نظام «الطيبات»
نظام «الطيبات»: لماذا تحول نظام غذائي إلى ساحة جدل اجتماعي وأيديولوجي؟
لم يكن الجدل حول نظام «الطيبات» مجرد خلاف طبي حول طعام مسموح وطعام ممنوع، بل تحول إلى مرآة كاشفة لأزمة أعمق: أزمة ثقة بين الناس والمؤسسات الطبية، وأزمة معرفة في زمن المنصات، وأزمة مرضى يبحثون عن خلاص سريع من أمراض مزمنة مكلفة ومقلقة. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل النظام صحيح أم خاطئ فقط؟ بل: لماذا صدّقه قطاع من الناس بهذه الحماسة؟ ولماذا دافعوا عن صاحبه بهذه الشراسة؟ ولماذا تعامل معه الإعلام بوصفه مادة قابلة للاشتعال؟
يقوم نظام «الطيبات»، كما عرضته تقارير صحفية، على تقسيم الطعام إلى أطعمة «طيبة» وأطعمة «خبيثة/سامة»، مع قواعد مثل الأكل عند الجوع، وشرب الماء عند العطش، والصيام المتقطع، ومنع مجموعات غذائية واسعة مثل البيض والدواجن والبقوليات وبعض الخضروات والفواكه ومنتجات ألبان معينة، بل وورد في بعض العروض الصحفية لقوائم النظام ذكر أدوية ضمن الممنوعات مثل أدوية الكوليسترول والحموضة والاكتئاب. هنا انتقل الأمر من نظام غذائي قابل للنقاش إلى منطقة شديدة الخطورة: منطقة تقديم بدائل أو إيحاءات قد تمس علاج أمراض مزمنة.
اللافت أن النظام لم ينتشر لأنه قدم برهانا علميا صارما، بل لأنه قدم حكاية سهلة الفهم: جسم ملوّث، طعام فاسد، شركات أدوية مستفيدة، وطبيب يقول للناس إن الشفاء أقرب مما يتصورون. هذه البنية السردية أقوى جماهيريا من خطاب الطبيب التقليدي الذي يقول: «الأمر معقد، نحتاج تحاليل، متابعة، جرعات، احتمالات، ومخاطر». الناس غالبا لا تتعلق بالنظرية الأكثر دقة، بل بالنظرية التي تمنحها معنى وأملا وسيطرة على المرض.
من الناحية الصحية، جاءت الاعتراضات الأساسية من أن النظام يعمم المنع والإباحة دون مراعاة الفروق الفردية والحالات المرضية. وفي سياق حيثيات منسوبة للهيئة التأديبية بنقابة الأطباء تم التأكيد على أن تعميم فرضيات أو نتائج محدودة على الإنسان السليم «دون سند إكلينيكي معتمد» خروج على الأصول العلمية، وأن الادعاءات المرتبطة بالسكري وزرع الكلى والسرطان والتغذية تخالف في نقاط محورية الإجماع الطبي والغذائي المستقر. كما أشارت الحيثيات إلى أن التغذية الإكلينيكية لا تقوم على التحريم المطلق أو الإباحة المطلقة، بل على التوازن والتخصيص الفردي والسياق المرضي.
وهذه هي نقطة الضعف الجوهرية في أي نظام غذائي شمولي: أنه يحوّل الإنسان إلى نموذج واحد. بينما الطب الحديث، رغم عيوبه وبطئه وبيروقراطيته، يقوم على فكرة أن مريض السكر ليس كغيره، ومريض الكلى ليس كمريض القولون، والطفل ليس كالمسن، ومن يتناول أدوية سيولة أو ضغط أو إنسولين لا يجوز أن يتعامل مع الغذاء بوصفه بديلا مباشرا للعلاج. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن النظام الغذائي الصحي يقوم على أربعة مبادئ: الكفاية، والتوازن، والاعتدال، والتنوع، وأن تركيب النظام الصحي يختلف باختلاف العمر والجنس والنشاط والحالة والسياق الثقافي، لا وفق قائمة جامدة تصلح للجميع.
أما البعد الإعلامي، فهو شديد الأهمية. الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية لا تنقل الجدل فقط، بل تصنعه وتضخمه. كلما ظهر خطاب صادم يقول إن طعاما شعبيا «خبيث»، أو إن الدواء يمكن الاستغناء عنه، أو إن المؤسسات تخفي الحقيقة، أصبح المحتوى أكثر قابلية للانتشار. وقد أشار متخصصون في الإعلام الرقمي، إلى أن خوارزميات المنصات تكافئ المختلف والصادم، وأن مقاطع الطبيب ساعدت في تحويل تجربة شخصية إلى حالة جماهيرية، خصوصا لدى جمهور يبحث عما يؤكد أمله أو شكوكه في المنظومة الطبية.
هنا تظهر المسألة الاجتماعية: الدفاع عن الطبيب لم يكن دفاعا عن نظام غذائي فقط، بل دفاعا عن معنى. كثير من الناس لا يدافعون عن «الطيبات» لأنهم قرأوا أبحاثا سريرية، بل لأن الخطاب لمس جرحا حقيقيا: تكلفة العلاج، قسوة المرض المزمن، ضعف التواصل بين الطبيب والمريض، الإحساس بأن شركات الدواء تربح من الألم، وتجارب شخصية مع أطباء لم يشرحوا بما يكفي أو لم يتعاملوا بإنسانية. لذلك، حين يهاجم أحدهم النظام، يسمعه بعض المدافعين كأنه يهاجم أملهم وكرامتهم وتجربتهم، لا مجرد رأي طبي.
أما الدفاع الشديد من قطاع من المصريين فيرتبط أيضا بثقافة «الطبيب المنقذ». في مجتمعات كثيرة، حين يفشل النظام الصحي في تقديم رعاية ميسورة ومفهومة، يظهر شخص كاريزمي يتكلم بلغة الناس لا بلغة المؤسسات. هذا الشخص قد يتحول إلى رمز: ضد شركات الدواء، ضد الطب التجاري، ضد النخبة المتعالية، ضد الإعلام الرسمي. بعد وفاة الدكتور ضياء العوضي، زاد البعد العاطفي؛ فبعض المتعاطفين رأوا فيه ضحية أو «شهيد علم»، خصوصا بعد تداول قصص وظروف حول وفاته، رغم أن تقارير ذكرت أن وزارة الخارجية المصرية أكدت أن التحقيقات أثبتت أن الوفاة طبيعية ولا توجد شبهة جنائية.
الإيديولوجيا هنا حاضرة بقوة. اسم «الطيبات» نفسه ليس محايدا؛ إنه يستدعي مفردات دينية وأخلاقية. حين يصبح الطعام «طيبا» أو «خبيثا»، لا يعود الاختيار الغذائي مسألة سعرات وبروتين وألياف ودهون، بل يصبح مسألة طهارة وفساد. هذا يمنح النظام قوة رمزية هائلة: من يتبعه يشعر أنه لا يحسن صحته فقط، بل يطهّر جسده ويقاوم منظومة ملوثة. وهنا تكمن الخطورة: عندما تتحول التغذية إلى عقيدة، يصبح نقدها كأنه اعتداء على الهوية، لا مراجعة علمية.
سياسيا، يكشف الجدل عن علاقة متوترة بين المؤسسات الرسمية، والخبراء، والجمهور، والمنصات. فحين تتأخر المؤسسات في الشرح، تسبقها الفيديوهات القصيرة. وحين ترد المؤسسات بالمنع أو التحذير فقط، قد يزداد اقتناع الجمهور المؤيد بأن هناك «مؤامرة» لإسكات الصوت المختلف. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تلقى مخاطبات من وزارة الصحة ونقابة الأطباء بشأن محتوى يضر بالصحة العامة، ثم اتخذ قرارات تتعلق بعدم نشر أو إعادة تداول مواد صادرة عن طبيب متوفى أو سبق تسجيلها له، ورصد المخالفات وإحالة الروابط المخالفة للجهات المختصة. هذه الإجراءات قد تكون مفهومة من زاوية حماية الصحة العامة، لكنها لا تكفي وحدها؛ لأن المنع دون تفسير علمي مبسط يترك فراغا تملؤه نظريات المؤامرة.
وهناك بعد ديني وأخلاقي أيضا. دار الإفتاء، اعتبرت أن نشر وصفات غذائية تدعو إلى التخلي عن الأدوية وتعريض حياة المرضى للخطر إثم، وأن غير المختص لا يدرك خطورة الأمر، وأن من يصر على نشر هذه الدعوات يكون شريكا في الضرر. أهمية هذا الموقف أنه ينقل النقاش من حرية الرأي إلى مسؤولية التأثير: ليس كل ما جربه شخص يجوز تعميمه على المرضى، وليس كل تجربة شخصية تصلح أن تتحول إلى وصفة عامة.
لكن الحقيقة غير المريحة أن الهجوم المتعالي على مؤيدي النظام قد يكون جزءا من المشكلة. وصف الناس بالجهل أو السذاجة لا يضعف الظاهرة، بل يقويها؛ لأنه يؤكد لهم أن «النخبة» تحتقرهم. الأفضل هو تفكيك الجاذبية النفسية والاجتماعية للنظام: نعم، الغذاء مهم جدا؛ نعم، نمط الحياة يؤثر في السكر والضغط والسمنة والالتهابات؛ نعم، هناك مصالح اقتصادية في الطب والغذاء؛ لكن لا، هذا لا يعني أن كل دواء مؤامرة، ولا أن التجربة الفردية تعادل الدليل العلمي، ولا أن منع البيض والبقوليات والخضروات والدواجن يصلح كقاعدة عامة، ولا أن مريض السكر أو القلب أو الكلى يستطيع استبدال العلاج بنظام غذائي دون طبيبه.
الخلاصة أن «نظام الطيبات» تحول إلى ظاهرة لأنه جمع بين ثلاثة عناصر قابلة للانفجار: مرضى يبحثون عن أمل، ومنصات تكافئ الصدمة، وخطاب أخلاقي/ديني يمنح الطعام معنى يتجاوز التغذية. أما الدفاع العنيف عن الدكتور، فهو في عمقه ليس دفاعا عن قائمة طعام، بل دفاع عن حلم بأن الشفاء بسيط، وأن الجسد يمكن استعادته دون تكلفة ودواء ومؤسسات. وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا نتجاهلها: حين تفقد المؤسسات ثقة الناس، يصبح أي خطاب بديل، مهما كان ضعيف الدليل، قادرا على الانتشار بدرجة سريعة وبمسارات متنوعة.
