ثقافة الجيتو
ثقافة الجيتو، بالمعنى المقصود هنا، ليست توصيفا تاريخيا لجماعة بعينها، ولا إحالة حصرية إلى سياق الاضطهاد القديم أو العزل القسري، بل هي نمط اجتماعي وثقافي ونفسي يتكرر كلما قررت جماعة ما أن تنشئ لنفسها عالما مغلقا، وأن تُحول اختلافها إلى نظام عيش، وتميزها إلى عقيدة ضمنية، وانفصالها النسبي عن محيطها إلى فضيلة أخلاقية أو فكرية. لا يهم كثيرا بعد ذلك إن كانت هذه الجماعة دينية أو مذهبية أو أيديولوجية أو فكرية أو حتى مهنية ونخبوية؛ فالعبرة ليست بالمرجعية المعلنة بقدر ما هي بمنطق البناء الداخلي: إحكام الحدود، إنتاج لغة خاصة، تكوين وعي جماعي متمركز حول الذات، وتغذية مستمرة لفكرة أن الجماعة ليست مجرد جماعة بين جماعات، بل حالة أرفع أو أصفى أو أعمق من السياق الذي تعيش فيه.
وفي هذا المعنى، لا تكون ثقافة الجيتو مجرد انغلاق اجتماعي، بل تتحول إلى بنية ذهنية مكتملة. إنها طريقة في رؤية النفس والآخر معا. فالجماعة المغلقة لا تكتفي بأن تكون مختلفة، بل تسعى إلى تفسير اختلافها بوصفه برهانا على الامتياز. وهي لا ترى العالم الخارجي بوصفه فضاء للتفاعل المتبادل، بل بوصفه كتلة أقل صفاء، أو أقل فهما، أو أقل شرعية، أو في الحد الأدنى غير مؤهلة لإدراك "خصوصيتها". ومن هنا تنشأ إحدى أخطر خصائص هذا النمط: تحويل الحدود إلى قيمة، والعزلة إلى نقاء، والانفصال إلى استعلاء مستتر أو معلن. إن الانغلاق هنا لا يُقَدَّم باعتباره عجزا عن الاندماج، بل باعتباره اختيارا أخلاقيا، وصونا للهوية، ومقاومة للتلوث الرمزي الذي يمثله الآخرون.
ولذلك فإن الجماعة الجيتوية، مهما اختلف خطابها، تشتغل دائما تقريبا على تضخيم الداخل واختزال الخارج. فهي تمنح ذاتها صورة مثالية تتجاوز الواقع، وتعيد تدوير سردية تُمجد رموزها ومعاييرها وتجاربها الخاصة، بينما تنظر إلى ما عداها بكثير من التبسيط وسوء الظن. الآخر إما جاهل، أو سطحي، أو فاسد، أو متواطئ، أو غير مؤهل أخلاقيا أو معرفيا للحكم عليها. وبهذا تتشكل تدريجيا بيئة نفسية لا ترى النقد مراجعة بل تهديدا، ولا ترى الاختلاف حوارا بل عداء، ولا ترى المسافة مع المحيط خسارة بل دليلا على سمو المقام. إن أخطر ما في هذه الثقافة ليس أنها تصنع التمايز، بل أنها تصنع التمايز بوصفه تفوقا، ثم تطلب من الآخرين أن يحترموا هذا التفوق دون أن يناقشوه.
غير أن المفارقة الكبرى أن هذه الجماعة، على الرغم من خطابها القائم على الخصوصية والاستغناء، لا تستطيع العيش فعلا خارج السياق الذي تحتقره أو تتحفظ عليه. فهي ترفض الخارج من الناحية الرمزية، لكنها تحتاجه من الناحية الوظيفية. تحتاج مؤسساته وفرصه وقوانينه ومنابره وموارده، وتحتاج أحيانا أيضا إلى بعض أفراده بوصفهم حلفاء مؤقتين أو أدوات مساعدة أو وسطاء عند الضرورة. ومن هنا فإن ثقافة الجيتو لا تعني القطيعة الكاملة مع العالم، بل علاقة انتقائية به: علاقة تستخدمه دون أن تعترف به، وتستفيد منه دون أن تندمج فيه، وتستدعيه عند الحاجة ثم تعود إلى خطاب التمايز كلما زال موجب الحاجة. إنها علاقة تقوم على الازدواجية لا على الاتساق؛ ازدواجية تدين المحيط في المجال النظري، ثم توظفه في المجال العملي بأقصى قدر من البراجماتية.
ومن هذا التوتر بالذات تنشأ قابلية الانتهازية التي كثيرا ما تميز الجماعات المغلقة. فهذه الانتهازية ليست دوما مجرد رذيلة أخلاقية بالمعنى المباشر، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة بنيوية لطريقة تشكل الجماعة ووعيها بذاتها. حين ترى الجماعة نفسها محاصرة من الخارج ومتفوقة عليه في آن واحد، فإنها تبرر لنفسها وسائل سلوك لا تقبلها من غيرها. تصبح المصلحة الخاصة للجماعة معيارا أعلى من قواعد الإنصاف العامة، ويغدو التحايل على المحيط أو استغلاله أو استدرار مكاسبه أمرا جائزا ما دام يخدم بقاء الكيان المغلق أو يعزز حضوره. وهكذا تتخلق أنماط متعددة من الانتهازية: انتهازية رمزية في احتكار الفضيلة، انتهازية خطابية في تبديل اللغة بحسب المقام، انتهازية سياسية في تبديل التحالفات، وانتهازية اجتماعية في طلب المساندة دون القبول الحقيقي بمقتضيات الشراكة المتكافئة.
وتبلغ هذه الآلية ذروتها حين تصاب الجماعة بأزمة أو تتعرض لاعتداء أو نقد أو تضييق. ففي تلك اللحظة تستنفر ترسانتها الأخلاقية كاملة، وتقدم نفسها بوصفها ضحية تستحق حماية الجميع وتعاطفهم. ولا جدال في أن بعض الجماعات قد تتعرض فعلا لظلم حقيقي، لكن القضية هنا ليست في أصل التعاطف المشروع، بل في الكيفية التي يتحول بها خطاب المظلومية إلى رأسمال رمزي قابل للاستثمار. فالجماعة الجيتوية قد ترفض مبدأ الاندماج حين يمس تمايزها، وترفض النقد حين يقترب من بنيتها الداخلية، لكنها لا تجد حرجا في استدعاء القيم الكونية الكبرى مثل العدالة، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد، وكرامة الفرد كلما احتاجت إلى حماية أو تعاطف أو تعبئة رأي عام لصالحها. إنها تريد أن تكون استثناء حين يفيدها الاستثناء، وأن تكون جزءا من الإنسانية العامة حين تفيدها العمومية. وهذه الازدواجية هي التي تجعل كثيرا من المحيطين بها يشعرون، بحق أو بغير حق، أن الحساسية الأخلاقية لديها انتقائية، وأن مظلوميتها ليست دوما بريئة من الحساب.
ولأن الجماعة المغلقة تعيش على تماسك سرديتها الداخلية، فهي تطور مع الوقت جهازا دفاعيا شديد الفاعلية في تبرير الذات. كل انتقاد يصدر من الخارج يمكن تأويله بسهولة على أنه حقد أو جهل أو تشويه أو سوء فهم أو استهداف. وإذا جاءها الاعتراف، عَدَّته شاهدا على قيمتها. وإذا تعرضت للتجاهل، قرأته بوصفه إقصاء متعمدا. وإذا وُوجهت بالمراجعة، اعتبرتها عدوانا على الهوية. وهكذا تدخل في دائرة تفسيرية مغلقة تجعلها شبه محصنة ضد النقد الفعلي. في مثل هذه البنية لا يعود الولاء قائما على التفكير الحر، بل على إعادة إنتاج الرواية الجمعية، ولا يعود الانتماء اختيارا نقديا بقدر ما يصبح التزاما عاطفيا ومعياريا بمنظور واحد للعالم. ومن هنا تنشأ هشاشتها العميقة: فهي تبدو متماسكة من الخارج، لكنها في الداخل كثيرا ما تخاف من السؤال أكثر مما تخاف من الخصم.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بدقة بين حق الجماعات في الخصوصية وبين مرض الانغلاق. فليست كل جماعة محافظة على تقاليدها جماعة جيتوية، وليست كل جماعة حريصة على هويتها متورطة في الاستعلاء أو الانتهازية. الخصوصية الثقافية أو العقدية أو الفكرية قد تكون حقا مشروعا وضرورة إنسانية في عالم شديد التماثل والابتلاع. لكن هذا الحق ينقلب إلى مشكلة حين تتحول الخصوصية إلى حصن ضد النقد، وإلى حجة لاحتكار القيمة، وإلى وسيلة للاستفادة من المشترك العام دون الالتزام بمقتضياته الأخلاقية. تصبح الخصوصية حينئذ اسما مهذبا للانعزال، ويصبح التميز قناعا للاستعلاء، ويصبح الدفاع عن الذات ذريعة دائمة للإفلات من المساءلة.
إن ثقافة الجيتو، في المحصلة، ليست مجرد آلية لحماية الهوية، بل قد تتحول إلى مصنع لإنتاج الأوهام الجماعية: وهم النقاء، ووهم الاصطفاء، ووهم المظلومية المطلقة، ووهم التفوق الذي لا يحتاج إلى اختبار، ووهم ادعاء التسامح. وهي لذلك ظاهرة تستحق النقد لا لأنها تحب ذاتها، فكل جماعة تحتاج إلى حد أدنى من الاعتزاز بذاتها، بل لأنها تبالغ في حب ذاتها إلى الدرجة التي تجعلها غير قادرة على رؤية العالم إلا بوصفه إما خطرا أو خزانا للمنافع. إنها تريد من الخارج أن يعترف بها، وأن يساعدها، وأن يتعاطف معها، وأن يفتح لها مجالات التأثير، لكنها لا تكون مستعدة بالقدر نفسه للاعتراف المتبادل أو للاندراج في أخلاق عمومية واحدة تسري عليها كما تسري على غيرها. ومن هنا فإن نقد ثقافة الجيتو ليس عداء للخصوصية، بل دفاع عن فكرة أرقى: أن الهوية لا تزدهر بالأسوار فقط، وأن الجماعة التي لا تتعلم إلا تمجيد نفسها ستتعلم، عاجلا أو آجلا، كيف تبرر كل شيء باسم نفسها!!
