الأربعاء ٦ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم منذر أبو حلتم

مزامير السقوط والقيامة

١ ـ نشيدُ الرؤيا

رأيتُ في منامِ الليلِ
أرضًا تنوءُ بثقلِ خرابِها،
وسماءً تمزّقُ أثوابَها
ثم تسترُ عريَ الجهاتِ برقعةِ غيمٍ حزينْ.
رأيتُ الغيومَ
معلّقةً كالرؤوسِ
على رماحِ الرياحِ العتيقةْ،
ورأيتُ البحارَ
تمدُّ الأواني الفقيرةَ نحو الجداولِ
تستعطي الماءَ
ورأيتُ شمسًا
من حجرِ أسودِ بارد
لا تمنحُ الدفءَ
بل تنفخُ الليلَ في صدرِ صبحٍ كسيرْ.
ورأيتُ أممًا
تسيرُ إلى حفرةٍ
حفرتْها بظفرِ الجنونْ،
وتزهو بزحفِ الجموعِ
كأنّ السقوطَ
انتصارٌ مبينْ.
وقال العرّافُ:
هذا زمانٌ إذا نطقَ الصمتُ فيه
تكسّرتِ الأبواقُ،
وانطفأتْ لغةُ المنتصرينْ.
ثم غابَ
كأنّ الرياحَ ابتلعتهُ،
وكأنّ النبوءةَ
أثقلُ من جسدِ العارفينْ.

٢ ـ سفرُ المسلخ

وكانتْ خرافُ المراعي
ترى بابَ مسلخِها مفتوحًا
وترى الدمَ الجاري
مثلَ نهرٍ صغيرٍ
يعلّمُ حجارةَ الدربِ لونَ الحقيقةْ.
وترى السكاكينَ
تلمعُ تحتَ شمسِ الظهيرةِ
مثلَ ابتساماتِ سادةِ هذا الزمانْ.
ولكنّها
كانتْ تتناطحُ
كي تسبقَ كل شاة أختَها
نحو الهلاكْ،
وكانتْ تثورُ على بعضِها
ثم تنحني للسكينْ.
وكلُّ خروفٍ
يقولُ وفي قلبِه زهوُ أعمى:
أنا غيرُهمْ،
لي سرّ نجاةٍ
ووجهٌ تحبُّهُ المقصلةْ،
وسوفَ يمرُّ القضاءُ
على أعناقِهمْ
ثم ينسى اسمي.
فلمّا رأى الجازرونَ
أنّ القطيعَ
يجرُّ خطاهُ إلى الذبحِ طوعًا،
رموا قفّازاتِهم جانبًا،
وجلسوا على عتباتِ الوقتِ
يشربونَ القهوةَ
في هدوءِ الملوكْ.
فما عادَ للقتلِ
حاجةُ سترٍ،
إذا صارَ ضحيّتُهُ
تطلبُ الدورَ
في صفِّ الموتى.

٣ ـ أنشودةُ الشراع

وحينَ ابتلعتْ صحراءُ هذا الورى
زرقةَ البحرِ
واستيقظَ الملحُ
في فمِ السفنْ،
وحينَ هاجرتِ الأشرعةُ
تحملُ نوارسَها الجريحاتِ
مثلَ أمهاتٍ يفتّشنَ عن طفلِهنَّ الأخيرْ،
وحينَ تساقطتِ الشموسُ
إلى مغربٍ واحدٍ
مثلَ تيجانِ مملكةٍ
أكلَتها السنونْ،
وحينَ تعبَ الطريقُ
من كثرةِ الهاربينْ،
قمتَ وحدكَ.
رفعتَ شراعَكَ
في وجهِ ريحِ الغبارِ
كما يرفعُ النخلُ
هامتَهُ
في مواسمِ القحطِ والعارْ.
ومشيتَ،
لا جيشَ يحميكَ
إلّا يقينُ المسافرِ،
لا نجمَ يرشدُكَ
إلّا جراحُكَ،
لا زادَ عندكَ
إلّا عنادُ الذينَ يحبّونَ فجرًا بعيدْ.
ومضيتَ تصعدُ
فوقَ انكسارِ المدى،
وفوقَ عويلِ القطعانِ،
وفوقَ دخانِ المذابحْ.
كأنّ الخلاصَ الأخيرَ
رجلٌ واحدٌ
حين يرفضُ
أن ينحني للجموعْ


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى