نفسي وما سولت لي
ما آلمني لم يكن من الغرباء، فقد تعلمت باكرا أن أضع بيني وبينهم مسافة الأمان التي تكفيني شر الخيبات. لكني لم أتعلم يومًا كيف أحتمي ممن يعرفون مواضع ضعفي، أولئك الذين عهدت وجوههم وحفظتها عن ظهر قلب، ومنحتهم من حسن الظن ما لم أمنحه لنفسي.
لم تكن المصائب تمنحني فرصةً لالتقاط أنفاسي. وكلما ظننتّ أني تجاوز إحداها، باغتتني أخرى من جهة لم أكن أتوقع منها الأذى. لم تكن المشكلة في شدّة ما يحدث، بل في هوية من تسبب فيه؛ فبعض الجروح لا يوجعها عمقها بقدر ما يوجعها الإصبع الذي حفرها.
كنت أبتلع الكلام مراعاةً للأحاسيس، أؤجل العتاب حفاظًا على الودّ، أبحث لكل تصرّف عن عذر جبرا للخواطر، حتى صرت أنا المتهم الوحيد الذي لا يجد من يدافع عنه. إن صمت، عُدّ صمته رضا، وإن تكلّم، قيل إنه يضخّم الأمور، وإن غضب، ذكّروه بكل ما فعلوه من أجله، كأن الإحسان القديم صكٌّ مفتوح يبيح لهم الإساءة في الحاضر.
ومع الوقت، بدأت أشعر بأني لا أعيش بين أقربائي وأحبّائي، بل في محكمة لا تنتهي جلساتها؛ هم يرتكبون الأخطاء، وأنا مطالب بتقديم الأعذار، وهم يجرحون، وأنا مطالب بإثبات حسن نيّتي، وهم يتجاوزون حدودي، وأنا مطالب بالاعتذار عن انزعاجي.
وذات مساء، حدث أمرٌ بدا في ظاهره بسيطًا، لكنه جاء فوق كومة من أشياء لم يتحدّث عنها قط. كلمةٌ قيلت باستخفاف، وموقفٌ أعاد إليّ كل المواقف السابقة، ونظرةٌ أوحت لي بأن ما أشعر به لا يستحق حتى النقاش.
هناك، لم أصرخ، ولم أهدّد، ولم أستعرض جراحي أمام أحد. اكتفيت فقط بأن أتراجع خطوةً إلى الوراء، ثم أخرى، حتى صار بيني وبينهم ذلك الصمت الذي طالما احتموا به حين كنت أنا بحاجة إلى الكلام.
لم أنسحب لأني لم أعد أحبّهم، بل لأني تعب من الطريقة التي يُطلب مني بها أن أحبّهم؛ حبًّا بلا حدود، وصبرًا بلا نهاية، وتسامحًا لا يشمل حقّي في أن يتألم.
لكني ما إن ابتعدت حتى بدأت الرواية تتغيّر.
لم يسأل أحدٌ عمّا دفعني إلى الرحيل، ولا عن الليالي التي كنت أنام فيها مثقلًا بما لم أستطع قوله، ولا عن المرات التي ابتلعت فيها إهانةً كي لا أخسر شخصًا عزيزًا. فجأةً، اختُزلت كل الحكاية في موقفي الأخير.
قالوا إني قاطعتهم...
ويا للمفارقة! لم يتذكّروا المرات التي تركوني فيها وحيدًا وأنا بينهم، ولا الأحاديث التي خرجت منها مكسورًا ثم عدت إليهم كأن شيئًا لم يحدث. لم يتذكّروا أنني كنت أمدّ الجسور كلما هدموها، وأنني كنت أعود بعد كل خيبة محمّلًا بأمل جديد، كأن قلبي لم يتعلّم شيئًا، ولم يحمل غلا.
تذكّروا فقط أنني، هذه المرة، لم أعد.
وصار انسحابي جريمةً تستحق اللوم، بينما مُنحت كل أسباب انسحابي حصانةً من المساءلة.
كنت أسمع ما يُقال عني، فأبتسم بمرارة. أردت أن أشرح، ثم أدركت أن الشرح نفسه قد يتحوّل إلى تهمة أخرى؛ فإن ذكرت ما حدث، اتُّهمت بنبش الماضي، وإن سكت، اعتُبر صمتي اعترافًا، وإن عدت، تعلّموا أن بإمكانهم إيذاءي كلما شاؤوا، ثم انتظار عودتي متى شاؤوا.
للمرة الأولى، لم أُسارع إلى تبرير نفسي.
تركتهم يحتفظون بالرواية التي تناسبهم، لا لأني عاجز عن كشف الحقيقة، بل لأني فهمت أخيرًا أن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة، وإنما عن نسخة منها تضمن لهم براءةً دائمة.
وفي ليلة هادئة، جلست إلى نفسي كما يجلس المرء إلى صديق تأخّر كثيرًا في زيارته. استعرضت ما حدث، لا لأحصي أخطاء الآخرين، بل لأفهم كيف استطعت أن أخذل نفسي كل تلك المرات باسم الحفاظ على مشاعر الآخرين.
اكتشفت أني كنت أخشى خسارتهم أكثر مما أخشى خسارة سلامتي، وأني منحتهم من الفرص ما لم أمنحه لنفسي كي تتعافى. كنت أظن أن الوفاء يقتضي البقاء مهما حدث، حتى أدركت أن البقاء في بعض العلاقات قد يكون شكلًا آخر من أشكال التخلي عن الذات.
قال لنفسي:
لستُ مضطرًا إلى أن أكرههم كي أبتعد، ولا إلى أن أفضحهم كي أستعيد كرامتي. يكفيني أنني حاولت، وأنني صبرت، وأنني لم أغادر عند أول عثرة. أما بعد كل هذا، فمن حقي أن أختار المسافة التي لا أضطر فيها إلى الاعتذار عن ألمي.
ثم تنفّست بعمق، وشعرت أن شيئًا ثقيلًا انزاح عن صدري، وإن بقيت في داخلي ندوب لم يشفها الوقت بعد.
لم يكن انتصاري في أن يندموا، ولا في أن يعرفوا يومًا كم آذوني، بل في أنه لم يعد أنتظر منهم اعترافًا كي أصدّق ما عشته..
ومع ذلك، ظلّ السؤال يطاردني كلما تذكّرتهم: لماذا يُلام من يغلق الباب بعد أن أُنهك خلفه، ولا يُلام من ظلّ يدفعه حتى انكسر؟
لم أجد جوابًا، لكني لم أعد بحاجة إليه.
فقد فهمت أخيرًا أن الكرامة لا ترفع صوتها دائمًا، وأن بعض المواقف لا تحتاج إلى خصام، بل إلى غيابٍ هادئ يعيد للمرء شيئًا من نفسه.
أما هم، فظلّوا يردّدون أنني قاطعتهم.
وكنت كلما سمعت العبارة، شعرت بشيء من الحزن، لا لأنهم أساؤوا فهمي، بل لأنهم عرفوني طويلًا، ومع ذلك لم ينتبهوا إلى أني كنت أنسحب من الداخل منذ زمن، وأن خطوتي الأخيرة لم تكن بداية القطيعة، بل نهايتها المعلنة.
اخترتُ نفسي، وما سولت لي، بعدما سئمتُ أن أكون الجاني في حكاياتٍ كنتُ فيها المجني عليه. فما كلُّ ابتعادٍ قطيعة، ولا كلُّ صمتٍ هجران؛ أحيانًا، لا يسول للمرء إلا أن ينجو بنفسه.
