دراسة في جدلية الهوية والذاكرة
تحولات السردية الفلسطينية في الرواية العربية المعاصرة (2000-2025)
دراسة في جدلية الهوية والذاكرة
المقدمة
تظل القضية الفلسطينية، ببعديها التاريخي والإنساني، محركًا أساسيًا ورافدًا لا ينضب للإبداع الأدبي العربي، لا سيما في جنس الرواية الذي أثبت قدرته الفائقة على استيعاب تعقيدات الصراع وتجلياته المتعددة.
فمنذ النكبة عام 1948، تحولت الرواية من مرآة عاكسة للأحداث، إلى فضاء سردي للمقاومة، حافظةً للذاكرة الجمعية، ومنبرًا لتأكيد الهوية في وجه محاولات الطمس والتغييب.
وقد شهدت الرواية العربية، على امتداد عقود، تحولات عميقة في مقاربتها للقضية الفلسطينية، متأثرةً بالمتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عصفت بالمنطقة، فبعد مرحلة "أدب النكبة" الذي ركز على توثيق الفقد والألم، و"أدب المقاومة" الذي مجّد البطولة والصمود، بدأت تظهر في الألفية الجديدة اتجاهات سردية أكثر تعقيدًا وعمقًا، تسعى إلى تجاوز السرديات التقليدية، وتفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة بناء الهوية الفلسطينية من منظورات جديدة، تتناسب مع تعقيدات الواقع وتحدياته المتجددة.
أضحت الرواية العربية الحديثة الفضاء الأمثل لاستكشاف أبعاد القضية الفلسطينية المتشابكة، من خلال تقديم شخصيات روائية متعددة الأوجه، وتصوير تداعيات الصراع على المستويين الفردي والجماعي، إذ لم تعد الرواية تكتفي بنقل الواقع كما هو، بل أصبحت تسعى إلى فهمه وتأويله، وتقديم رؤى نقدية تسائل المسلمات، وتفضح زيف السرديات المضادة.
هذا التحول يعكس نضجًا في الوعي الروائي العربي، وإدراكًا لأهمية السرد في تشكيل الوعي الجمعي، ومواجهة محاولات التشويه والتغييب التي تستهدف القضية الفلسطينية.
تأتي هذه الدراسة لتسليط الضوء على هذه التحولات في السردية الفلسطينية ضمن الرواية العربية المعاصرة، وتحديدًا في الفترة الممتدة من عام 2000 إلى 2025، إذ شهدت هذه الفترة تحديدًا تحولات سياسية واجتماعية كبرى، انعكست بشكل مباشر على طبيعة التناول الروائي للقضية، فمن الانتفاضة الثانية، مرورًا بالحروب المتتالية على غزة، وصولًا إلى تصاعد وتيرة التطبيع، كلها أحداث فرضت على الروائيين العرب إعادة النظر في مقارباتهم، والبحث عن أشكال سردية جديدة تعبر عن هذه التعقيدات.
تهدف الدراسة إلى الإجابة عن إشكالية محورية: كيف استطاعت الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين تجاوز التوثيق التاريخي المباشر إلى التفكيك النقدي للهوية، وإعادة تشكيل الوعي بالقضية الفلسطينية من خلال آليات سردية مبتكرة؟ وكيف تجلت جدلية الهوية والذاكرة في هذه الروايات، سواء تلك التي كُتبت بأقلام فلسطينية من داخل المعتقل أو الشتات، أو تلك التي تناولتها أقلام عربية من خارج الجغرافيا الفلسطينية؟
لتحقيق هذا الهدف، ستعتمد الدراسة على المنهج التحليلي الثقافي، الذي يتيح فحص التمثيلات الثقافية والاجتماعية للقضية في النصوص الروائية، بالإضافة إلى نقد ما بعد الكولونيالية، الذي يساعد على تحليل صراع السرديات وتفكيك الخطابات الاستعمارية.
إن نقد ما بعد الكولونيالية، كما يرى إدوارد سعيد، يقدّم إطارًا نظريًا لفهم كيفية تشكّل الخطابات الثقافية للسلطة، وكيف يمكن للأدب أن يكون أداةً لمقاومة هذه الخطابات وإعادة بناء الهوية الذاتية للمهمّشين، ففلسطين، كحالة استعمار استيطاني، تمثل نموذجًا واضحًا لتطبيق هذا المنهج، حيث تتصارع السرديات حول الأرض والتاريخ والهوية، وفي هذا السياق، تصبح الرواية فضاءً لإعادة التفاوض على المعنى، وتحدّي المركزية الغربية والإسرائيلية في تمثيل الآخر الفلسطيني.
كما ستستفيد الدراسة من مفهوم «جدلية الهوية»، الذي يشير إلى التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وكيف تتشكل الهوية وتتغير في سياق الصراعات والتحولات، فالهوية الفلسطينية ليست ثابتة، بل هي في حالة تشكّل دائم، تتأثر بالاحتلال والشتات والمقاومة والتفاعل مع الثقافات الأخرى.
والرواية هنا لا تعكس هذه الجدلية فحسب، بل تسهم في صياغتها وتقديم رؤى متعددة للهوية الفلسطينية تتجاوز النظرة الأحادية النمطية، هذا المنهج المزدوج سيمكننا من الغوص في أعماق النصوص، وكشف الطبقات الدلالية الكامنة فيها، وفهم كيفية بناء الرواية لهويتها وذاكرتها في مواجهة السرديات المهيمنة.
ستتخذ الدراسة ثلاث روايات محورية كنماذج تطبيقية، تمثل كل منها زاوية مختلفة في مقاربة القضية:
• "قناع بلون السماء" للأسير الفلسطيني باسم خندقجي (2022)، التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2024.
• "الطنطورية" للروائية المصرية رضوى عاشور (2010).
• "في حضرة العنقاء والخل الوفي" للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل (2012).
ومن خلال تحليل هذه الروايات، ستسعى الدراسة إلى الكشف عن الأبعاد الفنية والفكرية التي أسهمت في إثراء السردية الفلسطينية، وتقديم قراءة نقدية معمقة لجدلية الهوية والذاكرة في سياق التحولات الراهنة للقضية، مؤكدة على أن الرواية ليست مجرد حكاية، بل هي فعل وجودي ومقاوم بحد ذاته.
المحور الأول: الهوية كفعل مقاومة - "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي
تُعد رواية "قناع بلون السماء" (2022) للأسير الفلسطيني باسم خندقجي علامة فارقة في مسار الرواية الفلسطينية المعاصرة، ليس فقط لحصولها على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2024، بل لتجربتها السردية الفريدة التي تنبع من عمق التجربة الاعتقالية.
ينجح خندقجي في تقديم رؤية مغايرة للهوية الفلسطينية، رؤية تتجاوز الأطر التقليدية لـ"الضحية" أو "المقاوم المسلح"، نحو "المقاوم بالسرد" الذي يستخدم الوعي والتاريخ أسلحة في معركة الوجود، ويُعيد تعريف مفهوم المقاومة في زمن تراجعت فيه الأشكال التقليدية للنضال.
تتمحور الرواية حول شخصية "نور المهدي"، الشاب الفلسطيني الذي يكتشف مصادفةً أن لديه هوية إسرائيلية باسم "أور شبيرا"، نتيجة خطأ طبي يعود إلى عام 1948، هذه الازدواجية في الهوية ليست مجرد حبكة درامية عابرة، بل هي "قناع" سردي عميق، يتيح للروائي استكشاف أبعاد جديدة في صراع الهويات، وتفكيك البنى الذهنية التي يقوم عليها الاحتلال، فـ"القناع" هنا ليس إخفاءً للذات بقدر ما هو وسيلة لاختراق الآخر، وفهم آلياته، وتفكيك سردياته من الداخل.
يصبح نور، من خلال قناع أور، قادرًا على التجول في القدس المحتلة، والوصول إلى الأرشيفات الإسرائيلية السرية، والبحث عن حقائق تاريخية طُمست عمدًا، وتُركت في طي النسيان.
هذا الاختراق الرمزي يمثل فعل مقاومة معرفية بامتياز، حيث يتم استعادة التاريخ الفلسطيني المسلوب عبر أدوات العدو نفسه، وتحويلها إلى أدوات لكشف زيف روايته.
تتجسد في الرواية بوضوح جدلية صراع السرديات حول المكان والآثار، فالقدس، التي هي قلب الصراع ورمزه الأبدي، لا تظهر كمدينة مقدسة فحسب، بل كفضاء تتصارع فيه الروايات التاريخية، وتُعاد فيه كتابة الجغرافيا والتاريخ.
يسعى نور/أور إلى البحث عن آثار فلسطينية مدفونة تحت طبقات السردية الإسرائيلية، مؤكدًا أن الأرض لا تتحدث عن نفسها إلا من خلال من يروي حكايتها، وأن الوجود الفلسطيني متجذر في هذه الأرض منذ الأزل.
هذا البحث عن الآثار ليس مجرد تنقيب مادي، بل هو تنقيب في الذاكرة الجمعية، ومحاولة لإعادة ربط الأجيال الحالية بجذورها التاريخية، وتفنيد الادعاءات الصهيونية التي تسعى إلى محو الوجود الفلسطيني من المكان، وتزوير الحقائق التاريخية.
كما تُبرز الرواية أن الصراع على الأرض هو في جوهره صراع على السردية، ومن يمتلك السرد يمتلك الحق في الوجود.
تُعدّ اللغة السردية في قناع بلون السماء أداةً محورية في بناء الهوية وتفكيك خطاب الاحتلال؛ إذ يستخدم باسم خندقجي لغةً غنية بالرمزية والاستعارات، تتراوح بين الواقعية السحرية والفانتازيا، بما يمنح السرد عمقًا فلسفيًا لافتًا، كما أن تقنية «الرسائل» التي يتبادلها نور مع شخصيات أخرى، أو يكتبها لنفسه، لا تمثل مجرد وسيلة للتواصل، بل تتحول إلى فضاء لتشكيل الوعي وتأمل الذات وإعادة بناء التاريخ، فمن خلالها تتكشف الطبقات المتعددة للهوية الفلسطينية، وتُفضح تناقضات الهوية الإسرائيلية، وتُعاد صياغة العلاقة بين «الأنا» الفلسطيني و«الآخر» المحتل.
وتتيح هذه التقنية للروائي استكشاف عوالم داخلية معقدة وتجسيد الصراع النفسي والوجودي الذي يعيشه الفلسطيني تحت الاحتلال، بحيث تغدو الرواية رحلةً في أعماق الوعي واللاوعي الجمعي، لا مجرد حكاية سردية.
كما تُسهم اللغة في بناء «الأنا» الفلسطيني المقاوم الذي لا يستسلم لواقع القمع، بل يسعى إلى تجاوزه عبر الكلمة والفكر، فكلمات نور، في رسائله وحواراته الداخلية، تحمل روح المقاومة بما تنطوي عليه من رفضٍ للاحتلال وتأكيدٍ على الحق في الوجود والحرية.
وهكذا تغدو اللغة فعلَ مقاومةٍ بحد ذاته؛ تعيد تشكيل الواقع، وتعيد تعريف الهوية، وتبني الأمل في مستقبلٍ أفضل، هي في الواقع لغة تُعلي من شأن الثقافة والمعرفة بوصفهما أداتي نضال، وتؤكد أن المقاومة لا تقتصر على السلاح، بل تشمل الكلمة والفكر والإبداع أيضًا.
ومن خلال هذه اللغة، يقدّم خندقجي رؤيةً متكاملة للهوية الفلسطينية تتجاوز أبعادها السياسية والعسكرية لتشمل أبعادها الثقافية والفكرية والوجودية، مما يجعل الرواية إضافةً نوعيةً إلى المكتبة الروائية العربية.
كما تُقدم الرواية السجن كفضاء لإنتاج المعرفة والتحرر السردي، وليس مجرد مكان للاعتقال والقمع، فخندقجي، الذي يكتب من داخل السجن، يحول هذه المساحة الضيقة إلى فضاء رحب للتأمل والتفكير والإبداع، حيث تتكسر جدران الزنزانة أمام قوة الخيال والكلمة.
يصبح السجن هنا مختبرًا للهوية، حيث تتشكل الرؤى، وتُصاغ الأفكار، وتُبنى السرديات البديلة التي تتحدى رواية السجان.
إن فعل الكتابة من داخل السجن هو بحد ذاته فعل مقاومة، يؤكد أن الجسد قد يُقيد، لكن العقل والروح يظلان حُرين، قادرين على إنتاج المعرفة وتحدي السجان، وتحويل تجربة الأسر إلى مصدر إلهام.
هذه الرؤية للسجن تتجاوز النظرة التقليدية له كرمز للقهر، لتقدمه كحاضنة للوعي المقاوم، ومصدر إلهام لجيل جديد من الكتاب الفلسطينيين الذين يرفضون الاستسلام لواقع الاحتلال، ويصرون على إعادة كتابة التاريخ بأقلامهم، مؤكدين أن الكلمة أقوى من الرصاصة، وأن السرد هو شكل من أشكال الصمود والبقاء.
المحور الثاني: الذاكرة والوطن المتخيل - "الطنطورية" لرضوى عاشور
تُعد رواية "الطنطورية" (2010) للروائية المصرية رضوى عاشور إضافة نوعية للمكتبة الروائية العربية التي تناولت القضية الفلسطينية، وتقدم نموذجًا فريدًا للرواية التي تُكتب من خارج الجغرافيا الفلسطينية، لكنها تتغلغل في عمق الذاكرة الجمعية وتاريخ الشتات.
عاشور، بوعيها التاريخي والسياسي العميق، لا تكتفي بسرد الأحداث التاريخية الجافة، بل تُعيد بناء عالم الطنطورة، القرية الفلسطينية التي دُمرت عام 1948، من خلال عيني بطلتها "رقية"، التي تصبح صوتًا للذاكرة الفلسطينية الحية، ووعاءً لحفظ تفاصيل الحياة قبل النكبة وبعدها.
هذه الرواية تُجسد ببراعة كيف يمكن للأدب أن يكون أداة فعالة لمواجهة النسيان وتحدي الرواية المهيمنة.
تتجلى في الرواية بوضوح أهمية الذاكرة النسوية في حفظ الهوية من الاندثار، فالجدة رقية التي عاشت النكبة والتهجير، هي الحافظة الأمينة لتفاصيل الحياة في الطنطورة قبل النكبة، ولآلام الشتات بعدها.
رواية الطنطورية هي مركز ثقل سردي، من خلالها تنتقل الذاكرة من جيل إلى جيل، لتصبح فعل مقاومة يومي ضد النسيان ومحاولات الطمس الممنهجة، فالمرأة في "الطنطورية" لم تكن فقط شاهد على الأحداث، بل هي صانعة للذاكرة، وناقلة للتراث، وحامية للهوية الفلسطينية في أبعادها الثقافية والاجتماعية، ومن ثمّ، فإن قدرتها على السرد وربط الماضي بالحاضر تجعلها محورًا للحفاظ على الوجود الفلسطيني، مؤكدةً أن الهوية لا تُصنع فقط في ساحات المعارك، بل أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الحكايات المروية، وفي الروابط الأسرية التي تتحدى التفكك والضياع، إذن؛ عاشور هنا تُبرز قوة السرد الشفوي ودوره في تشكيل الوعي الجمعي.
تُولي رضوى عاشور اهتمامًا خاصًا للرموز المكانية في الطنطورية، حيث تتحول هذه الرموز إلى دلالات عميقة تتجاوز وظيفتها المادية لتغدو جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة والهوية الفلسطينية، فشجرة الزيتون، على سبيل المثال، ليست مجرد شجرة، بل رمز للصمود والتجذر في الأرض، وللرباط الأبدي بين الفلسطيني وأرضه؛ شاهدٌ صامت على التاريخ، وحافظةٌ للذاكرة، ومصدر إلهام للأجيال المتعاقبة، وكذلك المفتاح الذي يحمله الفلسطينيون المهجَّرون، لا يُعد مجرد أداة لفتح الأبواب، بل رمزًا لحق العودة وللأمل في استعادة الوطن المسلوب؛ يمثل وعدًا لا يموت وذاكرةً لا تُنسى وارتباطًا روحيًا بالأرض التي لا تنفصل عنها الروح الفلسطينية، وتُسهم هذه الرموز المكانية المتكررة في بناء عالم روائي غني بالدلالات، يعزّز مكانة الأرض في الوعي الفلسطيني، ويؤكد أن الصراع عليها هو، في جوهره، صراع على الذاكرة والهوية.
أما البحر في «الطنطورية» فيتمثل رمز للحرية والانفتاح والحلم بالعودة إلى الوطن؛ فضاء يربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي ويذكّرهم بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، كما أن البيوت المدمرة، التي تشكّل جزءًا من ذاكرة رقية، لا تظهر بوصفها أنقاضًا فحسب، بل بوصفها شواهد على النكبة والجريمة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني؛ تذكّر بالماضي الأليم، وتحرّض على المقاومة، وتؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا باستعادة الحقوق المسلوبة.
وهكذا تتفاعل هذه الرموز المكانية داخل الرواية لتشكّل سردية متكاملة للقضية الفلسطينية، سردية لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تغوص في أعماق الوعي واللاوعي الجمعي، مقدّمةً رؤية فنية وفكرية عميقة للقضية.
تقدم الرواية صورة الفلسطيني في الوعي العربي من منظور رضوى عاشور، التي تُبرز تعاطفًا عميقًا مع القضية، وتُسلط الضوء على الأبعاد الإنسانية للنكبة وتداعياتها، فالطنطورية ليست مجرد قرية مدمرة، بل هي رمز لكل ما فُقد، ولكل ما يجب استعادته، وهي تجسيد حي لمأساة شعب اقتلع من أرضه.
من خلال شخصيات الرواية المتعددة، تُظهر عاشور كيف أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية بحتة، بل هي قضية إنسانية عميقة، تتصل بالعدالة والكرامة والحق في الوجود والعودة.
كما تُبرز الرواية جدلية الفقد والتمسك بالأرض عبر الأجيال، فبينما تعيش رقية وأبناؤها وأحفادها في الشتات، يظل حلم العودة إلى الطنطورة هو المحرك الأساسي لحياتهم، وهو الذي يمنحهم الأمل والصمود، ويُشكل بوصلة توجه حياتهم، هذا التمسك الروحي بالأرض، حتى وإن كانت متخيلة في الذاكرة، يؤكد أن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو حالة وجودية، تتوارثها الأجيال، وتُعاد صياغتها في السرد والحكايات، وتُشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الفردية والجمعية.
الرواية بذلك تُعلي من شأن الذاكرة كفعل مقاومة، وتُقدم رؤية متكاملة للشتات الفلسطيني كحالة وجودية لا تنفصل عن الوطن الأم.
المحور الثالث: فلسطين كرمز كوني - "في حضرة العنقاء والخل الوفي" لإسماعيل فهد إسماعيل
تأتي رواية "في حضرة العنقاء والخل الوفي" (2012) للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل لتقدم بُعدًا آخر في تناول القضية الفلسطينية في الرواية العربية، بُعدًا يتجاوز الجغرافيا المباشرة للقضية، ويربطها بقضايا إنسانية أوسع، مما يجعل فلسطين رمزًا كونيًا للعدالة والحرية.
يتميز إسماعيل فهد إسماعيل بقدرته الفائقة على نسج عوالم روائية متشابكة، تُبرز تقاطع المظلوميات وتداخل الهويات، وهو ما يتجلى بوضوح في هذه الرواية التي تُعد إضافة نوعية للمكتبة الروائية العربية.
تُقدم الرواية تقاطعًا مؤثرًا بين المظلومية الفلسطينية وقضية "البدون" في الكويت، وهم فئة من السكان لا يحملون جنسية، ويعيشون على هامش المجتمع، محرومين من أبسط حقوق المواطنة.
من خلال شخصيات الرواية، يُظهر إسماعيل فهد إسماعيل كيف أن الحرمان من الهوية والوطن، سواء كان بسبب الاحتلال العسكري كما في حالة الفلسطينيين، أو بسبب ظروف سياسية واجتماعية معقدة كما في حالة "البدون"، يخلق تجربة إنسانية مشتركة من المعاناة والتهميش والبحث عن الذات.
يصبح الفلسطيني في هذه الرواية رمزًا لكل إنسان يبحث عن هويته ومكانه في العالم، ويسعى لاستعادة كرامته وحقوقه، هذا التقاطع يمنح القضية الفلسطينية بعدًا إنسانيًا عالميًا، ويُخرجها من إطارها الإقليمي الضيق، لتصبح قضية كل مظلوم ومحروم من حقوقه الأساسية، وتُعلي من شأن التضامن الإنساني العابر للحدود.
الفلسطيني في هذه الرواية يتحول إلى مرآة للذات العربية الباحثة عن الحرية والعدالة، ليس فقط في سياق الصراع مع الاحتلال، بل في سياق أوسع يشمل قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، فالشخصيات غير الفلسطينية في الرواية، التي تعاني من التهميش والبحث عن الهوية، تجد في القضية الفلسطينية صدى لمعاناتها، وفي صمود الفلسطينيين إلهامًا لها لمواجهة تحدياتها الخاصة.
هذا التماهي بين القضايا الإنسانية المختلفة يُعزز من مكانة فلسطين كقضية مركزية، ليست فقط للعرب، بل لكل من يؤمن بالعدالة والكرامة الإنسانية، ويُظهر كيف أن النضال من أجل الحقوق هو نضال عالمي.
كما تُسهم الرواية في أنسنة القضية وتجاوز الشعارات الأيديولوجية المباشرة، حيث تركز على التفاصيل الإنسانية للشخصيات، وعلى معاناتها اليومية، وعلى أحلامها وطموحاتها، مما يجعل القارئ يتفاعل مع القضية على مستوى عاطفي وإنساني عميق، بعيدًا عن التجريد والخطاب السياسي الجاف، ويُدرك أن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية في المقام الأول.
وتُبرز الرواية «جماليات التهميش» عبر تحويل الشخصيات المهمشة، كالفلسطيني والبدون، إلى أبطال صامتين يقاومون بكرامة، كاشفةً عن القوة الكامنة في الضعف والقدرة على الصمود والإبداع رغم الحرمان، كما تقدّم شخصياتٍ مركبة تتنازعها هويات مأزومة وصراعات داخلية وخارجية، بما يعكس تعقيد الهوية الفلسطينية بوصفها هويةً متحولة تتشكل باستمرار، ومن خلال هذا البناء، يقدّم إسماعيل فهد إسماعيل رؤيةً إنسانية عميقة تُعلي من قيمة المعاناة بوصفها مصدرًا للإلهام، وتمنح الرواية بعدًا نقديًا يثري فهم جدلية الهوية والذاكرة في سياق القضية الفلسطينية.
وتُظهر الرواية كذلك قدرة الأدب على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية ليغدو جسرًا للتفاهم والتعاطف بين الشعوب، مسهمًا في بناء وعيٍ جمعي بقضايا الإنسان الكبرى وتعزيز قيم التضامن والمقاومة السلمية، وفي هذا الإطار، تطرح دعوةً للتفكير في الهوية بمعناها الأوسع، وفي الوطن بوصفه فكرة تتجاوز حدوده المادية، وفي العدالة كقيمة إنسانية عالمية لا تتجزأ.
وبهذا النهج السردي المتكامل، تقدّم الرواية رؤية متكاملة للقضية الفلسطينية تُبرز بعدها الإنساني، وتؤكد أن النضال من أجل فلسطين هو في جوهره نضال من أجل قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية في كل زمان ومكان.
المقارنة والتركيب: جدلية الهوية والسرد بين الداخل والخارج
بعد تحليل الروايات الثلاث، "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي، و"الطنطورية" لرضوى عاشور، و"في حضرة العنقاء والخل الوفي" لإسماعيل فهد إسماعيل، يتضح لنا التنوع والثراء في مقاربات الرواية العربية للقضية الفلسطينية، وكيف تتشكل السردية الفلسطينية من منظورات مختلفة، سواء من داخل التجربة الفلسطينية المباشرة أو من خارجها.
هذا التنوع لا يقلل من وحدة القضية، بل يثريها ويمنحها أبعادًا إنسانية وكونية أوسع، إذ تُقدم رواية خندقجي، المكتوبة من داخل السجن، رؤية "داخلية" للهوية الفلسطينية، حيث تتشكل الهوية كفعل مقاومة معرفي، يستخدم السرد لتفكيك خطاب المحتل وإعادة بناء التاريخ، فالسجن هنا ليس مجرد مكان للقمع، بل هو فضاء لإنتاج الوعي والتحرر السردي، حيث تصبح الكلمة أداة للنضال.
أما الهوية في هذه الرواية هي هوية "المقاوم بالسرد"، الذي يمتلك القدرة على اختراق الآخر وفهم آلياته، وتحويل تجربة الأسر إلى مصدر إلهام، وهي حقيقةً هوية تتسم بالمرونة والقدرة على التكيف، إذ تُعيد تعريف مفهوم المقاومة في زمن تراجعت فيه الأشكال التقليدية للنضال.
في المقابل، تُقدم رواية عاشور، المكتوبة من منظور عربي «خارجي»، رؤيةً للهوية الفلسطينية بوصفها نتاجًا للذاكرة الجمعية وتأريخ الشتات؛ حيث تؤدي الذاكرة النسوية دورًا محوريًا في صون الهوية من الاندثار، فتغدو المرأة الحافظةَ الأمينة للتراث والذاكرة معًا.
كما يظهر الوطن في «الطنطورية» بوصفه حالةً وجودية تُصاغ داخل الحكايات وتُورَّث عبر الأجيال؛ وطنًا يحمله اللاجئ في ذاكرته ويتمسّك بحقه في العودة، ويُعيد من خلاله بناء هويته عبر تفاصيل الحياة اليومية وشبكة الروابط الأسرية التي تُبقي الانتماء حيًّا رغم المنفى.
الرواية تُبرز قوة السرد الشفوي ودوره في تشكيل الوعي الجمعي، وتُقدم رؤية متكاملة للشتات الفلسطيني كحالة وجودية لا تنفصل عن الوطن الأم.
أما رواية إسماعيل فهد إسماعيل، فتُقدم رؤيةً «كونية» للقضية الفلسطينية، تتجاوز حدودها الجغرافية لتلامس قضايا إنسانية أوسع؛ إذ تتحول فلسطين إلى رمز عالمي للعدالة والحرية، يتقاطع مع مظلوميات أخرى مثل قضية «البدون» في الكويت.
فالهوية هنا ليست هوية شعبٍ بعينه، بل هوية «المهمَّش» الباحث عن مكانه في العالم، والذي يجد في القضية الفلسطينية صدىً لمعاناته الخاصة.
وتُعلي الرواية من شأن التضامن الإنساني العابر للحدود، مبرزةً أن النضال من أجل فلسطين هو، في جوهره، نضالٌ من أجل قيم العدالة والكرامة الإنسانية في كل زمان ومكان.
ومن ثمّ، تدعو إلى إعادة التفكير في معنى الهوية بوصفها أفقًا إنسانيًا رحبًا، وفي الوطن كفكرة تتجاوز حدوده المادية، وفي العدالة كقيمة كونية لا تتجزأ.
على الرغم من اختلاف هذه المنظورات، إلا أنها تتكامل لتشكل سردية فلسطينية غنية ومتعددة الأوجه، تؤكد على مركزية القضية في الوعي العربي، وتُبرز قدرة الرواية على أن تكون فضاءً للمقاومة، وحافظة للذاكرة، ومنبرًا لتأكيد الهوية. فكل رواية، بطريقتها الخاصة، تُسهم في تفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة بناء الوعي بالقضية، وتقديم رؤى نقدية تسائل المسلمات، وتفضح زيف السرديات المضادة.
هذا التفاعل بين الرؤى الداخلية والخارجية والكونية يُعزز من قوة السردية الفلسطينية، ويُظهر أنها ليست سردية أحادية، بل هي نسيج معقد من الأصوات والتجارب، تتضافر لتشكل لوحة فنية وفكرية عميقة للقضية.
الخاتمة
لقد أثبتت هذه الدراسة أن الرواية العربية المعاصرة، في الفترة من 2000 إلى 2025، لم تكتفِ بتوثيق القضية الفلسطينية كحدث تاريخي أو سياسي، بل تجاوزت ذلك إلى إعادة تشكيل السردية الفلسطينية، وتفكيك الخطابات المهيمنة، وإعادة بناء الهوية من منظورات جديدة، فمن خلال النماذج الثلاث التي تم تحليلها – "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي، و"الطنطورية" لرضوى عاشور، و"في حضرة العنقاء والخل الوفي" لإسماعيل فهد إسماعيل – تجلت تحولات عميقة في مقاربة الرواية العربية للقضية، مما يعكس نضجًا في الوعي الروائي العربي وقدرته على التفاعل مع تعقيدات الواقع، فقد أظهرت رواية خندقجي كيف يمكن للهوية أن تتحول إلى فعل مقاومة معرفي، يستخدم "القناع" لاختراق سردية المحتل واستعادة التاريخ المسلوب، محولًا السجن إلى فضاء لإنتاج الوعي والتحرر السردي، ومؤكدًا أن الكلمة والسرد يمكن أن يكونا أداة قوية في مواجهة القمع، بينما أكدت رواية عاشور على الدور المحوري للذاكرة النسوية في حفظ الهوية الفلسطينية من الاندثار، مبرزةً أن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو حالة وجودية تُصاغ في الحكايات وتُورث عبر الأجيال، وأن المرأة هي الحافظة الأمينة للتراث والذاكرة، أما رواية إسماعيل فهد إسماعيل، فقد وسعت من نطاق القضية، رابطةً إياها بقضايا إنسانية أوسع، ومقدمةً فلسطين كرمز كوني للعدالة والحرية، تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس معاناة المهمشين في كل مكان، وتُعلي من شأن التضامن الإنساني.
هذه الروايات، إلى جانب غيرها من الأعمال المعاصرة، تؤكد أن الرواية العربية لا تزال تحتفظ بقدرتها على أن تكون صوتًا للمقاومة، وأداةً لاستعادة الحق التاريخي، ومنبرًا لتأكيد الهوية الفلسطينية في مواجهة التحديات الراهنة، فلقد تجاوزت الرواية حدود التصوير السطحي للأحداث لتغوص في أعماق النفس البشرية، كاشفةً عن الأبعاد الفلسفية والوجودية للصراع.
كما أنها تفتح آفاقًا جديدة للبحث النقدي، داعيةً إلى مزيد من الدراسات التي تتناول التنوع والثراء في السردية الفلسطينية، وتُسهم في فهم أعمق لجدلية الهوية والذاكرة في سياق التحولات المستمرة للقضية، معززةً دور الأدب في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة المستقبل.
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: المصادر (متن الدراسة)
• باسم خندقجي... قناع بلون السماء. دار الآداب، بيروت ٢٠٢٢.
• رضوى عاشور... الطنطورية. دار الشروق، القاهرة ٢٠١٠
• إسماعيل فهد إسماعيل... في حضرة العنقاء والخل الوفي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ٢٠١٢
ثانياً: المراجع (الدراسات النقدية والنظرية)
• منى بنت حبراس السليمية... "فلسطين في الرواية العربية: قراءة في المنجز الروائي". مجلة تكوين، 2023.
• حسام الخطيب... الرواية الفلسطينية: قراءة في التجربة. دار الشروق، عمان، 2001.
• محمود غنايم... الرواية الفلسطينية في القرن الحادي والعشرين: قضايا وتحديات. منشورات جامعة القدس المفتوحة، القدس، 2018.
• عادل عبد الرحمن... صورة الفلسطيني في الرواية العربية. الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2007.
• إبراهيم نصر الله... الزمن الروائي الفلسطيني: من النكبة إلى الانتفاضة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002.
• محمد يوسف... الرواية الفلسطينية المعاصرة: دراسات في الشكل والمضمون. دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان، 2010.
• إدوارد سعيد... تأملات في المسألة الفلسطينية. ترجمة: فواز طرابلسي. دار الآداب، بيروت، 2002.
• يوسف عز الدين... الرواية العربية: نشأتها وتطورها. دار المعارف، القاهرة، 1967.
• علي ميرزا... الرواية العربية والتحولات الثقافية. دار الفارابي، بيروت، 2019.
• محمود درويش... ذاكرة للنسيان. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1987.
• غسان كنفاني... عائد إلى حيفا. دار الطليعة، 1969.
• يوسف الشاروني... الرواية العربية الحديثة: دراسة نقدية. دار المعارف، القاهرة، 1981.
• محمد يوسف نجم... فن الرواية. دار صادر، بيروت، 1966.
• وفوزي العشماوي... الرواية العربية بين الواقعية والرمزية. دار المعارف، القاهرة، 1978.
•رأنور الجندي... الرواية في الأدب العربي الحديث. دار نهضة مصر، القاهرة، 1960.
• عادل الأسطة... "الفلسطينيون في الرواية العربية". صحيفة الأيام الفلسطينية، 5 يناير 2020.
