السبت ١٢ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

دُونْ

في زاویة الغرفة الھادئة، كان كل شيء یسیر بنظام صارم؛ الكتب مرتبة بحسب ألوانھا، والأقلام مصطفة بعنایة تامة. وفي المنتصف، تجلس الطفلة "دُونْ" وھي تمسك بفرشاة الرسم، تحدق في اللوحة البیضاء أمامھا بعیون شاردة تحمل في عمقھا نداء استغاثة صامت.

"دُونْ" لیست طفلة عادیة؛ إنھا نجمة ساطعة تمتلك طاقات فكریة وإبداعیة لا حدود لھا، لكن الخوف والوصم الاجتماعي والموروث البیئي الجاف وضعوا حول معصمیھا قیوداً غیر مرئیة، فباتت كالملكات المكبلات، أو كالخیول الأصیلة التي لم یُطلق عنانھا بعد، تفضل الاختباء والتواري خلف جدار الصمت المطبق كآلیة دفاعیة لا واعیة للھروب من قسوة الأحكام.

اقتربت منھا المرشدة التربویة بوقار وسكینة، وطبقت معھا عفویاً استراتیجیة "علاج الھواء"؛ تربیتة خفیفة على الكتف، ونظرة احتواء دافئة امتصت كل التشنجات والتوتر المحتقن في صدر الصغیرة. التفتت "دُونْ" نحوھا، وبلسان یرتجف قالت بصوت خفیض: "أنا خائفة من الخطأ.. خائفة من أن أتحدث فیسخروا من كلماتي".

ابتسمت المرشدة وقالت لھا بنبرة تمؤھا الطمأنینة: "أنتِ لستِ ’دُونْ’ أحد یا صغیرتي، أنتِ كیان مستقل وعقل ساطع. الكتمان ھو الاحتباس الممیت الذي یطفئ نوركِ، أما التحدث والمواجھة فھما سر الحیاة الذي سیعید نبض حياتها لتجري في مسارات التفوق والنجاح."

في تلك اللحظة، وبفضل مصفوفة الاحتواء المشترك، انكسر جدار الصمت؛ أخذت "دُونْ" نفساً عمیقاً، وبدأت أناملھا تتحرك بجرأة وثبات على اللوحة، لترسم خیلاً أصیلاً یركض بلا قیود نحو شمس مشرقة تسبق التاریخ والزمن، معلنةً ولادة شخصیة قیادیة جدیدة ولدت من رحم المواجھة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى