الثلاثاء ٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦
بقلم سميرة جدي

سيجارة من سِجِّيل

لم تبدأ السيجارة الأولى سوى بفضولٍ صغير، هكذا أقنع نفسه وهو يراقب الدخان الذي يتلوّى بين أصابعه، كأنّه ثعبانٌ أبيض يعرف الطريق إلى رأسه. لم يكن يدري أنّ بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح، بل تُفتح من الداخل، ثم تعجز الروح أن توصدها.

في البداية، ضحك كثيرًا. صار العالم أخفّ من أن يُحتمَل، وصارت مشكلاته القديمة نكاتٍ سخيفة، وصار هو، الذي طالما أثقلته أفكاره، يطير فوقها بلا جناحين. قال لأصدقائه إنّه وجد أخيرًا طريقةً لإسكات الضجيج الذي يسكن رأسه. ولم يخبرهم أنّ الضجيج لم يسكت، بل كان يتراجع قليلًا ليترك مكانه لشيءٍ أشدّ فتكًا.

توالت السجائر، وأصبح الدخان الأبيض غيمة سوداء وتغيّرت الوجوه.

لم يعد يعرف إن كان يضحك لأنّه سعيد، أم لأنّ شيئًا في داخله فقد القدرة على التمييز بين الفرح والعبث. صار يشكّ في نظرات أمّه، ويتوجّس من همسات أبيه، ويقرأ في عيون المارّة مؤامراتٍ لا وجود لها. كانت الكلمات التي يسمعها تتحوّل في رأسه إلى أصواتٍ أخرى، وكانت الظلال تكبر كلّما أطفأ النور.

ذات مساء، عاد إلى البيت متأخّرًا، فوجد أمّه تنتظره عند الباب. اقتربت منه، ومدّت يدها نحو وجهه، كما اعتادت أن تفعل منذ كان طفلًا..

تراجع مذعورًا.

لا تلمسيني! من أنتِ؟

تجمّدت المرأة في مكانها. لم تصرخ، ولم تعاتبه. اكتفت بأن أنزلت يدها ببطء، كأنّها تخشى أن تسقط منها آخر قطعةٍ من ابنها.

أمّا هو، فاندفع إلى غرفته وأغلق الباب. كان مقتنعًا أنّ امرأةً غريبة تلاحقه، وأنّ البيت الذي يعرفه منذ ولادته لم يعد بيته، وأنّ الصور المعلّقة على الجدران تراقبه.

في الصباح، وجد أباه جالسًا قرب سريره، وقد قضى الليل كلّه يحرس نومًا لم يأتِ.

بنيّ، هل تعرفني؟

نظر إليه طويلًا. كان الوجه مألوفًا، لكنّ الاسم ضائع، والذاكرة مثقوبة سقطت منها كل الأسماء، والثقة التي كانت تصل بينهما قد انقطعت في مكانٍ لا يستطيع الوصول إليه.

قال: أنت ...أظنّ أنّك تريد إيذائي.

أغمض الأب عينيه. لم يكن ابنه قد مات، ولم يكن حيًّا كما عرفه؛ كان جسدًا يعرف طريقه إلى الطعام والشراب، وعقلًا تاه في ممرّاتٍ بلا منافذ.

ومع مرور الأيام، صار الغريب يسكنه أكثر من نفسه. تارةً يتحدّث كأنّه ملكٌ لا يُهزم، وتارةً يصرخ كطفلٍ يطارده وحش، وتارةً يجلس صامتًا، يحدّق في الفراغ، كأنّه ينتظر شخصًا يأتي ليعيد إليه اسمه. لم يعد يعرف أيّ الوجوه وجهه، ولا أيّ الأصوات صوته. كان الجميع يرونه، إلّا أنّه لم يعد يرى نفسه.

وفي إحدى الليالي، حمل سيجارةً جديدة، وتأمّلها طويلًا. كانت صغيرةً، هزيلة، لا توحي بأنّها قادرة على ابتلاع إنسانٍ كامل. قرّبها من شفتيه، ثم سمع صوت أمّه من خلف الباب: يا ولدي، افتح... اشتقت إليك.

ارتجفت أصابعه.

للحظةٍ عابرة، مرّ في رأسه وجه امرأةٍ تبكي، ورجلٍ يشيب واقفًا عند باب غرفته، وفتىً كان يركض في ساحة المدرسة، ويحلم بأن يصبح طبيبًا. رأى صورته القديمة تبتعد عنه، لا غاضبةً ولا عاتبة، بل عاجزةً عن التعرّف إليه.

همس: من أنا؟
لم يجبه أحد.

سقطت السيجارة من يده، لكنّه لم ينحنِ لالتقاطها. ظلّ ينظر إليها، كأنّها قطعةٌ صغيرة من جهنّم سقطت في غرفته، تحمل من النار ما يكفي لإحراق عمرٍ كامل.

تذكّر اسمًا كان يخصّه، ووجهًا كان يبتسم حين يُنادى، وحلمًا كان ينتظره عند آخر الطريق. مدّ يده نحو الباب، ثم توقّف؛ فقد عجز عن معرفة إن كانت اليد يده، وإن كان الصوت الذي يناديه صوت أمّه حقًّا.

كانت السيجارة قد انطفأت، لكنّ الشرارة التي أشعلتها لم تنطفئ بعد.

وفي الخارج، كانت أمّه لا تزال تنتظر عودته.

أمّا في الداخل، فكان هناك شخصٌ آخر، يحمل ملامحه، ويسكن جسده، ويستعمل اسمه... ولا يعرف كيف يعيده إليه.
سيجارةٌ من سِجِّيل؛ لم تحرق رئتيه وحدهما، بل تركت في عقله جحيمًا، حتى صار كلُّ أحدٍ فيه، ما عدا هو.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى