم يصل إلينا -يعد كتابا أدبيا نقديا وليس كتابا في الطبع بمعناه الأخلاقي، وثمة كتاب آخر بنفس العنوان (تهذيب الطبع) للقاسم بن محمد الديمرتي الأصبهاني ت 355 هـ وهو لغوي وأديب، يقول ياقوت الحموي:"كتاب تهذيب الطبع يشتمل على قطعة كبيرة من نوادر اللغة"()، وهناك كتاب (تهذيب اللغة) لأبي منصور الأزهري ت 370 هـ، وكتاب (التهذيب في النحو) لأبي البقاء العكبري ت 616 هـ، وهناك كتاب بعنوان (تهذيب الأخلاق بذكر مسائل الخلاف والاتفاق)() لمحمد بن محمد الأسدي القدسي ت 808 هـ، والكتاب ليس في علم الأخلاق، بل في مسائل الخلاف الفقهي.

وإذا كانت كلمة (التهذيب) قد شاعت في مؤلفات اللغة والأدب ومسائل الخلاف، فمن باب أولى أن تشيع وتستخدم في مجال الأخلاق، وهذا ما ظهر في بعض المؤلفات، فثمة كتاب بعنوان (تهذيب الأقوال والأعمال) لابن عراق الكناني ت 963 هـ المحدث الصوفي()، وهو كتاب في الأخلاق وعنوانه الكامل (تأديب الأقوال وتهذيب الأعمال وتربية البنات على أكمل الأحوال) ومازال مخطوطا لم يحقق فيما نعلم.

وكذلك للبرقي (أحمد بن أبي عبد الله محمد بن خالد ت 274 هـ أو 280 هـ) كتاب بعنوان (التهذيب)، وما جعلنا نؤكد أن هذا الكتاب في موضوع الأخلاق، أن البرقي كان محدثا ومؤرخا وله كتب عديدة في الأخلاق منها كتاب (أدب النفس) وكتاب (مذام الأخلاق) وكتاب (مذام الأفعال) و كتاب (مكارم الأخلاق)، وله كتاب بعنوان (الصيانة) التي ربما يقصد بها صيانة الأخلاق()، فمن كثرة تأليف البرقي في الموضوعات الأخلاقية لا نستبعد أن يكون كتاب (التهذيب) في هذا الموضوع رغم أن الكتاب لم يصل إلينا، ولابن حزم الأندلسي ت 456 هـ رسالة في الأخلاق تتضمن كلمة التهذيب وعنوانها (رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل)().

أما أحدث الكتب التي حملت هذا العنوان، فهو كتاب باسم (تهذيب الأخلاق) لعبد الحي فخر الدين الحسني من الهند توفي عام 1341 هـ()، لكن هذا الكتاب بعيد تماما عن هذا الجدل وذلك اللبس وإن اشترك في نفس العنوان، حيث اختلف عن متن الكتاب المتنازع عليه، فهو كتاب انتقى فيه مؤلفه من أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بالأخلاق، وابتعد عن المنحى الفلسفي أو النفسي.

ثالثا: لمن ينسب كتاب (تهذيب الأخلاق)؟

ليس غريبا أن تُصَدَّر المؤلفات التي تعني بالأخلاق بكلمة تهذيب كما رأينا عند تحليل دلالة الكلمة، لكن الغريب أن يُنْسب كتاب بهذا العنوان وبنفس المتن إلى الجاحظ ويطبع وينشر حديثا بهذه النسبة، ثم ينشر مرات منسوبا إلى يحي بن عدي، ومرات أخرى إلى ابن عربي، ثم ينشر بمتن آخر مختلف تماما منسوب إلى مسكويه، وينشر كذلك مرة منسوبا إلى الحسن بن الهيثم، وهذا التنازع أدي إلى حالة واضحة من الخلط والجدل، وجعل العنوان تائها حائرا لعقود، وهذا ما سوف نحاول أن نفصله فيما يلي.

(1) نسبة الكتاب للجاحظ ت 255 هـ

لم يكن الجاحظ (أبو عثمان عمر بن بحر ت 255 هـ) بعيدا عن التأليف في الأخلاق، بل إن له مساهمات جادة ومؤثرة في هذا المجال، ويمكن أن تقسم هذه المؤلفات العديدة إلى مؤلفات عامة في الأخلاق تخص جميع الناس، ومؤلفات فيها خصوصية الحديث عن فئات أو مهن معينة أو شعوب وأعراق محددة، ومؤلفات أخرى اخْتُصَّت بقيمة أخلاقية محددة، فمن مؤلفاته الأخلاقية العامة رسالة (المعاش والمعاد) حيث وصف الجاحظ في هذه الرسالة"الطباع التي رُكِّب عليها الخَلْق وفُطِرت عليها البرايا كلهم.."وبَيَّن فيها كيف تفترق بهم الحالات وتتفاوت بهم المنازل، وأوضح الفرق بين الطبع والعادة"وكيف يَتَأَتّى لينقض ما فيهم من الطباع المذمومة حتى تصرف إلى الشيم المحمودة"().

وهذه الرسالة -وبحق -تعد دراسة تحليلية وصفية للأخلاق الإنسانية وقف فيها وقفة المتأمل لكثير من أخلاق الناس المحمودة والمذمومة، فبعد أن وقف على عدد من الأخلاق المذمومة يقول"وبقدر ما ذمت الحكماء هذه الأخلاق الأربعة فكذلك حمدت أضدادها من الأخلاق..، فاجعل هذه الأخلاق إماما لك ومثلا بين عينيك"، ولهذا تعد رسالة المعاش والمعاد حقا رسالة في الأخلاق، وهذا ما أقره الجاحظ نفسه عندما ختمها بقوله:"تَمَّت الرسالة في الأخلاق المحمودة والمذمومة بعون الله ومنه"().

ومن مؤلفاته الأخلاقية الخاصة أي التي اختص بها فئات معينة من فئات المجتمع وأعراقه: (رسالة ذم أخلاق الكُتَّاب) وفيها يتحدث عن فئة الكُتّاب فعزم على تبيان"رداءة مذاهب الكُتَّاب وأفعالهم ولؤم طبائعهم وأخلاقهم"()، ومنها كذلك كتاب (أخلاق الملوك) أو (التاج في أخلاق الملوك)، وكذلك رسالة (مناقب الترك وعامة جند الخلافة)، والتي تحدث فيها عن مناقب كل شعب من الشعوب التي اجتمعت تحت مظلة الدولة العباسية، والأمر كذلك بالنسبة إلى رسالته (فخر السودان على البيضان)، والتي حلل فيها مناقب وطبائع السودان – ليست الدولة الحالية بل العِرْق – واصفا ما يتحلون به من دماثة الخلق وطيب النفس وحسن الظن وغير ذلك من خصال.

واهتم الجاحظ كذلك بالأخلاق الفردية فخصص بعض رسائله لدراسة نماذج من بعض القيم والأخلاق ليسلط الضوء عليها ويُفَصل القول فيها، مثل رسالته بعنوان (كتمان السر وحفظ اللسان)، وكذلك رسالة (الحاسد والمحسود)، ورسالة (النبل والتنبل وذم الكِبر)، أو رسالة (فصل ما بين العداوة والحسد)، ورسالة (في استنجاز الوعد)، أو رسالة (في المودة والخِلْطة).

وكل هذه الجهود التي بذلها الجاحظ في التأليف والتحليل والبحث في الأخلاق تتوج الجاحظ رائدا وعَلَما من أعلام القضايا والموضوعات الأخلاقية، وهذه الكثرة والتنوع في التأليف في موضوع الأخلاق ربما يكون سببا من أسباب نسبة كتاب (تهذيب الأخلاق) له، وذلك ليس جديدا على الجاحظ، فقد نُحِل له ونُسب إليه العديد من المؤلفات التي ليست له.

وهنا لابد من طرح التساؤل حول بداية هذا اللبس في نسبة هذا العنوان للجاحظ، وسوف نجد الإجابة في العصر الحديث حيث كَتَب (محمد كرد علي) مقالا بعنوان (كتاب تهذيب الأخلاق للعلامة الجاحظ) في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1924 م، يقول:"قد أسعدني الحظ مؤخرا بالعثور في جملة المخطوطات التي دخلت خزانة المجمع العلمي العربي في دمشق على مجموع لطيف من قطع الربع فيه عدة رسائل منها كتاب تهذيب الأخلاق للجاحظ وهو الذي أغتبط اليوم بنشره"().

لكن محمد كرد علي قد استدرك نسبة كتاب (تهذيب الأخلاق) للجاحظ،وعاد ونَسَب الكتاب ليحي بن عدي في الطبعة الثالثة من كتابه (رسائل البلغاء)() عام 1946 م، وكأنه صحح في هذه الطبعة ما كتبه في مقاله بمجلة المجمع العلمي بدمشق أو في كتابه الذي أصدره، وقد أخطأ محقق كتاب (تهذيب الأخلاق) لمسكويه في مقدمته ودراسته للكتاب()،حيث اعتبر أن الطبعة الثانية من كتاب (رسائل البلغاء) صدرت عام 1946 هـ، وأن محمد كرد علي قد استدرك الخطأ في الطبعة اللاحقة لها، والصحيح ما أثبتناه.

فبداية نسبة كتاب (تهذيب الأخلاق) للجاحظ في العصر الحديث كانت عند (محمد كرد علي)، وقد استند في هذه النسبة إلى إحدى المخطوطات، وأشار إلى هذه النسبة أيضا (كارل بروكلمان) في كتابه (تاريخ الأدب العربي)، لكن ما يميز بروكلمان أنه شكك في نسبة الكتاب إلى الجاحظ، ورَجَّح نسبته إلى يحي بن عدي، يقول"نَشَره محمد كرد علي في دمشق..، وهو بحسب مضمونه وأسلوبه من تصنيف أحد المسيحيين، والظاهر أنه عدي بن يحي – يقصد يحي بن عدي – الذي نُشر الكتاب باسمه قبل ذلك في القاهرة، كما نُشر أيضا باسم محي الدين بن عربي"().

ويمكن القول إن كارل بروكلمان كان أكثر دقة من غيره في نسبة هذا الكتاب أو في محاولة البحث عن صاحبه، وقد اتبع في ذلك منهجا علميا قائما على عدة خطوات أولها: التأكيد على أن مضمون الكتاب وأسلوبه ليس من أسلوب الجاحظ وطريقته في الكتابة وهذا صحيح ومؤكد، فالجاحظ يميل إلى الاستطراد والاستدلال بالقرآن أو الحديث وأشعار العرب وأقوالهم، وهذا ما لم يوجد في الكتاب الذي يتسم بالأسلوب الفلسفي الخالي من الطريقة البيانية التي عُرف بها الجاحظ.
وثاني خطوات بروكلمان أنه لم يجد في قوائم مؤلفات الجاحظ كتابا بهذا الاسم، وثالث خطواته أنه أشار إلى طبع الكتاب منسوبا إلى يحي بن عدي مرة وإلى ابن عربي مرة أخرى، وكل ذلك مما يؤكد بطلان نسبة الكتاب إلى الجاحظ، أو على أقصى تقدير يلقي بظلال من الشك حول نسبته إليه.

والغريب -بعد الاستدراك من محمد كرد علي وبعد كل هذا الجدل وتلك الشكوك التي أثارها بروكلمان- أن يُطْبع الكتاب في العصر الحديث بعنوان (تهذيب الأخلاق)() منسوبا إلى الجاحظ، وما أثار الدهشة أن الناشر لم يأخذ على نفسه مهمة التحقق من نسبة الكتاب إلى صاحبه، والأغرب من ذلك أنه أشار في مقدمته إلى ما ذكره كارل بروكلمان وإلى شكه في نسبة الكتاب إلى الجاحظ، وترجيحه في نسبته إلى يحي بن عدي!!

(2) نسبة الكتاب إلى يحي بن عدي ت 363 هـ

ويحي بن عدي بن حميد بن زكريا التكريتي المنطقي ت 363 هـ"قرأ على أبي نصر الفارابي..، وكان نصرانيا يعقوبي النحلة..، وله تصانيف وتفاسير ونقول عدة"()، وقد نقل عدة كتب من السريانية إلى العربية ومنها كتاب (ما بعد الطبيعة) لأرسطو وترجم المقالة الثالثة من كتاب (النفس) لأرسطو نقلا عن الترجمة السريانية.

والملفت أن كتب التراجم القديمة لم تذكر ضمن مؤلفاته عنوان (تهذيب الأخلاق)، فابن النديم ت 380 هـ مِنْ أقدم مَنْ ترجم له وتكلم عنه، بل وعاصره وقابله وذكر عنه الكثير من المعلومات التي تناقلتها كتب التراجم فيما بعد، لم يذكر له كتابا بعنوان (تهذيب الأخلاق)()، أما القفطي ت 646 هـ فقد أحصى في كتابه (إخبار العلماء بأخبار الحكماء)() كل مؤلفات يحي بن عدي، ولم يذكر منها هذا العنوان، وذكر ابن أبي أصيبعة ت 668 هـ أن ليحي بن عدي كتابا بعنوان (مقالة في سياسة النفس)()، وربما يكون هو كتاب تهذيب الأخلاق خاصة أن (سياسة النفس) مصطلح مواز ومقارب لمصطلح (تهذيب الأخلاق).
وعلى الرغم من عدم ورود هذا العنوان في قوائم كتب يحي بن عدي، حظي الكتاب في العصر الحديث باهتمام بالغ خاصة من الأوساط الكنسية فَنُشِر منسوباً إلى يحي بن عدي أول مرة عام 1866 م بتحقيق يوسف الشلفون ()، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه نشر أول مرة عام 1872 م في المطبعة القبطية الأهلية بمصر()، والصحيح ما أثبتناه.

وقد نقل البعض خطأ أن أول طبعة من هذا الكتاب كانت عام 1588 م، والصواب أن هذا العام ليس وفقا للتاريخ الميلادي وإنما للتاريخ القبطي الذي يوافق عام 1872 م، ونُشِر الكتاب بعدها عام 1891 م()، ثم ظهرت منه نشرة بعناية جرجس فيلوثيوس عوض بالقاهرة عام 1913 م، وعام 1914 م()، ثم نشر بعناية أغناطيوس برسوم في شيكاغو بأمريكا عام 1928 م، وطبع أيضا بعناية مراد فؤاد حقي بالقدس عام 1930 م()، ثم نُشر بتحقيق ناجي التكريتي عام 1978م().

وقد تعمدنا أن نشير إلى الطبعات والنشرات المختلفة لهذا الكتاب منسوبا إلى يحي بن عدي وترتيبها ترتيبا زمنيا؛ لنؤكد أنها كانت قديمة وموجودة، وعلى الرغم من ذلك نَشَر محمد كرد علي هذا الكتاب منسوبا للجاحظ كما مر بنا، صحيح أنه استدرك هذه النسبة وعاد فنَسب الكتاب ليحي بن عدي، وربما الذي أوجد اللبس أن الكتاب نهج نهجا فلسفيا صرفا وليس فيه أثر لمقولات دينية سواء مسيحية أو حتى إسلامية بشكل واضح، إضافة إلى إغفال ذكر عنوان الكتاب في مؤلفات يحي بن عدي التي ذكرتها كتب التراجم القديمة، وحتى عندما نشر في العصر الحديث بداية من عام 1866 م لم يتعرف إليه الكثيرون ولم ينتبهوا لوجوده؛ ربما لأن الكتاب كان يتم تداوله في الأوساط المسيحية والكنسية أكثر من غيرها، على اعتبار أن يحي بن عدي من كبار علماء ومفسري الأناجيل.

ولم تقتصر نسبة الكتاب ليحي بن عدي على نشره، بل كانت هناك محاولات بحثية لإثبات هذه النسبة، وهذا ما حاوله أحد الباحثين في دراسة بعنوان: (يحي بن عدي وتهذيب الأخلاق: دراسة ونص) حيث تطرق الباحث في مقدمة كتابه لما وقع من لبس في نسبة الكتاب، لكنه لم يتعمق كثيرا في هذه الدراسة التي كانت فلسفية أكثر من كونها تاريخية، واكتفى بالتأكيد على نسبة الكتاب إلى يحي بن عدي ونفيها عن الجاحظ أو ابن عربي، يقول:"أما الآن وبعد أبحاث مستفيضة في فكر بن عدي فلا شك في نِسبة الكتاب إلى يحي"()، وفي الحقيقة لم تكن الأبحاث مستفيضة كما أشار الباحث، فما قدمه لم يكن سوى تأكيدات غير مقرونة بالدلائل والبراهين، وهو ما فعلته الدكتورة (نادين عباس) كما سنرى فيما بعد.

الخاتمة:

وبعد أن استقصينا وتتبعنا ما ثار من جدل حول عنوان (تهذيب الأخلاق) الذي نُسب إلى عدد من مفكري وفلاسفة وعلماء العرب والمسلمين القدامى، وكان أولهم الجاحظ، ثم يحي بن عدي، بقي ثلاثة ممن نسب إليهم هذا العنوان، وهم مسكويه والحسن بن الهيثم ومحي الدين بن عربي، وسوف نرصد رصدا تاريخيا تحليليا ما نشر لهؤلاء تحت هذا العنوان، ونقف على صحة هذه النسبة في الجزء الثاني من هذه المقالة بإذن الله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى