الأحد ١٧ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم نمر سعدي

زواجُ المبدعين: بينَ توهُّجِ الحُبِّ وانطفاءِ الشغف

طالما تطرَّق بعضُ نقَّاد الأدب ومحلِّلي العلاقات التي تصوِّرُ المبدعين أزواجاً إلى مسألة زواج المبدعين، الشعراء بشكل خاص والفنانين بشكل عام، حيث أنها مسألة إشكالية جدا ومركبَّة إلى أقصى درجة، وفيها من التعقيد ما لا نستطيع سبر غوره في إطلالة عجلى ومقالة قصيرة، والموضع يلحُّ عليَّ منذ سنين عديدة. حيث يرى البعض في هذا النوع من الزواج تقييدا للحريَّة الشخصية وللأفق الروحي الذي يحتاجه المبدع لينطلق ويحلِّق بعيداً.. الشاعر الرومانتيكي يريد صياغة حياته الشخصيَّة وفق أحلامه ورؤاه التي تتناقض مع الواقع المادي الحقيقي والمرير الذي تمثله رتابة مؤسَّسة الزواج والمسؤوليات المادية الكثيرة والركض الممضُّ في معترك الحياة لتوفير أبسط الشروط البديهيَّة للحياة الكريمة في عصر يحكمه منطق الحديد والذهب.. وبذلك لو تزوج عنترةٌ بعبلة أو قيسٌ بليلى ربَّما لم يدم زواجهمها بضعة أيام.

وقيس بن ذريح كان من القلائل من الشعراء الذين تزوجوا ممن تغزلوا بهنَّ، فقيس بن ذريح تزوَّجَ بحبيبته (لبنى)، لكن التجربة انتهت بالطلاق، مما يعزز الفكرة بأن الزواج يؤثِّر تأثيراً سلبياً على التجربة الأدبية الغزلية، ولأن الحلم شيء والواقعُ شيءٌ آخر وإذا تحوَّل الحلم لواقع فإنه يبهت وينكسر ويتلاشى.. وبما أن الشاعر الرومانتيكي الحديث هو عاشق أبدي فهو يرى في كل امرأة جمالا يشده وشيئا مختلفا لم يجده في زوجته أو حبيبته وبالتالي هو يبحث عن أحلامه في كل امرأة يصادفها.. ولي نص قديم بعنوان "نساء الشاعر" يلقي بعض ضوء على هذا العلاقة الإشكالية.

تدور إشكالية زواج الشعراء حول الصراع الأزلي بين "قيد المؤسسة الزوجية" ومتطلبات المسؤولية العائلية، وبين "حرية الإبداع والحب" والحاجة إلى التفرغ الفني والعاطفي. إذ يعتبر الكثير من الشعراء والمبدعين أن الزواج مؤسسة تستنزف الطاقة الإبداعية، حيث يتحوَّل "الحب" (شعر) إلى "زواج" (نثر).

ويرى الكاتب والمفكِّر المصري عباس محمود العقاد، أن الزواج يحد من حرية المبدع في العمل والكتابة والتأليف، ويتعارض مع الواجبات الشاقة والمرهقة المطلوبة من الشاعر.

بينما يشير الشاعر اللبناني شوقي بزيع إلى أن معظم علاقات الشعراء التي حاولت التحليق بشغف الحب، تحطمت على صخرة المؤسسة الزوجية وتبعاتها المادية والنفسية.

ومن الشعراء من يحتفظ طول عمره بصورة الحبيبة الخيالية المنشودة، فغالباً ما يتغزل الشعراء بنساء "متخيلات" أو رموز، بينما يجدون صعوبة في إبقاء نفس الشعلة العاطفية تجاه الزوجة "الواقعية" تعيسة الحظ.

الشاعر يوزِّع قصائد حبِّه على نساء كثيرات، وليس على امرأة واحدة، متأثراً بتجارب شعرية قديمة وحديثة. وعلاقات لا حصرَ لها.

المؤسسة الزوجية بصرامتها تستنزف الوقت والجهد، ممَّا يشتت ذهن المبدع الذي يحتاج لتفرُّغ كامل لإبداعه. ويتميَّز المبدعون بكونهم كائنات غير قابلة للتدجين والتقييد، ويبحثون عن ترف علاقات حب عابرة وكمال عاطفي مفقود لا توفره الحياة اليومية المستقرة، مما يقود غالباً إلى فشل الزواج.

تتمحور إشكالية زواج الشاعر (أو المبدع عموماً) حول التضاد الجوهري العميق بين حرية الإبداع المطلقة وقيود المؤسسة الزوجية. فبينما يحتاج الشاعر إلى التحرر والتأمل والعزلة لإنتاج القصيدة، يفرض الزواج واجبات ومسؤوليات تستنزف الجهد والوقت، مما يؤدي غالباً إلى توتر حاد بين "ثراء المتخيل" و "فقر الواقع" على حدِّ تعبير الشاعر اللبناني المرموق شوقي بزيع الذي حلَّل بدقة متناهية طبيعة العلاقة المعقَّدة التي جمعت بين مبدعين عرب وعالميِّين في ضوء نظريات علم النفس الحديث وعلم الانتروبولوجيا في كتابهِ المهم "زواج المبدعين: ثراء المتخيَّل وفقر الواقع".

ومن أبرز أبعاد إشكالية زواج الشاعر الصراع بين الفن والاستقرار حيثُ يجد الشاعر نفسه ممزقاً بين طباعه المزاجية غير المستقرة وبين روتين الحياة الزوجية الذي يقتل الإلهام، حيث يعتبر الزواج قيداً على حريته الفنية. إضافة إلى خوف المبدع من المعايشة إذ يخشى الشعراء أن يؤدي الزواج والمعايشة اليومية مع الشريك إلى غياب "صورة المحبوب" المثالية التي يرسمونها في قصائدهم، مما يكسرُ الحب والحس الفني. ويبدو الزواج في إحدى تعريفاته كـ "عملية تزوير اجتماعي" لالتزامات لا بد منها لديمومة الكذب، في مقابل الشعر الذي يعتبر ضرورة لتجميل "قبح العالم" و "بؤس الواقع".

زواج المبدعين منطقة وعرة على صعيد العلاقة حتى لو تحدَّى الشاعر والشاعرة الظروف وحتى لو تزوجا، فإن الأمر لا يعني دائماً نجاحاً إبداعياً، بل قد يتحول إلى "مغامرة مليئة بالمزالق" وونزاع بين عالمين إبداعيين .

وفي خانة البحث عن النظائر يشير الشاعر اللبناني المبدع شوقي بزيع في كتابه "زواج المبدعين" إلى أن هاجس البحث عن أشباه في عالم الفن هو ما يدفع المبدعين للزواج، رغم أن التجربة غالباً ما تكون معقدة.

رغم أن الكثير من تجارب زواج المبدعين تنتهي بالانفصال، إلا أن هناك حالات استثنائية نجحت في تحقيق توازن، بينما كانت حالات أخرى مليئة بالتوتر أو انتهت بخيبات عاطفية.

يظلُّ زواج الشاعر علاقة إشكالية تثير الفضول والتساؤل، حيث يسعى المبدع للموازنة بين "عطش" الإبداع إلى الحرية وبين حاجة الإنسان إلى الاستقرار العاطفي والاجتماعي. ولا يعدو كونه تجربة إبداعية محفوفة بالمخاطر، حيث يجد الشاعر نفسه ممزقاً بين كونه "مبدعاً حراً" وكونه "زوجاً مسؤولاً".


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى