حين يصبح الصخب إدمانًا لماذا نخاف من الهدوء؟
لم يكن الصمت يومًا نادرًا كما هو اليوم. فمنذ أن يفتح الإنسان عينيه في الصباح، تبدأ الأصوات في ملاحقته؛ إشعارات الهاتف، وعناوين الأخبار، ومقاطع الفيديو، ورسائل العمل، وتعليقات الأصدقاء، وإعلانات لا تنتهي. حتى إذا انتهى يومه، لم يجد السكون الذي يستريح إليه، بل حمل معه شاشة أخرى، وصوتًا آخر، ومحتوى جديدًا ينتظر أن يستهلكه. وكأن العالم أقنع الإنسان بأن الهدوء فراغ ينبغي ملؤه، لا نعمة تستحق أن تُعاش.
ولعل المفارقة أن الإنسان، الذي كان يبحث قديمًا عن وسيلة تكسر وحدته، أصبح اليوم يبحث عن وسيلة تحميه من الضجيج. فلم تعد المشكلة في قلة الأصوات، بل في كثرتها. ولم يعد العقل يعاني من نقص المعلومات، بل من فيضانها. وأصبح الإنسان ينتقل من فكرة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، حتى فقد القدرة على البقاء مع نفسه دقائق قليلة دون أن يشعر بحاجة إلى شيء يشتت انتباهه.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة. فالعالم الرقمي يقوم على جذب الانتباه باستمرار، وكلما زادت المثيرات، زاد الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشة. ولهذا، صارت التطبيقات تتنافس على ألا تترك للعقل فرصة للهدوء. فبعد انتهاء مقطع، يبدأ آخر تلقائيًا، وبعد قراءة خبر، يظهر خبر جديد، وبعد إنهاء محادثة، يصل إشعار آخر. وهكذا، يتحول الضجيج إلى حالة دائمة لا تكاد تمنح الإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه.
لكن الأخطر من الضجيج الخارجي، هو الضجيج الداخلي الذي يخلقه. فالإنسان الذي يعتاد المثيرات المستمرة، يجد صعوبة في الجلوس مع أفكاره. وإذا جلس وحده، أسرع إلى هاتفه، لا لأنه يحتاج إليه، بل لأنه يخشى تلك المساحة الصامتة التي قد تضعه وجهًا لوجه أمام أسئلته المؤجلة، أو مخاوفه، أو وحدته، أو قراراته التي طال الهروب منها.
ومن هنا، يصبح الصخب نوعًا من الإدمان. ليس لأن الأصوات جميلة، بل لأنها تمنع الإنسان من سماع صوته الداخلي. فالهدوء يكشف ما نحاول تجاهله، ويجبرنا على التفكير فيما أجلناه طويلًا. ولذلك، قد يبدو الضجيج أكثر راحة، لأنه يسمح لنا بالهروب من مواجهة أنفسنا.
وقد انعكس ذلك على قدرتنا على التركيز أيضًا. فالكتاب الذي كان يُقرأ في جلسة واحدة، أصبح يحتاج إلى أيام. والفيلم الذي يستغرق ساعتين، يتوقف المشاهد عن متابعته أكثر من مرة ليفحص هاتفه. وحتى الحوار بين شخصين، أصبح كثيرًا ما تقطعه نظرة سريعة إلى شاشة مضيئة. وكأن العقل فقد قدرته على البقاء في مكان واحد، لأنه اعتاد الانتقال المستمر بين عشرات الأشياء.
ولا يعني هذا أن كل أشكال الصخب سيئة. فالحياة بطبيعتها مليئة بالحركة، والأصوات جزء من نبضها. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان عاجزًا عن احتمال الهدوء. فهناك فرق بين أن تختار الضجيج، وبين أن تخشاه إذا غاب. والفرق بين أن تستمتع بالموسيقى، وبين أن تستخدمها كي لا تسمع أفكارك.
ولعل أجمل الأفكار، وأصدق القرارات، وأعمق لحظات الإبداع، لم تولد في أماكن مزدحمة، بل في لحظات هدوء استطاع فيها الإنسان أن يصغي إلى نفسه. فالكاتب لا يجد جمله وسط الضجيج، والعالم لا يصل إلى اكتشافه بين المقاطعات المستمرة، وحتى العلاقات الإنسانية تحتاج إلى لحظات من السكون، لا إلى كلمات لا تنتهي.
وربما يحتاج الإنسان اليوم إلى أن يتعلم من جديد فن الصمت. أن يمشي دون سماعات في أذنيه، وأن يجلس مع أسرته دون أن يقاطعه هاتف، وأن يترك لنفسه وقتًا يخلو فيه من كل المؤثرات. ليس لأن الهدوء رفاهية، بل لأنه أصبح ضرورة نفسية وعقلية في عالم لا يكف عن الصراخ.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقًا: لماذا أصبح الإنسان يخشى الهدوء، وهو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن يسمع نفسه بوضوح؟ فربما لم يكن الصخب هو ما يرهقنا، بل اعتيادنا عليه حتى نسينا أن السكينة ليست غياب الأصوات، بل حضور الإنسان الكامل مع ذاته.
