ثريّا.. انظري
الإهداء:
إلى من وقفوا خارج المعادلة.
1. المبتدأ: ختمُ الملح
قالوا: وطنٌ سعيد. كانت تلك الكذبة الأولى.
شهادة ميلادي ممهورةٌ بختمٍ برّاق، لكن مدادها يغلي برائحة لحمٍ يُشوى. الطبولُ التي تدوّي في الميادين ليست احتفاءً بنا، بل ضجيجٌ مُمنهج لخنق أنين الأمعاء. للموت هنا مسامُّ تسكن الرئة قبل المنخرين، وقائدُ جندٍ يشهر سيفه كلَّ فجر ليقطع عنق شعاع ضوءٍ ضلّ طريقه إلى زنزانتي الكبيرة.
كنتِ يا "ثريّا" تمتمةً في المهد؛ لم أدرك كينونتكِ حينها، عرفتُ فقط أنكِ اللاهنا، وأنكِ النقيض الطاهر لهذا الختم المرير.
2. التشريح: غنائمُ الظل
رحًى صلدة تطحنُ العظم أولاً، ثم تتسلى بمضغ الذاكرة.
أنا ممدّدٌ على رخام الوقت، عارٍ إلا من جرحي. كل ساعةٍ يطلّ جراحٌ ببدلةٍ ناصعة البياض كالعدم، يشقُّ صمتي بابتسامةٍ باردة، يسرقُ "كِلية الحلم" ويقيدها في دفتره كغنيمةٍ مستحقّة. والكاميرا المعلقة فوقي، تلك العين الزجاجية الباردة، تبثُّ احتضاري كعرضٍ ترفيهي للعالم.
حين أحاول الصراخ، يهمسون للجمهور: "المريض يهذي". فأغمض عينيّ لأرى بياضاً هائلاً في الأفق.. أسميه "ثريّا" كي أحمي ما تبقى من عقلي من التآكل.
3. الميزان: حفلُ الأقنعة
يُعلّقُ المعدنُ البارد على صدرٍ منتفخ بالوهم، وبريقُ الأوسمة يصفعُ عينَ أمٍّ ثكلى. وفي الزاوية، رجلٌ يحفر بنهم؛ الحفرةُ باسمكِ، والظلالُ تترنح في جوفها.
المذياع ينعق بـ "المستقبل المشرق"، بينما صنمٌ رخاميّ تمسحُ عليه الأكفُّ الجائعة تطلبُ خبزاً، فلا تحصد إلا الغبار. الميزانُ معلّقٌ بخيوط العنكبوت: كفةٌ فيها رغيفٌ يتدلى من مشنقة الوهم، وكفةٌ فيها عشر صلواتٍ للمزاد.
الكرامة؟ عظمٌ يابس في سوق النخاسة.. مَن يزيد؟
4. العرض: سيفُ الانكسار
أنا الآن قطعةٌ أثرية خلف الزجاج.
اللافتةُ تقول: "سيفٌ من عصر الانكسار؛ إن سُلَّ انكسر، وإن غُمِدَ صدئ". زنزانتي قفصٌ زجاجيّ، حارسها كآبتي، وزوّارها يرفعون هواتفهم يسرقون "سيلفي" مع موتي السريري.
لا اسم لي في السجلات. حتى ظلّي قدّمَ استقالته وترك رسالة قصيرة: "أبحث عن شمسٍ لا تكذب". نهاراً، تقرعُ أصابع الدائنين جمجمتي كطبلٍ أجوف، وليلاً يتسلّمني كابوسٌ جديد، مختومٌ بشعار الدولة الرسمي.
5. التخرج: براءةُ القهر
أتسكّعُ والأسفلتُ جمرٌ يلتهمُ قدمي. المدينةُ تنورٌ مفتوح للأفواه الجائعة.
أرفعُ شهادتي الجامعية أتّقي بها سياط القيظ: "بكالوريوس بمرتبة القهر الأولى". ضحكوا طويلاً.. ثم استخدموها مروحةً لصنم الرخام.
خيبتي لها وزنٌ فيزيائي، أسمعُ أنين الرصيف وهو يتشقق تحت وطأة خطوتي. أنظر في واجهة مطعم؛ الشواءُ يوقظ غريزة الوحش.. معدةٌ تصرخ وصدرٌ يعوي فيه النشيد الوطني. المحصّلة: طباشير ترسم دائرةً حولي، فوقها جبالٌ من سراب، وتحتها هاويةٌ لا تشبع.
حتى الهاوية صارت موظفاً حكومياً: تأخذ راتباً ولا تعمل.
6. العُري: صرخةُ النعل
أجرُّ جثتي في نزهةٍ عبثية. كلُّ مفصلٍ في جسدي يطالبُ بالتقاعد.
فجأةً.. انفتح فمٌ في مقدمة حذائي، النعلُ يهمس بسخريةٍ جارحة: "كفاني ذلاً.. لن أحملك إلى هزيمة أخرى". خلعتُه ومضيت حافياً؛ كأنني أتحسسُ نبض الأرض لأول مرة.
همستُ: ثريّا.. لو كنتِ هنا، لصار الشوك حريراً، ولاتسع هذا المدى الضيق لقبلة واحدة.
7. الذاكرة: وأدُ الضحك
توسّدتُ حجراً لا يلين.
مرّتْ طفلةٌ تلاحقُ فراشةً بضحكةٍ صافية كعين الديك. تلك الضحكة نبشت مقبرةً جماعية في صدري؛ تذكرتُ ضحكتي التي وأدتُها بيدي قبل عشرين خريفاً، إشفاقاً عليها من تلوث هذا الهواء المسموم بالزيف.
الشاهدُ محفورٌ بمرارة بين الضلوع: "هنا ترقد سذاجتي الجميلة".
8. التطهير: آخر البياض
عاد الظمأ.. لا للماء، بل لوجهٍ لا يرتدي قناعاً.
أطبقتُ جفنيّ لأرسم بالفحمِ على جدار اللحد الداخلي. ثريّا.. يا آخر مساحة بيضاء في ثوبٍ ملطخ بالهوان. كلُّ شيءٍ تلوّث؛ حتى الدعاء صادرته الحناجر المأجورة.. إلا حين أنطقُ اسمكِ، أشعر ببرودة اليقين تعود للكون المسلوب.
9. التمرد: اختراعُ الرقم واحد
بسطتُ كفّي الخاوية أمام الريح:
الخِنصرُ ضاع مهراً لسراب، الوُسطى سُرقت كوظيفة، الإبهامُ تلاشى كوطنٍ ضائع.. فتحتُها، فلم أجد إلا قبضةً ترتجفُ من فرط الكرامة، كقبضةِ من دُفن حيّاً ويحاول الآن شقَّ أديم الأرض.
هذه المرة، لم تنغلق الكفّ على العدم. غرزتُ أظافري في جدار "الدائرة" التي طوقوني بها.. سال خيطٌ أحمر قانٍ. خططتُ فوق الرخام بإصبعي المغموس بالدم: "1".
واحدٌ لا يُحصى في دفاتر عبيدهم، بل يُشهرُ كخنجرٍ يمزق أحشاء الصفر.
10. الخاتمة: قيامةُ الصفر
وقفتُ أخيراً.. لا لأنتظر رصاصة الرحمة، بل لأستقبل الموت كخصمٍ غبيّ هزمته مراراً.
لطختُ جدران المدينة الصماء بخيطي الأحمر. كتبتُ بوضوح:
"هنا مرّ صفرٌ فتمرد على معادلته، فصار ثقباً أسود في ذاكرتكم لا يُمحى".
لم يعد الأسفلتُ رماداً تحت قدمي، صار الرصيف يرتجفُ هيبةً، كأنه يتهيأ ليحمل وقع أقدام الأحرار.
ثريّا.. انظري.
الدائرةُ تحطمت.
والختمُ صار رماداً.
