تهذيب الأخلاق.. العنوان التائه «2-2»
بين الجاحظ ويحي بن عدي ومسكويه وابن الهيثم وابن عربي) (2-2)
تكلمنا في المقالة السابقة عن اهتمام العرب والمسلمين القدامى بالتأليف والكتابة في موضوع الأخلاق من جميع جوانبه واتجاهاته التربوية والفلسفية والدينية، ورأينا تعدد وتنوع المؤلفات في هذه الجوانب المختلفة، وتطرقنا بشكل خاص إلى المؤلفات التي تحمل عنوان (تهذيب الأخلاق)؛ وذلك لأن هذا العنوان قد نسب إلى أكثر من مؤلف؛ ولهذا بحثنا في نسبته إلى الجاحظ ثم إلى يحي بن عدي، وفي هذه المقالة نستكمل نسبة هذا العنوان إلى مسكويه ثم إلى الحسن بن الهيثم وانتهاء بمحي الدين بن عربي.
(3) تهذيب الأخلاق لمسكويه ت 421 هـ (بين اسم المؤلف واسم الكتاب)
تردد لدى عدد من المحدثين اسم (ابن مسكويه) في التعريف بالفيلسوف والمؤرخ (أحمد بن محمد مسكويه)، وهذا مما يعجب له لأن هذا لقبه، فهذا ما سَمَّى به نَفْسه في كُتُبه()، إضافة إلى أنه الاسم الذي استخدمه كل المعاصرين له، ومن أبرز هؤلاء أبو حيان التوحيدي ت 414 هـ الذي عاصره وتواصل معه وكَتَب عنه كثيرا في مؤلفاته خاصة في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) وكتاب (المقابسات)، إضافة إلى أن للتوحيدي كتابا مشتركا مع مسكويه بعنوان (الهوامل والشوامل)().
وكذلك ورد اسم (مسكويه) في أكثر كُتب التراجم المعتبرة مثل (معجم الأدباء) لياقوت، وكتاب (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) للقفطي، وكتاب (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) لابن أبي أصيبعة، وكتاب (الوافي بالوفيات) للصفدي، وورد اسمه كذلك في معظم كتب التراجم الحديثة؛ لهذا ليس هناك ما يُسَوّغ أو يُبرر تسميته بـ(ابن مسكويه) كما في بعض الدراسات الحديثة والمعاصرة.
ولمسكويه عدد كبير من المؤلفات في الفلسفة والتاريخ والطب والأدب، وقد خص علم الأخلاق بعدد من هذه المؤلفات، ومنها كتاب بعنوان (الفوز الأكبر)، وثمة رأي يذهب إلى أنه هو نفسه كتاب (تهذيب الأخلاق)()، وله كتاب آخر بعنوان (فوز النجاة) و (الرسالة المسعدة).
وقد أقرت كُتب التراجم وأجمعت على أن مسكويه له كتاب بعنوان (تهذيب الأخلاق)،حيث جاء في (كشف الظنون) لحاجي خليفة ت 1086 هـ"تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق للشيخ أبي علي أحمد بن محمد المعروف بابن مسكويه المتوفي سنة 421 هـ يشتمل على ست مقالات، أوله: اللهم إنا نتوجه إليك، وهو كتاب مفيد في علم الأخلاق"()، والغريب أن حاجي خليفة قد نَسَب هذا الكتاب قبلها لابن سينا وسماه (أخلاق الشيخ الرئيس)، يقول:"وهو مختصر مرتب على ست مقالات، أوله: اللهم إنا نتوجه إليك، ويقال له: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق"().
وليس لديَّ تفسير لهذا التناقض من حاجي خليفة، لكن هذه الإشارة العابرة منه في نسبة الكتاب لابن سينا – التي لم أجدها عند غيره - لا تقدح في إجماع كُتب التراجم على نسبة هذا العنوان (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) إلى مسكويه، وإن كان هناك من يشكك في وجود العبارة الثانية من العنوان وهي (تطهير الأعراق)، وهذا ما ذهب إليه محقق الكتاب استنادا إلى مخطوطاته، يقول:"ولكن الاسم الأدق للكتاب هو تهذيب الأخلاق، كما هو المشهور في مخطوطات مسكويه، والواضح من خلال قراءة تراثه"().
وقد نُشر كتاب (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) لمسكويه نشرات كثيرة بداية من عام 1854 م في الهند، وتوالت بعدها الطبعات والنشرات في إسطنبول والقاهرة وإيران، ومن أقدم النشرات المتاحة ما نشر بالقاهرة عام 1298 هـ/ 1881 م()، ثم نُشر بعنوان (تهذيب الأخلاق) بدون عبارة (تطهير الأعراق)، بتحقيق قسطنطين زريق في بيروت عام 1966 م()، وتُرجمت هذه الطبعة إلى الإنجليزية عام 1968 م.
ثم نشر تحت عنوان (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) بتقديم الشيخ حسن تميم قاضي بيروت الشرعي()، ثم نشر بنفس العنوان () وكُتِب تحته (لابن مسكويه، حققه وشَرَح غريبه: ابن الخطيب)، والملاحظ على هذه النشرة خلوها من أي جهد في التحقيق، فلم يقم المحقق بوضع دراسة عن مسكويه أو عن كتابه أو عن المخطوطات التي استند إليها، أو عن العناوين التي اشْتُبهت والْتَبَست على الناس.
ثم نُشر الكتاب مرة أخرى تحت عنوان (تهذيب الأخلاق في التربية)() تأليف ابن مسكويه، وكانت الطبعة بدون تحقيق، وفي هذه النشرة خطأن: الأول: في العنوان حيث لم يرد في أي من مخطوطات الكتاب ما يشير إلى عبارة (في التربية)، والخطأ الثاني هو تسمية المؤلف بابن مسكويه، وإن كان ذلك قد شاع.
أما أحدث وأدق الطبعات التي نُشرت محققة للكتاب فكانت بعنوان (تهذيب الأخلاق)() لمسكويه بدون عبارة (تطهير الأعراق) دراسة وتحقيق عماد الهلالي، وقد استهلها المحقق بدراسة ضافية شاملة بلغت أكثر من مائتي صفحة قبل متن الكتاب المحقق، تناول فيها كل ما يتعلق بمسكويه وكتابه، وظهر بعدها نشرة أخرى في طهران محققة تحت عنوان (تهذيب الأخلاق) ثم عنوان آخر فرعي (كتاب الطهارة في تهذيب الأخلاق)() تحقيق السيد حسين المؤمني، لكن نشرة عماد الهلالي أفضل نشرات الكتاب وأدقها..
وكتاب (تهذيب الأخلاق) نهج فيه مسكويه نهجا فلسفيا واضحا مازجا بين ثلاثة تيارات، أولها: الفلسفة اليونانية، وثانيها: الأفكار الإسلامية، وثالثها: الفكر والجهد والتجربة الفردية الخاصة به، إلا أن الواضح على الكتاب غلبة تيار الفلسفة اليونانية الأرسطية، يقول الدكتور عبد الله دراز عن مسكويه"كان متأثرا في تفكيره الأخلاقي بالتفكير الأرسطي، بل كان يتبع أرسطو في هذا التفكير تماما..، ولا أقول إن أفكار أولئك نسخة من أفكار هؤلاء في جميع نواحيها، ذلك أن للإسلام ولجهودهم الفكرية أثرا في بعض نواحي تفكيرهم أيضا"().
ورغم غلبة التأثر بالفلسفة اليونانية لم يخل الكتاب من وجود أثر إسلامي، ظهر فيما استدل به مسكويه على بعض الأفكار بآيات من القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وما تميز به أنه اهتم بالجانب النفسي في موضوع الأخلاق، حيث أشار إلى أمراض النفس والتي لا تختلف عن أمراض البدن بل وتتعلق وترتبط بها، وكانت إشارته الفريدة إلى مفهوم الصحة النفسية وأثرها على الأخلاق.
ولهذه المعطيات يمكن القول إن مشروع مسكويه في الأخلاق كان مشروعا فلسفيا فكريا ونفسيا تربويا واجتماعيا وسياسيا في الوقت ذاته، وذلك الجهد المتميز يجعل مسكويه – وبحق – أكبر باحث عربي في الأخلاق، كما وصفه الأستاذ أحمد أمين()، أو كما قال توفيق الطويل واصفا الكتاب أنه"أكمل دراسة علمية في مجال الأخلاق، برغم أن أكثره منقول عن أرسطو في الأخلاق"().
والكتاب يتكون من ست مقالات وبعض النشرات جعلت منها سبع مقالات()، وهذا الاختلاف لا يطعن في متن الكتاب أو في نسبته إلى مسكويه، فثمة إجماع في القديم والحديث على ذلك، وكل ما في الأمر أنه حمل نفس العنوان المثير للجدل، وإن اختلف في مضمونه اختلافا واضحا، وثمة رابط آخر بين كتاب مسكويه وبين الكتاب المنسوب إلى يحي بن عدي، فقد أشار محقق كتاب مسكويه إلى أنه قد استفاد من كتاب تهذيب الأخلاق ليحي بن عدي واطلع عليه، بل إنه"أخذ عنه معظم أقواله ولكن بعد توسيعها وتعميمها"()، وإن لم يشر المحقق إلى هذه المواضع التي تأثر فيها بأفكاره أو نقل عنه.
ونحن نميل إلى وجود هذا التأثر مستدلين على ذلك بمعاصرة يحي بن عدي لأبي حيان التوحيدي وصلته به، وفي الوقت ذاته صلة التوحيدي بمسكويه، وهذا قد يعني اطلاع مسكويه على كتاب يحي بن عدي، وتأثره به في العنوان، ويضاف إلى ذلك ما في الكتابين من نقاط وعناصر مشتركة، منها الاتفاق الواضح في تعريف الأخلاق، ومنها تقسيم الأخلاق إلى محمودة ومذمومة، ومنها كذلك ربط الأخلاق بالطبائع والنفس، وتقسيم النفوس إلى ثلاث قوى: ناطقة وشهوية أو شهوانية وغاضبة، وغير ذلك من آراء وأفكار تكاد تكون متطابقة أو متشابهة في أقصى تقدير.
(4) نسبة تهذيب الأخلاق لابن الهيثم ت 430 هـ
ذكر القفطي أن لابن الهيثم (أبي علي الحسن بن الحسن ت 430 هـ) عالم الرياضيات والفلك والفيزياء والبصريات، كتاب باسم الأخلاق()، أو مقالة في الأخلاق كما صرح بذلك ابن أبي أصيبعة()؛ لهذا لم يكن مستغربا أن ينسب إليه كتاب (تهذيب الأخلاق)، وقد تصدى حديثا لتأكيد هذه النسبة ثلاثة من المفكرين والباحثين، الأول: هو الدكتور عبد الرحمن بدوي، والثاني: هو الدكتور محمد عابد الجابري، والثالث هو نسيم الهواري، الذي نشر كتابا في سلسلة ذخائر العرب بدار المعارف بالقاهرة تحت عنوان (تهذيب الأخلاق لأبي علي بن الحسن بن الهيثم)().
أما بدوي فقد نشر ذلك في كتاب (دراسات ونصوص في الفلسفة والعلوم عند العرب)()، لكنه لم يحسم أمر نسبتها إلى ابن الهيثم، حيث اكتفى بتصدير هذا الجزء من الكتاب بعنوان: (مقالة في الأخلاق للحسن بن الحسن بن الهيثم أو ليحي بن عدي)، ثم نشر المقالة منسوبة إلى الحسن بن الهيثم وحده، تحت عنوان: (مقالة في الأخلاق لأبي علي الحسن بن الحسن بن الهيثم)، وقد استند بدوي في هذه النسبة إلى مخطوطة موجودة في طهران()، والملاحظ أنه لم يقدم كعادته لهذا الجزء بدراسة أو بمقدمة يرجح فيها نسبة المقالة.
أما الدكتور الجابري فقد نَفَى نسبة الكتاب ليحي بن عدي نفياً قاطعا، في حين أكد بشكل مُرَجّح نسبة الكتاب للحسن بن الهيثم، وذلك في فصل طويل خصصه لدراسة هذه القضية في كتابه (العقل الأخلاقي العربي)()، وقد استند الجابري إلى عدة قرائن، منها دراسة ما توافر من معلومات عن مخطوطات الكتاب، ومنها النظر في أسلوب الكتاب وطريقته، وانتهى إلى هذه النتيجة حيث يقول:"من هذه القرائن نستخلص أن الكتاب ليس ليحي بن عدي قطعا، وأنه لابن الهيثم ترجيحا، وإنما قلنا ترجيحا ولم نقل قطعا بقصد ترك المجال مفتوحا لمؤلف آخر غَيْر مَنْ ذُكِر، إذا ظهر في المستقبل ما يفرض إدخاله في الحساب"().
والسبب في عدم حسم الجابري نسبة الكتاب لابن الهيثم؛ أنه افترض نسبته إلى (ثابت بن قرة الحَرّاني) ت 288 هـ -والذي برع في علوم الفلسفة والطب والرياضيات والفلك- أو ابنه سنان بن ثابت بن قرة ت 365 هـ، استنادا إلى أن أقدم مخطوطة للكتاب والمعروفة بنسخة لندن وتاريخها 639 هـ، كانت مدمجة مع رسالة أخرى بعنوان (رسالة سياسة النفوس) لسنان بن ثابت بن قرة الحراني، ومن اليسير الرد على هذا الدليل بأن هذا الدمج بين أكثر من رسالة أو كتاب في مخطوطة واحدة هو عادة مألوفة من النساخ وموجودة في أكثر مخطوطات الكتب العربية، خاصة في المؤلفات أو الكتب ذات المضمون الواحد أو المتقارب، ولا ينهض دمج رسالة مع أخرى لمؤلفين مختلفين كدليل على نسبة الرسالة الأولى للمؤلف الثاني أو العكس!!
واستند الجابري أيضا إلى أن في متن الكتاب عبارات مثل (المساجد والكنائس وأماكن العبادة) أو (الرهبان والزهاد ورؤساء الدين والواعظين)، وهي عبارات ذات طابع إنساني عام ليست مستساغة من يحي بن عدي كمؤلف وفيلسوف مسيحي، أو ابن الهيثم كعالم مسلم، وإنما تُقْبَل من"صابئي حراني وَثَني كثابت بن قرة"().
وهذا الدليل أو تلك القرينة يمكن نقضها أيضاً خاصة وأن يحي بن عدي – كعالم وفيلسوف مسيحي - لم يكن يجد حَرَجا في أن يَذْكر آيات من القرآن الكريم في بعض كتبه ومؤلفاته المسيحية، وكان يُعرف عنه أن يَنْسَخ الكتب بخط يده، ومنها أنه نَسَخ تفسير الطبري للقرآن مرتين، يحكي ابن النديم أنه لَقِيه وعاتَبَه على كثرة نَسْخِه، فقال له:"قد نَسَخْت بخطي نُسْختين من التفسير للطبري وحملتهما إلى ملوك الأطراف، وقد كَتَبْتُ مِن كُتب المتكلمين ما لا يحصى، ولعهدي بنفسي وأنا أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة"().
ونخلص مما سبق أن الدكتور بدوي لم يحسم نسبة الكتاب إلى ابن الهيثم ووضع احتمالين: الأول: هو الاحتمال الأكبر في نسبته لابن الهيثم، والاحتمال الثاني: نسبته إلى يحي بن عدي بإشارته الموجزة، وأن الدكتور الجابري فعل عكس ذلك عندما رجح نسبته إلى ابن الهيثم، ونفي نفيا قاطعا نسبته ليحي بن عدي، لكنه فتح الباب واسعا مرة أخرى في الاحتمال الثالث لنسبته إلى ثابت بن قرة أو ابنه سنان!!
وعندما نناقش الدكتور الجابري في ترجيحه لنسبة كتاب (تهذيب الأخلاق) لابن الهيثم استنادا لعدة قرائن – كما قال – منها أن لابن الهيثم كتابا أو مقالا أو رسالة في الأخلاق ذكرها القفطي أو ابن أبي أصيبعة، وأن ثلاث مخطوطات للكتاب وُجِدت منسوبة لابن الهيثم، فإن ما ذهب إليه هنا لا يُعد قرينة في الحقيقة؛ لتوافر ذلك لكل مَنْ نُسِب إليهم الكتاب، فالجاحظ له كُتب ورسائل في الأخلاق، ويحي بن عدي ترجم فلسفة أرسطو ومنها ما يتعلق بالأخلاق بالإضافة إلى أن له رسالة في سياسة النفس، وابن عربي له أيضا رسائل وكتب في الأخلاق، وحتى مسكويه لم يذكر ياقوت الحموي له كتابا بعنوان (تهذيب الأخلاق) مع أنه ترجم له في كتابه()، رغم إجماع القدامى والمحدثين على وجود كتاب بهذا الاسم لمسكويه.
وإذا كانت ثلاث مخطوطات للكتاب وُجدت منسوبة لابن الهيثم؛ فإن بقية المخطوطات وُجدت منسوبة لغيره، وعدد هذه المخطوطات كما ذكر الدكتور الجابري نفسه"ناهَزَ اثنين وعشرين مخطوطة أقدمها ست"()، أما المخطوطات الست الأقدم بالإضافة إلى مخطوطتين حديثتين فلم يُذْكر فيهم اسم المؤلف، وباقي المخطوطات: منها سبع مرات منسوبة لابن عربي ومرة واحد للجاحظ وخمس مرات إلى يحي بن عدي، فإذا احتكمنا إلى هذا المعيار فإن نسبة الكتاب لابن عربي تكون هي المرجحة؛؛ لأنه حظي بسبع مخطوطات للكتاب سُجِّل عليها اسمه!!
أما العجيب في قرائن الدكتور الجابري، فهي أن ابن الهيثم قد تولى وزارة في البصرة"ومن المعلوم أن جُلَّ الذين كتبوا في الأخلاق والسياسة في الثقافة العربية كانت لهم علاقة بالملوك والوزراء وكثيرون منهم عملوا بالدواوين"()، في حين أن يحي بن عدي لم يَتَوَلَّ مثل هذه المناصب!! وما ذكره الدكتور الجابري هنا من أعجب ما قيل، ومن أوهى الدلائل التي لا تحتاج كثيرا من الجهد في تفنيدها.
ثم استند الجابري إلى وجود كلمات وعبارات في متن الكتاب منها تكرار ورود كلمة الأخلاق أكثر من مرة!! أو عبارة"وهذا حين نَخْتِم هذه المقالة"والتي رأى أنها تتطابق مع عبارة مماثلة وردت في كتاب (المناظر) لابن الهيثم، في حين لم ترد مثلها في كتابات يحي بن عدي()!!، وهذا العبارة أو غيرها لا تنهض دليلا على ما ذهب إليه الجابري؛ لأنها ليست لازمة أو سمة أسلوبية متواترة أو موجودة في كل كُتُب ورسائل ابن الهيثم من ناحية، وليست أيضا موجودة في كل نهايات المخطوطات لكتاب (تهذيب الأخلاق) المتنازع عليه ذاته من ناحية أخرى.
ومن القرائن التي حسم الجابري من خلالها نسبة الكتاب إلى ابن الهيثم، ورَدَّدَها في أكثر من موضع، أن الكتاب"ينتمي إلى نفس النزعة الطبية في الأخلاق المرتبطة بجالينوس..، فالكتاب هو لابن الهيثم ضرورة؛ لأن يحي بن عدي كان يجهل الطب وجالينوس وبالتالي مدرسته في الأخلاق"()، وهذا مردود عليه أيضاً، فالكتاب ليس له علاقة بالطب، وليس هناك ما يجزم بأن جالينوس هو مرجع هذا الكتاب، حيث لم يرد ذلك تلميحا أو تصريحا في أي موضع من الكتاب، وإذا كان يحي بن عدي يجهل الطب وجالينوس – وهذا مستبعد – فإنه حتما مطلع على فلسفة أرسطو في الأخلاق كما مر بنا في التعريف به، وكما ذُكِر في كُتب التراجم القديمة.
والملفت أن الدكتور الجابري الذي استفاض وفَصَّل القول في نسبة الكتاب لابن الهيثم في هذا الفصل الطويل، وقدم ما رآه أنه قرائن ودلائل، يطرح بين الحين والآخر فرضية أن الكتاب لثابت بن قرة أو ابنه سنان استنادا إلى النزعة الطبية لجالينوس التي يراها موجودة في الكتاب، فالجابري افترض افتراضات على غير دليل، ثم بنى عليها أحكاما قاطعة، فافترض أن الكتاب ذو نزعة طبية -وهذا غير صحيح - ثم افترض أنه يعود لمدرسة جالينوس في الطب، وهذا ما لم يدلل عليه، ثم افترض جهل يحي بن عدي بالطب وجالينوس، في حين أكد على إلمام الحسن بن الهيثم بالطب وجالينوس، ومن خلال هذه الفرضيات وصل إلى نسبة الكتاب له، ثم عاد بعد كل هذا الجهود والفرضيات ليُظهر بعض التناقض في حسم نسبة الكتاب لابن الهيثم من ناحية، واحتمالية نسبته إلى ثابت بن قرة أو ابنه في الوقت ذاته!!
وفي الحقيقة فإن الدكتورة (نادين عباس) قد كفتنا مؤونة نقض الكثير مما كتبه الدكتور الجابري في هذا الفصل، وفي نسبة الكتاب لابن الهيثم ونفيه عن يحي بن عدي، وكان من أبرز ما قامت به أنها استدلت بعبارات كثيرة من كُتُب ورسائل يحي بن عدي تتشابه بل تتطابق مع أسلوب الكتاب والكثير من أفكاره، وعلى الرغم من ذلك فإنها – من باب الأمانة – لم تقطع بنسبة الكتاب إلى يحي بن عدي وأتاحت الفرصة لمن أراد أن يثبت غير ذلك().
(5) نسبة الكتاب إلى ابن عربي ت 638 هـ.
أما ابن عربي (محمد بن علي بن محمد الحاتمي) ت 638 هـ الصوفي الشهير صاحب كتاب (الفتوحات المكية) و(فصوص الحكم) وغيرها من المؤلفات ذات النزعة الصوفية، فهو من المكثرين تأليفا وتصنيفا، وقد أحصى الشهراني في كتابه (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر) أكثر من أربعمائة مؤلف لمحي الدين بن عربي()، وأحصى غيره أكثر من هذا العدد.
ولابن عربي اسهامات واضحة في الكتابة في موضوع الأخلاق لكن من زاوية صوفية، فمن ذلك كتابه (مناصحة النفس)، و كتاب (المواعظ الحسنة)()، وذكر النبهاني أن له كتاباً بعنوان (الأعلاق في مكارم الأخلاق)().
وهذا يعني أن ابن عربي ليس بعيدا عن التأليف في هذا الموضوع، لكن الملفت أن عنوان (تهذيب الأخلاق) لم يكن ضمن قوائم مؤلفاته، سواء ما وَرَد عنها في كُتب التراجم العامة كـ(الوافي بالوفيات) للصفدي أو (فوات الوفيات) لابن شاكر الكتبي، أو ما ورد عنها في كتب تراجم الصوفية مثل كتاب (جامع كرامات الأولياء) للنبهاني، حيث ذكر ضمن ترجمته لابن عربي عشرات الكتب والرسائل التي أَلَّفَها – وهي أَوْفَى قائمة له -، يقول النبهاني:"وقد اطلعت على إجازة أجاز بها الملك المظفر بن الملك العادل الأيوبي ذَكَر فيها كثيرا من مشايخه ومؤلفاته، ولتمام الفائدة أذكرها هنا بحروفها"().
وحتى في العصر الحديث فإن المستشرق آسين بلاثيوس في كتابه (ابن عربي حياته ومذهبه)، لم يذكر من مؤلفات ابن عربي كتابا باسم تهذيب الأخلاق()،والمتأمل لمتن الكتاب المنسوب لابن عربي سيجد أنه مختلف عن أسلوبه وطريقته في الكتابة، حيث يخلو تماما من مصطلحات الصوفية وعباراتهم بل وألغازهم، فضلا عن خلو الكتاب من أي أثر إسلامي يتمثل في آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تظهر في مؤلفات ابن عربي.
فالحقيقة المؤكدة أن هذا الكتاب وذلك العنوان ليس لابن عربي، وهذا ما فَطِن له يوسف إليان سركيس وهو يتحدث عن مؤلفات ابن عربي، ومنها رسالة بعنوان (الأخلاق)، فهي كما يقول رسالة صغيرة طبعت بمصر، حيث يُعَقّب على ذلك بقوله:"نُسِب هذا الكتاب وَهْماً إلى ابن العربي، كما نُسِب أيضا كتاب تهذيب الأخلاق الذي نشره العلامة محمد كرد علي للجاحظ وَهُمَا نفس كتاب تهذيب الأخلاق لابن عدي"().
لكن الملفت رغم كل هذه المعطيات النافية لنسبة الكتاب لابن عربي بداية من خلو قوائم مؤلفاته من هذا العنوان، وعدم تشابه أسلوب الكتاب وطريقته مع أسلوب ابن عربي، ونَشْر الكتاب مرات عديدة منسوبا ليحي بن عدي، نجد الكتاب تحت هذا العنوان (تهذيب الأخلاق) منشورا في العصر الحديث ومنسوبا لمحي الدين بن عربي، وهو نفس ما نسب للجاحظ أو يحي بن عدي بنصه ومتنه.!!
فقد طبع الكتاب بعنوان (فلسفة الأخلاق) وتحته عنوان صغير (تهذيب الأخلاق)() على ذمة علي محمد أبو طالب، ثم نشر بعنوان (تهذيب الأخلاق لابن عربي) وكُتِب تحت هذا العنوان: (تأليف الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر سيدي محي الدين بن عربي الحاتمي الطائي)، ومكتوب تحت العنوان:"حققه وقدم له وصححه: عبد الرحمن حسن محمود عفا الله عنه"()، وهذه النشرة للكتاب -أو بالأحرى الرسالة صغيرة الحجم -لم يقم مَن تصدى لتحقيقها – عفا الله عنه - بأي جهد حقيقي في التحقيق، بداية من العنوان ومرورا بنسبته إلى محي الدين بن عربي ووصولا إلى تحقيق المتن، حيث اكتفي بتوضيح معاني بعض المفردات!!
وممن نشر جزءا من متن كتاب (تهذيب الأخلاق) على أنه لابن عربي باحث آخر في كتاب بعنوان (محي الدين بن عربي)، حيث خصص فصلا بعنوان (محي الدين ورسالة الأخلاق)() نقل فيه بعض العبارات، وهذا الكتاب أيضا مما يُعجب له، فليس فيه أي أثر للبحث العلمي أو التوثيق والتدقيق، إنما مجرد خطرات وعبارات مكتوبة ومنقولة عن ابن عربي.
الخاتمة
بعد هذه الرحلة الشائقة والشائكة في الرصد التاريخي والتحليلي لبعض مؤلفات العرب والمسلمين في موضوع الأخلاق، وخصوصا تلك الكتب التي عنونت بتهذيب الأخلاق، وتسليط الضوء على ما حدث من لبس في نسبة الكتاب إلى صاحبه، يمكن استخلاص بعض النتائج كما يلي:
– اهتمام العرب القدامى بمختلف مشاربهم واتجاهاتهم الفكرية والدينية بموضوع الأخلاق، وتبلور ذلك في مؤلفات كثيرة ومتنوعة تناولت واستفاضت في هذا الموضوع من كل جوانبه اللغوية والأدبية والدينية والفلسفية والنفسية.
– ضياع أكثر كتب التراث ومخطوطاته إضافة إلى أخطاء النساخ قديما، وتقصير بعض المحققين حديثا، كانت من جملة الأسباب التي أدت إلى نسبة بعض مؤلفات الأخلاق إلى غير أصحابها.
– احتل عنوان (تهذيب الأخلاق) مكان الصدارة في العنوانات التي أثارت الجدل، خاصة في العصر الحديث بعد طباعة ونشر مؤلفات منسوبة إلى كل من الجاحظ ويحي بن عدي ومسكويه وابن الهيثم وابن عربي.
– نفي نسبة كتاب (تهذيب الأخلاق) نفيا قاطعا للجاحظ، لأسباب كثيرة، أهمها عدم تشابه الأسلوب الفلسفي للكتاب مع بيان الجاحظ وأسلوبه وطريقته التي عرف بها، وعدم ذكر هذا العنوان في قائمة كتبه.
– ترجيح نسبة الكتاب إلى يحي بن عدي بشكل أقرب إلى اليقين، لأسباب كثيرة منها تشابه أسلوب الكتاب مع طريقة يحي بن عدي، وغلبة الطابع الإنساني والفلسفي العام على الكتاب.
– التأكيد على نسبة كتاب (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) لمسكويه في أكثر كتب التراجم القديمة وفي كل الدراسات والبحوث الحديثة، وإن جاء التشكيك في وجود الجزء الثاني من العنوان وهو عبارة (تطهير الأعراق)، والتأكيد في الوقت ذاته على تأثر مسكويه بما طرحه يحي بن عدي في كتابه حتى أنه أعاد نفس عنوانه، واستعان ونقل الكثير من آرائه وأفكاره وتقسيماته.
– تعبير كتاب مسكويه عن الفكر الأخلاقي عند العرب والمسلمين تعبيرا صادقا، رغم تأثره الواضح بالفلسفة اليونانية خاصة وأنه مزج هذه الفلسفة الأخلاقية بالمبادئ والأفكار الإسلامية.
– نفي نسبة الكتاب إلى الحسن بن الهيثم نفيا قاطعا لأسباب كثيرة منها خلو قائمة كتبه من هذا العنوان، وعدم تشابه أسلوبه وطريقة الكتاب مع أسلوب ابن الهيثم.
– نفي نسبة الكتاب إلى محي الدين بن عربي لأسباب واضحة وقوية منها خلو الكتاب من أي مفردة أو عبارة تخص معجم الصوفية ومفرداتها، فالكتاب فلسفي متأثر بالأخلاق اليونانية، وليس فيه أي أثر للاتجاه الصوفي الإسلامي، إضافة إلى خلو قائمة كتبه من هذا العنوان.
أما أهم التوصيات التي نلح في المطالبة بها فهي ضرورة التحري والتدقيق لمن يتصدى لتحقيق كتب التراث عامة، في التأكد من اسم المؤلف وفي نسبة عنوان الكتاب له، والابتعاد عن مجرد النشر والطبع التجاري دون تحقيق علمي دقيق.
إضافة إلى المطالبة بتوثيق نتاج الفكر العربي في موضوع الأخلاق توثيقا يزيل كل لبس وخلط في أسماء الكتب وعناوينها، بهدف التعريف بهذا النتاج المتميز والفريد للدارسين والباحثين وللأجيال الحالية والقادمة.
