الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم سامح الجباس

دراسة فلسطين فى الرواية العربية

هدف الدراسة:

يقول الفونس دوديه (1): (الرواية هى تاريخ الناس العاديين ،فى حين أن التاريخ هو رواية الملوك.)

وقد أصبحت الرواية منذ منتصف القرن العشرين وسيلة لتأريخ وتوثيق الأحداث التاريخية ،والمتغيرات المكانية التى تسجل تطور القضية الفلسطينية عبر العصور.

منهج الدراسة:

1- دراسة ثمانية"نماذج روائية"معاصرة (صدرت فى الفترة من عام 1955 الى عام 2019) وهى مقسمة إلى:

أولا: روايات كتبها روائيين فلسطينيين وهى حسب الترتيب الزمنى لنشرها:

1- عباد الشمس.
2- راكب الريح.
3- أرض السلحفاة.
4- ظلال العائلة.

ثانيا: روايات كتبها أدباء عرب من جنسيات مختلفة وهى:

1- أرض الأنبياء
2- ابتسامة على شفتيه
3- سوناتا لأشباح القدس
4- مصابيح أورشليم

الدراسة:

أولا: روايات كتبها روائيين فلسطينيين:

وهى تتميز بالظواهر الفنية والأدبية التالية:

1- الاهتمام بتوثيق تفاصيل المدن والعادات والتقاليد والحكايات الشعبية وأسماء الشخصيات المميزة.
2- تتناول بالوصف"التوثيقى"بعض مدن فلسطين غير القدس مثل يافا وأريحا.
3- وصف العلاقة مع الاحتلال ،حملات التفتيش المفاجئة ،تقييد حرية الحركة.
4- قصص الحب المبتورة بين أبطالها.

وهذه إطلالة مختصرة عليها:

1- رواية عباد الشمس
الكاتبة سحر خليفة
الناشر دار الأداب – الطبعة الرابعة 2008

يقول الدكتور جابر عصفور عن الكتابة (2):

(الكتابة رؤية ،وبقدر عمق الرؤية وجذريتها وشمولها وتنوع عناصرها وثراء مكوناتها تتحدد قيمة الكتابة، ويتميز الكاتب الذى يمضى خفيفاً لايُخلف شيئاً وراءه، أو يُغيّر شيئاً حوله، عن الكاتب الذى يُقسم تاريخ الكتابة، ويُخالف بين أزمنتها وتياراتها، وذلك منذ اللحظة التي يصرف فيها تيار الكتابة عن مجراه السائد المألوف بما يفتحه من آفاق واعدة، أو يؤّصله من تقاليد جديدة، أو يُغوى به من احتمالات كتابية لاحد لإمكاناتها.)

تدور أحداث الرواية فى مدينة القدس.

وهى تتميز بالعناصر الجمالية التالية:

1- الاهتمام بوصف الناس وتفاصيلهم.لنقرأ هذه النماذج منها:

امرأة تحمل سلة مليئة بخضار الموسم:قرنبيط وسبانخ وربطة فجل أحمر. رجل دين اشرأبت سوالفه حين اصطدمت قدماه بالأرض،شاب وفتاة متخاصران يتأملان الشرق بفضول وتسلية. صبى فى العاشرة يقفز من باص لآخر وبيده أكياس ترمس ، يصرخ بأعلى صوته:"ترموس"

بعض الباعة، كعك وبيض وزعتر، حلاوة سمسم، وفرش يحط عليه الذباب فلا تعرف نوعه. وأناس يروحون وآخرون يجيئون. وفى أول الشارع راهبة تجرّ وراءها عنقود أيتام يمشون بصف العساكر المهزومة.

رائحة جلود الخراف خيطت جاكيتات فرائية بلون الندف. وبائعو البقالة على جانبىّ الشارع المسقوف. زيتون رصيع ،زيتون يونانى، وفسيخ وقطين مشكوك عقودا طويلة ،وخضار وحلويات شرقية، وبائع عوامة وزلابية،وباعة أشرطة كاسيت يستعرضون بضائعهم ،فتختلط الأنغام ،وتختلط اللغات ،وتختلط البلد.

2- استخدام الرمزية فى الحوار:

البطل والبطلة متحابان لكنهما متجادلان بسبب اختلاف شخصياتهما، والحوار بينهما دائما ذو أبعاد رمزية.

يؤدى الرمز هنا إلى فتح عالم النص على التعددية وعلى تأويلات متعارضة، أي أن الرمز يُعيد تشكيل العالم بتمثلات اللغة وإشاراتها، وكذا تنشيط فعل التخييل فى الذات، ففى الرمز يكمن المعنى المزدوج، والمعنى المزدوج هو موضوع التأويل.
وكمثال لنقرأ هذا الحوار بينهما:

- ولماذا تموتين؟

 أعطى الناس مثالا.
 مثالك سخيف لأنه سابق لأوانه.
 أدعهم ينتظرون اذن.. وقد يطول الانتظار!
 مثالك سيخيفهم، وقد يعطل سيرهم فيلومونك بدلاً من أن يتبعوك.
 ولكنى قطعت الشارع ولم أمت.
 صدفة. وقد قطعته وحدك،و ما نفع أن تقطعيه وحدك؟
 تقدمتهم.
 ولم يتبعوك.
 لأنهم جبناء،لأنهم أذلاء ،ولأنهم يريدون الأمان.

3- تؤدى الرواية دورا فى الحفاظ على التراث الشفاهى الشعبى الفلسطينى. مثال:
تعمل العمايل وترخى الشمايل..

عالعافية أبو الشباب..

4- توثق الرواية الحكايات الشعبية. مثال:

ودخل الولد فى زقاق وخرج من زقاق والجنود وراءه مثل كلاب السلق. تشعبط سور ونطّ ،ولقى عجوزة لابسة تنورة صلاة ويانس تسقى الجنينة. واختفى الولد، انشقت الأرض وبلعته،وسأل الجنود العجوزة:"الولد فين؟"قالت:"أى ولد؟"
"الولد يا جيفيريت، الولد يا ست، الولد؟

هون الولد. هناك الولد بين الزريعة على الشجرة طالع نازل، لا ولد ولا يحزنون، وبعدما خرج الجنود رفعت العجوز تنورة الصلاة وقالت للولد:"يا الله،عند أمك"

5- إبراز الحوار باللهجة الفلسطينية، مثلا:

أيش نلت من هالبلد؟فى ساعة الحاجة والغفلة ما ينفعك غير قرشك. قعدت فى الدار ثمان شهور، ماحد مدّ إيده بقرن موز أو تفاحة للأولاد..

2- رواية راكب الريح
للروائى يحيى يخلف
الناشر دار الشروق بالأردن 2015

يُعرف"جون مولينو"(3) الرواية التاريخية فى مقاله (ما الرواية التاريخية) بأنها:"هى محكى إطاره واقع وأبطاله متخيلون."
تقترح الرواية التاريخية إعادة بناء صورة الماضى عبر مصائر فردية لشخصيات متخيلة وهذا ما نجده فى هذه الرواية.

زمن الرواية: 1795م
المكان: يافا
تتفرد هذه الرواية بالعناصر التالية:

1- وصف المكان تاريخيا:

يسكن بيتاً مبنياً على النمط المملوكى على سفح التلة،التى تعلوها السراى، حيث يقيم الوالى العثمانى عبد الله بك.
والده امتهن صناعة الصابون، له مصنع ومتجر فى السوق القريبة من الجامع الكبير الذى بناه الإمام الشيخ محمد بيبى بمعمار عثمانى فريد.

.. ويستمتع بمشاهدة السلع المعروضة: أقمشة فاخرة، وملابس مزركشة،ومطعمة باللؤلؤ،ومحلات بهار تعرض البسط المجدلاوية المنسوجة على النول،والسجاجيد العجمية المنسوجة فى أصفهان،ومحلات صابون صناعة يافا وأخرى صناعة نابلس،وأسواق جانبية لبيع الحبوب والزيت والغزل والنسيج وزيت الزيتون، وسوق الحريم التى تبيع الأقمشة ، وكلف العرائس، وتتخصص فى بيع الحُلى...

2- وصف العملات القديمة:

وامتلأت جيبوبه بمسكوكات ذهبية من فئة سكوين، وفضية من فئة البشلك والبارة، ومسكوكات نحاسية من فئة الزلطة والأكتشة..

3- وصف الناس اجتماعيا:

انهم يحتفلون بموسم النبى أيوب. المتنزهون عائلات، وتجمعات شبابية قادمة من مدن وأرياف، وثمة مجموعة من الخادمات يصحبن سيداتهن..

4- توثيق الطعام الشعبى فى الاحتفال بعيد الربيع:

وضعت بهنانة على صوانى الفضة اللامعة ما لذ وطاب من الحلوى: لقمة القاضى، وزنود الست، والمعمول بالفستق الحلبى ،والكعك بالتمر،والمطبّق ،والمشبّك، والزلابية..

3- رواية أرض السلحفاة
الروائية ليانة بدر
الناشر الدار الأهلية – الأردن 2019

يصف الناقد"محمد رياض وتار"الشخصية الروائية (4):

(للشخصية أهميتها كعنصر أساسى فى الرواية، من اهتمام الرواية بتصوير المجتمع الانسانى الذى يشكل فيه الشخص العمود الفقرى ، والقوة الواعية التي يدور فى فلكها كل شىء فى الوجود.)

بطلة الرواية تعود الى فلسطين بعد منفى فى لبنان، تقول:

ودعت ذكريات تلك القشعريرة الباطنية، التى تنتاب من يكون منشغلاً فى حياته اليومية المعتادة، ويفاجأ بسقوط قذيفة تدمر وتقتل كل من حولها وتحيلهم رمماً، فيما يعيش الأحياء الذين بقوا بمصادفة عجيبة هى شرط الحروب.

خلّفت ورائى صور المعارك التى فرُضت على المدنيين منا بغرض محوهم من الخليقة، وتلك الذكرى المفزعة لخصلات الشعر المتطايرة بين ردم الأبنية فى مخيمات لبنان، وقد كانت لبشر كانوا معارف وأصدقاء قبل أن يفتتهم الطيران الحربى.

• المكان هنا مختلف وهو مدينة أريحا، لنقرأ:
ليلاً كنت فى أريحا تحت شجرة فى بيت صديق والدى، يجتمع تحتها معارف العائلة وأصدقاؤها. هناك حيث الظل والطقس اللطيف وكاسات الشاى المغلى على الحطب بالنعناع الريحاوى الذى ينمو على ضفاف الأقنية..

• وهذه عين البطلة العائدة من المنفى وهى ترى أريحا وعالمها:
حين أعُلن عن مسيرة كبيرة لمناهضة الاستيطان فى منتصف شهر شباط، لم تكن قد عرفت هى العائدة إلى الوطن بعد كل هذه السنين أى تفاصيل جديدة عن خارطة المدينة الجديدة التى تسكنها الآن. ظنت أن المسيرة سوف تكون فى وسط المدينة الجبلية،الذى يمتد بين ميدان المغتربين القريب من مطعم"البردونى"المتخصص فى أكلة المسخن التقليدية وشواء الكباب واللحوم المنقوعة بالبهارات والتوابل، ودوار المنارة الصغير الذى لم تكن أسوده الحجرية الصغيرة قد أستبدلت حينها بأسود رخامية أكبر حجما.

• كيف رأت العائدة الآخر؟ لنقرأ:
كان التسلق سيتم من بين هذه الصخور التى تسد الطريق وما بين أجمات الشوك التى تسد بقايا الدروب الضيقة، وذلك للوصول الى بيوت جديدة بدأوا إضافتها الى مستعمرة"بيساجوت"التى بُنيت أصلاً على أرض مسروقة من إسكان يخص موظفين فلسطينيين، اشتروها بحر مالهم من عملهم فى الكويت قبل عام 1967

وأيضا:

كان على الجميع النوم على الأرض والاعتصام هناك دفاعا عن أرض تتم سرقتها وإنهاكها يوميا، ما كان عليهم أن يغادروا
قبل أن يرفد الجني نفسه بقوات أكبر وأكثر تقدر على إخلائهم.
قالوا: معكم خمس دقائق فقط.
صرخوا فى الميكروفون: نعلن هذا المكان منطقة عسكرية.
أطلق الجنود عيارات انذار نارية فى الهواء..

4- رواية (ظلال العائلة)
الكاتب محمود شقير
الناشر نوفل – هاشيت أنطوان 2019

يقول الناقد الدكتور سيد محمد السيد قطب (5):

(كل مبدع مر بتجربة الحياة عبر عالمين: عالم شاهده وشارك فى بطولة لحظة ما فى سياقه، أو ظل مراقباً راصداً ينتظر ما تُسفر عنه الحكاية الطويلة التي تدور حوله، انها دائرة الواقع الذى يصبح تاريخاً فى كل ذاكرة جمعية ورصيداً للخبرة والعزاء فى الذاكرة الفردية.

والعالم الثانى هى: منازل البيان، هى الأبجدية الجمالية، هى السكن أو تلك القارورة التي ستحتوى قطرات الروح المبدعة وهى تصب مالديها من مِداد تمت معالجته فى معمل تكرير الوعى على صفحات ستصافحها بصائر الآخرين وتُعيد اختبار مادتها.)

وهذا الرأى ينطبق تماما على التجربة الروائية للكاتب محمود شقير.

من خصائص هذه الرواية:
1- مكان الرواية: القدس

2- البطل: يفاخر باسمه كاملا وهو:

قيس بن منّان بن عطوان بن منّان بن محمد العبد اللات.

3- الاهتمام بوصف المدينة:

على الحائط كذلك، صورة للميدان عمرها قريب من مئة سنة، ألتقطت فى العام 1918، يظهر فيها جنود بريطانيون وجمهرة من الفلسطينيين، لهذه المدينة تاريخ غاصّ بالغزاة الذين احتلوها ودمروها مراراً عبر آلاف السنين ، وكانت فى كل مرة تنبعث من جديد..

4- التفرد فى وصف الناس:

تأملت فى الوقت ذاته المدينة التى تعجّ بالناس، ولا يعكر صفوها سوى الجنود، الحاملين بأيديهم معادن صقيلة لسفك الدماء.

على الأرصفة والأدراج رجال حذرون، لهم همومهم ومسراتهم الصغيرة، أو هكذا خُيّل إلىّ، وبنات وأولاد ذاهبون إلى مدارسهم، ونساء متجهات إلى داخل البلدة القديمة للتسوق أو للإلتحاق بوظائفهن، أغلبهن يُخفين أجسادهن فى فساتين فضفاضة وجلابيب، ويغطين رؤوسهن بالمناديل...

5- وصف الآخر:

استوقفنى الجنود وفتشونى بحثا عن سلاح نارى أو سكين، كنت صامتاً عابس الوجه وهم يفتشوننى، سمحوا لى بالمرور، دخلت ميدان عمر بن الخطاب الذى يعجّ بالمستوطنين وبالجنود، الجنود الذين قد يطلقون النار على نحو عشوائى لأى سبب...

أوقفت السيارة على مقربة من أرض لعائلتى فى البريّة ومشينا.
كانت الأعشاب جافة، والخريف يفعل فعله فيها و لا مطر بعد، والبريّة بسهولها وجبالها تبدو مترامية الأطراف، وتوحى بالمهابة وبتاريخ لا يمكن اختصاره بجرة قلم، أو إقصاؤه بالكذب وتزوير الحقائق، وهى مسربلة بسكون رهيف، ولا يعكر جمال المشهد سوى مستوطنة غريبة عن المكان، تزحف مثل خلايا السرطان نحو أرض البريّة، تقضمها على مهل، ولست أدرى كيف يطيب العيش لسكانها وهم يعلمون أنهم يحيون فوق أرض ليست لهم.

ونقرأ أيضا:

بعد لحظات، اندفعت ثُلة من الجنود ومعهم مجندتان إلى داخل المقهى فى غارة مفاجئة. جاؤوا وجاءت معهم الرائحة الكريهة التى هاجمتنى وزكمت أنفى، وكانوا مثل وحوش ضارية تهاجم خلية نحل آمنة. طلبوا منا إبراز بطاقات الهوية.
دققوا النظر فى البطاقات، فتشوا بعض الشباب الأجانب، ثم اقتربوا منا. فتشنى أحد الجنود، وتولت جندية من يهود الفلاشا تفتيش ليلى، وتلمسّت صدرها بلؤم مقصود.

ثانيا: روايات كتبها أدباء عرب من جنسيات مختلفة وهى:
1-أرض الأنبياء
2-ابتسامة على شفتيه
3- سوناتا لأشباح القدس
4- مصابيح أورشليم

يقول الشاعر والناقد أدونيس (6):

(إن اضطرابنا فى معرفة الآخر يعكس اضطرابنا فى معرفة الذات. فلا يمكن أن نعرف الآخر معرفة حقة، اذا لم نعرف ذاتنا معرفة حقة.)

وهى تتميزبالتالى:

1- النظرة العامة الشمولية لقضية فلسطين وموقف الدول العربية منها.
2- غالبا ما تركز على مدينة القدس.

وهذه إطلالة عليها:

1- أرض الأنبياء:
الروائى المصرى نجيب الكيلانى
الناشر: الشركة القومية للطباعة والنشر - 1955

زمن الرواية: انتهاء الانتداب البريطانى على فلسطين 1948
مكان الرواية: مدينة حيفا.

الرواية تصف الفظائع التى ارتكبتها العصابات الصهيونية ومقاومة أهل فلسطين البطولية لها.
يصف الناقد د. صلاح صالح الرواية الواقعية (7) بأنها:

(الأحداث الروائية الموسومة بالواقعية هى تلك الأحداث التي حدثت فعلاً، أو تلك التي تمتلك قابلية مقنعة للحدوث، بحيث تعيد الأعمال الروائية تشكيل بعض الوقائع الفعلية، وتُعيد أيضاً تشكيل شخصياتها، وتحافظ فى الوقت نفسه على نكهة البيئة الواقعية وخصوصياتها وتفاصيلها بحيث لايشكل الواقع إلا نوعاً من المادة الخام التي لاتصير مادة روائية قبل صهرها وإعادة خلقها من جديد.)
وهذا ما جسدته هذه الرواية:

• وصف المدينة:

مدينة حيفا بدت تحت جنح الظلام كابية حزينة، وارتجافات النجوم فى سمائها الصافية توحى بالقلق، ودمدمات غامضة تنبعث من البحر الواسع الكبير ، لكأن المدينة كائن حى، ولكأن مظهرها يشبه مسافرا غداً وعلى ملامحه ترتسم سمات الأسى والحزن والغربة المرتقبة...

• وصف الناس:

الأطفال نائمون تحت أسقف المنازل يبتسمون فى وداعة وفراغ بال. ويحلمون بالفاكهة الشهية. والدمى الفاتنة، واللعب على شاطىء البحر، ويسبحون فى عالم بهيج رائع.

والعذارى يهمسن – وهن فى شبه غيبوبة شجية – بالأمنيات العذبة، والشباب اليانع والشيوخ – تحت وطأة السنين واقتراب الأجل وحب الله – يتمتمون بالدعاء، ويضرعون إلى الله أن يهبهم الستر والرضا والجنة.

• وصف الآخر:

يجتمع قائد القوات البريطانية بضباط القيادة ويقول لهم:
غدا ستعلن حكومتنا انتهاء الانتداب على فلسطين، لقد أدينا واجبنا، وما علينا إلا أن نسلم الأرض لأهلها، هذه هى الأوامر.. وأصحاب الأرض ليسوا هم العرب وحدهم، فاليهود أصحاب حق هم الآخرون.. وكبرياء العرب تأبى أن تُسلم لهم بحقهم.. ولكى ندعم قرار تقسيم فلسطين، ونجعله حقيقة واقعة كان من الواجب علينا أن نهب اليهود أرضا يقفون عليها، وسلاحا يؤكدون به وجودهم.. ولهذا كانت الأوامر صريحة بأن يتسلموا السلاح والمواقع منا، ثم ننسحب نحن بأسرع ما يمكن...

وعندما يجتمع أحد قادة الصهاينة برجالة يخطب فيهم خطبة طويلة ثم يقول لهم:
يجب أن تبيدوا الشعب الفلسطينى العربى،كلما وجدتم إلى ذلك سبيلا، حتى لا تقوم لهم قائمة،وحتى تلقنوهم درسا قاسيا،لقد أسعدتنى تلك المذابح التى أقمتموها فى حيفا اليوم ، فإن الطفل الذى تتركونه اليوم قد يشهر فى وجهنا السلاح غدا ،والمرأة التى تفلت منكم،قد تضع مولودا بطلا فى المستقبل..

2- رواية ابتسامة على شفتيه
الروائى المصرى يوسف السباعى
الناشر مكتبة مصر 1971

يقول توماس هاردى (8) فى كتابه"نظرية الرواية":
(الرواية درس فى الحياة، توسيع ذهنى من خلال عناصر أساسية فى السرد، ومن خلال التأملات التي تثيرها هذه العناصر.)

المكان: القدس

• يعيش عمار حزينا متمردا متجهما ، لا تزور الابتسامة شفتيه بعد أن رأى وهو صغير مذبحة تعرضت لها أسرة خالته، انه يضيق بالعمل فى التجارة مع أبيه وهو يبحث عن ذاته وهويته.
يقول له يحيى قريبه الشاب:
عندما نمسك السلاح ونقاتل.. سيوضع كل شىء فى موضعه.. سيعرف العالم أننا شعب نقاتل من أجل أرضنا ووطننا وحريتنا.. لا جماعة من اللاجئين.. يسألون العالم حسنة.. وسنستقطب كل القوى الفلسطينية المختلفة بلا سبب.. وسنكشف الزعامات الزائفة.. بل وأكثر من هذا سنستقطب كل القوى العربية المختلفة.. المتناقضة..

• الرواية تأتى من منظور رؤية فلسطينية لأحوال الأمة العربية من حولها وهذا يظهر بوضوح فى الحوار الذى يدور بين يحيى وعمار الذى يقول له:

- نحن نقتل واحدا.. وهم يقتلون عشرة. انهم قادرون بالسلاح.. هل تعلم أنهم بدأوا يهددون بالهجوم على سوريا.. والأردن. لضرب قواعد الفدائيين؟
 دعهم يفعلوا.
 والنتيجة؟
 سنرد الصاع صاعين.
 من الذى سيرد؟
 الجيوش العربية.
 أى جيوش.. هل تعتقد أن لدينا جيوشاً قادرة على مجابهة الجيش الاسرائيلى؟
 أجل.
 أين هى؟ لقد قال عبد الناصر أن ليس لديه خطة جاهزة لاستعادة فلسطين.. وأنه لن يقبل الدخول فى حرب قبل أن يأخذ لها عدتها.. ويحاول بعض الحكام العرب دفعه إلى الحرب قبل أن يستعد لها.. وبعض الاذاعات العربية تهاجمه لأنه يترك اسرائيل تمر فى شرم الشيخ.. وأنه يقف مستتراً وراء قوات الأمم المتحدة..

• يعيش بطل الرواية عمار فى معضلة تحيره وتؤرقه. لنقرأ:

وفى طريقه إلى الحانوت عادت كلمات يحيى تطرق مسامعه.."عندما تمسك بالسلاح وتقاتل.. سيوضع كل شىء فى موضعه"..

إلى أى مدى يصح هذا القول؟ إلى أى مدى يصح مع الفلسطينيين المتنافرين؟ وإلى أى مدى يصح مع العرب المتقاتلين؟ يقاتل بعضهم البعض الآخر.. ولا يقاتل العدو الحقيقى..

خرج البعض فى سوريا بالسلاح من أجل فض الوحدة.. وتشاغلت جيوش العراق وسوريا.. بطىّ النظام وراء النظام.. وعمل الانقلاب وراء الانقلاب.. والثورة فى أعقاب الثورة..

والجيش المصرى مشغول بحماية ثورة اليمن من الرجعية..

3- رواية مصابيح أورشليم
للكاتب العراقى على بدر
الناشر المؤسسة العربية للدراسات الأردن 2009

يصف الناقد د/ صلاح فضل (9) الرواية الحديثة:

(أصبحت الرواية مجمع الفنون الجميلة كلها، يلوذ بها المبدعون فى جميع المجالات لينفثوا فيها ذوب تجاربهم الحيوية وخلاصة مغامراتهم الجمالية.)

• تدور أحداث الرواية حول روائى عراقى يطلب منه صديقه أيمن المقدسى أن يكتب رواية عن زيارة المفكر الفلسطينى ادوارد سعيد للقدس.
لنقرأ وجهة النظر المختلفة والجديدة هذه:
مرة سألته:

 رواية عن ادوارد سعيد... لماذا رواية؟ لماذا لا تكتب عنه كتابا؟
قال: لأن اسرائيل نشأت من أسطورة أدبية.. من فكرة رومانتيكية.. نشأت من رواية.. وبالتالى يجب إعادة كتابتها عن طريق الأدب أيضا.. طالما كل الحروب قد خسرت وفشلت، لماذا لا نجرب الرواية؟

• ويصف الروائى – العراقى - أورشليم هكذا:
انها الفقدان الأبدى، وهى الخسران المطلق، هى الزوال المستمر، ونحن لن ندرك أمرها هذا إلا بعد أن نراها أو نعيش فيها.. وكل الذين عاشوا فيها كانوا يقولون إن أرواحهم فيها، لكنهم لم يصلوا اليها أبدا، وهى من جهة أخرى حلم كل المنفيين فى الأرض، كل الغرباء، كل المشردين، والهامشيين، والمغتربين، والمهاجرين، ومن لا أرض ولا وطن له، إنهم يبحثون عنها ولا يجدونها، يبحثون عنها فى أحجارها وفى ظلالها، ويدركون مرة بعد أخرى بأنها وحدها التى تملك الترياق الذى يشفيهم ولا علاج لهم فى سواها...

• وهذه رؤية من منظور عربى مختلف لمدينة القدس ، لتقرأ:

..وسوف نرى ونحن فى مكاننا المراحل التاريخية وهى تتداخل بعضها مع بعض، ومن فترة إلى فترة يبرز أمام أعيننا:قادة ،جنود، حُجاج، مهاجرون، سكان أصليون، ومن ثم تتحول أورشليم إلى مدينة لكل المنفيين، لكل اللاجئين، هى المكان الأعظم الذى ينسى فيه المنفى منفاه...

• وينطلق التخييل الروائى – بعقل عربى وليس فلسطينى – ليقدم رؤية مغايرة عن القدس، لنقرأ:
كانت تتجمع فى ذهنه أفكار ادوارد سعيد، حياته، مسيرته، الأشعار التى كان يحفظها وهو طفل، صوره، ويدمجها فى حياة المدينة القديمة، يدمجها فى الأحداث التاريخية، وصور الامبراطوريات المتعاقبة، كان يسمع وهو فى حجرته قرقعة السيوف وسنابك الخيل، يسمع صوت المدافع والمجنزرات، يسمع صراخ المندحرين واللاجئين وصوت الأناشيد العالية.
تتداخل فى ذهنه: لغات متعددة، أصوات متداخلة، صلوات مختلفة، بيانات، موت، أحقاد، كان يرى التحولات بعينيه، ويشم اختلاف الروائح من زمن إلى زمن، كان يعمل من الصباح إلى المساء كى يجمع كل شىء عنها: كتابات تاريخية، خرائط عتيقة، نقوداً قديمة، وثائق، مذكرات، شهادات أحياء...

4- رواية سوناتا لأشباح القدس
للكاتب الجزائى واسينى الأعرج
دار الآداب 2009

تقول الناقدة د/ أمانى فؤاد (10):
(فى أعتى عصور القهر، ظلت للإبداع قدرته على خلخلة السلطات وتقويض أركانها، يتاح له ذاك من خلال تقنياته وأساليبه الفنية التي تمكنه من المراوغة والترميز والإشارة، وخلق عوالم موازية، وغيرها من الوسائل للهروب من المساءلة المباشرة.)
وهذا ما يتمثله الروائى فى هذه الرواية.

• هذه سردية عن المنفيين الفلسطينيين:
المكان: القدس

• البطل شاب فلسطينى ولد ويعيش فى أمريكا ويحمل جنسيتها، يعود فى زيارة إلى القدس حتى ينثر رماد جثة أمه الرسامة الفلسطينية التى ماتت فى المنفى، تنفيذاً لوصيتها بنثر رمادها فى نهر الأردن.

يقول بطل الرواية:

وهى تعبر شوارع المدينة المندسة خلف نثار الأجساد ورائحة البارود. تدور فى الحارات زاوية زاوية، وباباً باباً: الحرم القدسى الشريف، قبة الصخرة، المسجد الأقصى، باب الرحمة، حارة الشرفة وحارة اليهود فى الجزء الجنوبى الشرقى من المدينة، وحارة المغاربة مع باب المغاربة، ثم حارة الأرمن وباب النبى داوود، وجبل الزيتون، وحارة النصارى فى الجزء الشمالى الغربى من المدينة، وكنيسة القيامة والباب الجديد، وحارة السعدية، وحارة باب حطة.

• يقول الراوى لأمه قبل موتها متأثراً بما كانت تقصه عليه عن مدينة القدس التى لم يراها أبداً:
لو عرفت الدنيا فقط كيف تنصفك وتركتك تهيمين فى شوارع القدس وأنت صغيرة تتشبعين من دروبها الضيقة وتربتها الآجرية وحجارتها الباردة صيفا والدافئة شتاء، قبل أن تأخذك عاصفة مجنونة انتزعتك من أرضك ورمتك فى منافى مدينة لم تتصوريها حتى فى الأحلام.

كانت القدس هى بداية الدنيا ومنتهاها بالنسبة لك..

• وتقول الأم عن أبيها كأنها تنقل ذاكرتها – أو تنسخها – الى وجدان ابنها (ابن المنفى الإجبارى):
شىء واحد لم أفرط فيه من بين كل أغراضه: المعطف الخشن الذى جاء به أول مرة إلى هذه الأرض.
كانت به روائح لم تمت. الغريب أنى شممت آخر رائحة غزت أنفى وأنا أغادر بيروت، كانت تشبه رائحة القهوة المحمّصة، والسفينة كانت رائحتها تشبه الحمامات التركية النسائية فى القدس..

• وفى القدس يقف البطل أمام قبر جدته – التى لم يرها أبدا لكن أمه حرصت على أن تنقل له كل ذكرياتها عن العائلة، وعن القدس- فى أول زيارة له إلى القدس. لنقرأ:

كنت سعيداً أننى عثرت عليه لأن الكثير من المقابر أزيحت من أمكنتها، وبنُيت عليها بنايات ودوائر حكومية بحجة أنها قديمة، وأن ضواحى القدس ضاقت.

مددت يدى نحو الكتابة وحاولت بأحد أصابعى محو أحد حروفها، فأمحى بدون أى مجهود، وقبل أن أتساءل كيف استمرت هذه الكتابة الهشة كل هذا الزمن، قرأ الشيخ الطاعن فى السن حيرتى فقال:

هل تعلم يا ابنى، أن حارس المقبرة لا يفعل شيئاً آخر غير هذا، منذ أكثر من نصف قرن، لا يعمل إلا على إعادة الكتابات..

نتائج الدراسة:

1- ستظل الرواية العربية هى الذاكرة التى لا تُمحى، هى الخزانة الحصينة التى تضم فلسطين من حيث: التاريخ، حياة الناس، لهجاتهم، طعامهم، ملابسهم، شوارعهم، أغنياتهم، أحلامهم، أحزانهم، آمالهم.

2- ستظل الروايات خريطة فلسطين التى لايمكن أن يمحوها الرصاص.

3- إن الروايات عن فلسطين تحولت إلى (جين وراثى) ينتقل من جيل الى جيل، فهى روايات يكتبها الروائيين من كل البلاد العربية.

المراجع

1- ألفونس دوديه: (كاتب فرنسى 1840 – 1897)

2- من كتاب (نجيب محفوظ الرمز والقيمة)
د/ جابر عصفور 2010 – الناشر جائزة القذافى للآداب.

3- جون مولينو: مفكر بريطانى (194 – 2022)

4- من كتاب (شخصية المثقف فى الرواية العربية السورية) – محمد رياض وتار – منشورات اتحاد الكتاب العرب - سوريا 1999

5- من مقال (تجليات الراوى المصاحب فى فضاء"ليلة سفر")
د. سيد محمد السيد قطب:

مجلة الرواية قضايا وآفاق العدد 5 - هيئة الكتاب 2010

6- من كتاب (موسيقى الحوت الأزرق) – أدونيس – دار الآداب 2002

7- من كتاب:سرديات الرواية العربية المعاصرة – د. صلاح صالح – المجلس الاعلى للثقافة – القاهرة 2003

8- توماس هاردى: (روائى وشاعر انجليزى 1840 – 1928)

9- من كتاب (انساق التخييل الروائى) الدار المصرية اللبنانية
د/ صلاح فضل 2018

10- من كتاب (الرواية وتحرير المجتمع)
د/ أمانى فؤاد
الدار المصرية اللبنانية 2014


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى