السبت ٢٧ حزيران (يونيو) ٢٠٢٦
بقلم منذر أبو حلتم

زهرة ليمون في جيب قميصي

في الحيِّ القديم
كانت شجرةُ الليمون
أجملَ امرأةٍ أعرفها.
تسرِّحُ أغصانَها كلَّ صباحٍ
وتنثرُ عطرَها
في الطريق إلى المدرسة.
كنتُ أمرُّ بها
فتضعُ زهرةً بيضاء
في جيبِ قميصي الصغير.

أمي...
كانت تجلسُ تحتها.
وحين تضحكُ مع صديقاتها
كانت الأوراقُ الخضراءُ تضحكُ أيضًا.
لا أعرفُ
كيف كانت الأشجارُ تسمعُ الكلام،
لكنني كنتُ متأكدًا
أن شجرةَ الليمون
تعرفُ أسرارَ النساءِ كلَّها.

وعند العصر
كان أبي يعود.
يجيءُ بملابسِه العسكرية
ورائحةِ الشمسِ على كتفيه.
فأركضُ نحوه.
وكان يكفي
أن يضعَ يده على رأسي
لكي تتراجعَ جيوشُ الخوفِ كلُّها.

وفي آخرِ الحي
كان القطارُ يمرُّ.
صوتُه الطويلُ
كان يشبهُ رسالةً مجهولةَ العنوان.
فنرفعُ رؤوسَنا نحوه
ونتخيلُ مدنًا بعيدةً
وبحارًا لا تنتهي
وأرصفةً لا يعرفها أحد.

كبرتُ...
وكبرَ العالمُ معي.
لكنَّ شجرةَ الليمون
بقيت أصغرَ من الذاكرة
وأكبرَ من الزمن.
حتى اليوم
حين يفاجئني عطرُ الليمون
أرى أمي تضحك.
وأرى أبي عائدًا عند الغروب.
وأسمعُ القطارَ يعبرُ الحيَّ القديم.
وأرى ذلك الطفل
واقفًا تحت الشجرة
ينظرُ إلى الحياةِ
كما لو أنها
ستبقى جميلةً إلى الأبد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى