الاثنين ٢٥ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

قناع الوجود وانكسار المرايا

قراءة نقدية في شاعرية المحو والتجلي عند محمود البريكان

نص القصيدة

البدوي الذي لم ير وجهه أحد

محمود البريكان

لعلك يوماً سمعت عن البدوي العجيب
الذي كتبَ الله أن لا يرى وجهه أحد
وجههُ الأولُ المستديرُ البرئ
الذي غضّنته المهالكُ، وافترستْه الحروب
وخطّت عليه المآسي علاماتها
نمتْ طبقاتُ الزمانِ على جلدهِ
فهو لا يتذكّر صورتَهُ
صورةَ البدء
مستغرباً في مرايا المياه ملامحه الغامضة
أنا هو ذاك
أنا البدويُّ الغريبُ، يجوبُ البوادي
ويطوي العصورَ، ويعبرُ جيلاً فجيلاً
إلى آخرِ الأزمنة
أنا البدويُّ الذي لفظتهُ الصحارى
الذي رفضتهُ القصور
الذي أنكرتهُ الشموس
الذي انطفأتْ جذواتُ النجومِ على محجريه
أنا البدويُّ المحمَّلُ بالأوبئة
بذكرى الجِنان التي اندثرت
والبراري التي دفنتها الرياح
بصوتِ الينابيعِ في الأودية
ولونِ البروقِ على صخرةِ اللانهاية
أنا البدويُّ الذي نسختهُ التجارب
واختمرتْ صهواتُ الجيادِ إرادته
في الرحيلِ الطويل
حفِظتُ أغاني الزوابع عبر الأفق
وكنتُ امرأ القيسِ في التيه
والمتنبي على الطرقِ النائية
وفي عزلةِ الروح كنتُ المعريَّ، رهينَ السجونِ الثلاثة
وكنتُ دليلَ القوافل عبر المفاوز
وكنتُ الذي يُوقدُ النارَ للطارقين
وكنتُ أنا الضيفَ والفارسَ المتوحِّد، يأتي المضارب
محتجباً بلثامِ الغموض
وكنتُ أنا الزائرَ الهادئَ، المنزويَ في المجالس
سمعتُ كلامَ النبي
وآمنتُ
لكنْ رأيتُ الدماءَ التي انفجرت
وحروبَ السلالات
والقوةَ العاريةَ تمارسُ لعبتَها
وتغيّرُ ألوانَ راياتِها
أنا الشاهدُ الأبديُّ على الموت
تسقطُ ذاكرتي في الظلام
أقمتُ على صخرةِ الروحِ مملكتي
وفتحتُ حدودَ المقادير يوماً
فمن أين دبّ البوارُ إليّ؟
وفي أيّ مرحلةٍ في الطريق
بدأتْ ضلالي؟
تلاشيتُ بين المقاصير
اعصرتني المخادع
واستعبدتْ روحي الطيّبات
إلى أنْ تفتّتَ لحمي
نسيتُ صهيلَ جوادي
ولم يكنِ السيفُ رهنَ يدي عندما اقتحمَ الآخرون
مداخلَ حصني الأخير
دخلتُ عصوراً من الخوف
بايعتُ في حضرةِ السيفِ والنطع
خضتُ حروبَ سواي
وما عدتُ أذكر مغزى حروبي
رأيتُ كلابَ الملوك
تطاردني في المنام
رأيتُ الرجالَ
وهم يخدمون كلابَ السلاطين، أو يُضحِكون
الطواشيةَ المتخمين
وقوفاً وراء الموائد
وكالببغاءِ التي هرمتْ
كنتُ أملكُ هذا اللسانَ، ولا أتذكّر شيئاً
تخاطبني الريح
أفتحُ عيني
هل كان ذلكَ حلماً بعمقِ الزمان؟
وهل أحلم الآن؟
ها أنا في عالمٍ يتفجّرُ حولي بإيقاعهِ المتوحّش
طاحونةٌ بقوى الظلمات تدور بأسرعَ مما أُفكّر
عقولٌ وراء المكاتب
تُبدعُ هندسةَ الموتِ للمدنِ اللاهية
صواريخُ منصوبةٌ باتجاهِ النجوم
جيوشٌ تخوضُ حروباً خفيّة
أيقهرُ هذا الدوار؟
سأجمعُ أجزاءَ روحي
وأبحثُ ثانيةً عن مكاني، واسمي، ومسقطِ رأسي
وما تركَ الدهرُ لي من سلالةِ أهلي
عسى أن يتمَّ التعرفُ يوماً
أحسُّ وراء صلابةِ جلدي
وراء قناعي القديم
وراء برودِ عظامي
أحسُّ اختلاجةَ روحٍ خفي
بصيصَ براءة
وبقياً من القوةِ الغاربة
ونازعةً تُشبه البعث
هذا الرميم
متى يتحرك؟
هذه العروق
متى تتدفّقُ بالدم؟
هذي اليدُ الذابلة
متى تتحرّرُ من موتها؟

متى يا إلهي؟
متى؟؟

حين نلج عالم الشاعر الراحل محمود البريكان، فإننا ندخل إلى واحدة من أصفى وأعمق التجارب الشعرية في الشعر العربي الحديث. البريكان، الذي اختار الصمت والعزلة قناعا وحياة، لم يكن شاعرا عابرا، بل كان "رائيا" يكتب بدم الروح ونبض الفلسفة. تميزت شاعريته بخصوصية مذهلة؛ فهي شاعرية تعتمد على المحو والتخفي والتقنع، لكنها في الوقت ذاته تفجر طاقات تعبيرية هائلة.

في قصيدته "البدوي الذي لم ير وجهه احد"، يبلغ البريكان ذروة الشاعرية. إنه لا يكتب نصا ذاتيا عاديا، بل يصنع ايقونة تراجيدية للانسان الكوني. يتخذ الشاعر من شخصية "البدوي" قناعا دراميا يختبئ خلفه ليعبر عن مأساة الوجود البشري، وعن التيه الذي يعصف بالروح في مواجهة الالة والزمن والموت.

يبدأ البريكان قصيدته بتمهيد اسطوري، يستدعي فيه دهشة التلقي، متحدثا بضمير الغائب ليخلق مسافة موضوعية بينه وبين هذا الكائن العجيب، قبل ان يفاجئنا بالحلول الكامل فيه:

لعلك يوماً سمعت عن البدوي العجيب
الذي كتبَ الله أن لا يرى وجهه أحد
وجههُ الأولُ المستديرُ البرئ
الذي غضّنته المهالكُ، وافترستْه الحروب
وخطّت عليه المآسي علاماتها
نمتْ طبقاتُ الزمانِ على جلدهِ
فهو لا يتذكّر صورتَهُ
صورةَ البدء
مستغرباً في مرايا المياه ملامحه الغامضة

تبدأ الشاعرية هنا بالسطوع من خلال فكرة "الوجه الضائع". البدوي ليس مجرد ساكن صحراء، بل هو رمز للانسان الفطري الاول، الذي تاهت ملامحه النقية المستديرة تحت وطأة ترسبات الزمن. الشاعر يصور الزمن ككائن يتراكم فوق الجلد، يطمس الملامح، ويحول المرآة (التي تمثل الوعي بالذات) الى مصدر للغموض. المياه التي كانت يوما صافية، باتت تعكس وجها غريبا لا يعرفه صاحبه.

ثم ينتقل البريكان ببراعة درامية فائقة من ضمير الغائب الى ضمير المتكلم، ليعلن التماهي المطلق والاعتراف الصادم:

أنا هو ذاك
أنا البدويُّ الغريبُ، يجوبُ البوادي
ويطوي العصورَ، ويعبرُ جيلاً فجيلاً
إلى آخرِ الأزمنة
أنا البدويُّ الذي لفظتهُ الصحارى
الذي رفضتهُ القصور
الذي أنكرتهُ الشموس
الذي انطفأتْ جذواتُ النجومِ على محجريه

هنا تتجلى شاعرية الرفض والمحو الكلي. هذا البدوي الكوني مطرود من كل العوالم: الصحارى (موطنه الاصلي) لفظته، والقصور (الحواضر والمدنية) رفضته، حتى الطبيعة الكونية تنكرت له؛ فالشموس انكرته، والنجوم انطفأت في عينيه. انه كائن معلق في الفراغ الوجودي، يطوي العصور ويعبر الاجيال محملا بذاكرة مثقلة بالخراب والجمال في آن واحد.

لا تتوقف شاعرية محمود البريكان عند حدود التوصيف الخارجي لازمة التيه، بل تغوص عميقا في الوعي التاريخي والجمعي للانسان العربي. في هذا الجزء من القصيدة، يعمد البريكان الى توظيف تقنية "التناص القناعي"، حيث يخلع الشاعر ذاته المعاصرة ليذوب في شخصيات تراثية كبرى، تمثل كل منها محطة من محطات الانكسار والعزلة والرحيل في التاريخ الانساني:

أنا البدويُّ المحمَّلُ بالأوبئة
بذكرى الجِنان التي اندثرت
والبراري التي دفنتها الرياح
بصوتِ الينابيعِ في الأودية
ولونِ البروقِ على صخرةِ اللانهاية
أنا البدويُّ الذي نسختهُ التجارب
واختمرتْ صهواتُ الجيادِ إرادته
في الرحيلِ الطويل
حفِظتُ أغاني الزوابع عبر الأفق
وكنتُ امرأ القيسِ في التيه
والمتنبي على الطرقِ النائية
وفي عزلةِ الروح كنتُ المعريَّ، رهينَ السجونِ الثلاثة

ان البريكان لا يستدعي هذه الرموز لمجرد الزينة التراثية، بل يحل فيهم ويحلون فيه؛ ليؤكد ان مأساة المثقف والشاعر والرائي واحدة على مر العصور: انها مأساة العزلة، والتيه، والاصطدام بجدار الواقع الصلد.
ينتقل النص بعد هذا الطواف التاريخي الى لحظة المجابهة الصادمة مع انكسارات الوعي السياسي والاجتماعي. الشاعر الشاهد، الذي عاصر النبوات والتحولات الكبرى، يجد نفسه فجأة مجردا من سلاحه، مستلبا امام الات القمع والخراب:

سمعتُ كلامَ النبي
وآمنتُ
لكنْ رأيتُ الدماءَ التي انفجرت
وحروبَ السلالات
والقوةَ العاريةَ تمارسُ لعبتَها
وتغيّرُ ألوانَ راياتِها
أنا الشاهدُ الأبديُّ على الموت
تسقطُ ذاكرتي في الظلام
أقمتُ على صخرةِ الروحِ مملكتي
وفتحتُ حدودَ المقادير يوماً
فمن أين دبّ البوارُ إليّ؟
وفي أيّ مرحلةٍ في الطريق
بدأتْ ضلالي؟
تلاشيتُ بين المقاصير
اعصرتني المخادع
واستعبدتْ روحي الطيّبات
إلى أنْ تفتّتَ لحمي
نسيتُ صهيلَ جوادي
ولم يكنِ السيفُ رهنَ يدي عندما اقتحمَ الآخرون
مداخلَ حصني الأخير
دخلتُ عصوراً من الخوف
بايعتُ في حضرةِ السيفِ والنطع
خضتُ حروبَ سواي
وما عدتُ أذكر مغزى حروبي

هنا تبلغ الشاعرية ذروة التراجيدية والتعرية الحادة. البريكان يوثق بمرارة تزييف الوعي وهزيمة الروح الانسانية امام "القوة العارية" وحروب السلالات. البدوي الذي كان يوما رمزا للحرية والفروسية، يساق الى "عصور من الخوف"، ويجبر على المبايعة تحت وطأة السيف والنطع، ليخوض حروبا لا ناقة له فيها ولا جمل، حتى يفقد الذاكرة ويفقد معها مغزى وجوده.

ويستمر الشاعر في رسم هذه الصورة القاتمة لزمن الانحطاط البشري والتزلف للسلطة بعبارات مشحونة بالقهر:

رأيتُ كلابَ الملوك
تطاردني في المنام
رأيتُ الرجالَ
وهم يخدمون كلابَ السلاطين، أو يُضحِكون
الطواشيةَ المتخمين
وقوفاً وراء الموائد
وكالببغاءِ التي هرمتْ
كنتُ أملكُ هذا اللسانَ، ولا أتذكّر شيئاً

تحفل هذه الاسطر بشاعرية الاحتقان والاشمئزاز من مظاهر العبودية الطوعية. تحول الانسان الشاعر الى "ببغاء هرمة" تملك اللسان لكنها فاقدة للذاكرة والوعي، هو التجسيد الاقصى للمحو والمسخ الوجودي الذي حذر منه البريكان في عزلته الصارمة.

في المقطع اللاحق، يستيقظ البدوي الكوني من حلمه التاريخي ليرتطم بواقع الحداثة المعاصرة. ينزع الشاعر قناع الماضي ليواجه تكنولوجيا الموت والالية التي سحقت ما تبقى من براءة الروح:

ها أنا في عالمٍ يتفجّرُ حولي بإيقاعهِ المتوحّش
طاحونةٌ بقوى الظلمات تدور بأسرعَ مما أُفكّر
عقولٌ وراء المكاتب
تُبدعُ هندسةَ الموتِ للمدنِ اللاهية
صواريخُ منصوبةٌ باتجاهِ النجوم
جيوشٌ تخوضُ حروباً خفيّة
أيقهرُ هذا الدوار؟

تتحول الشاعرية هنا الى ايقاع لاهث ومتوتر يناسب قلق العصر الحديث. لم يعد العدو سيفا مرئيا، بل اصبح عقولا باردة تدير هندسة الموت ببرود مؤسساتي. العالم تحول الى طاحونة تبتلع الوجوه والاسماء، وتعيد تشكيلها وفق منطق العنف الخفي. امام هذا الدوار الكوني، يتلاشى البدوي اكثر، ويصبح التحدي ليس الحفاظ على الوجه، بل استعادة ما تبقى من الروح.

وقد نجح محمود البريكان في هذا البناء الشعري في دمج مأساة الماضي بمأساة الحاضر، لينتقل بالنص من الرثاء الذاتي الى ادانة كونية لآلة الحرب والسياسة والحداثة التي شوهت جوهر الانسان.

وبعد ان تلطخت ملامح البدوي الكوني بدماء الحروب العبثية، وبعد ان سحقته طاحونة العصر، تصل القصيدة الى لحظة وعي حرجة. الشاعرية هنا لا تستسلم للمحو الكامل، بل تتحول الى طاقة ترميمية ومحاولة لجمع الشتات:

سأجمعُ أجزاءَ روحي
وأبحثُ ثانيةً عن مكاني، واسمي، ومسقطِ رأسي
وما تركَ الدهرُ لي من سلالةِ أهلي
عسى أن يتمَّ التعرفُ يوماً

تتجلى هنا شاعرية التفتت والجمع. الروح لم تعد كلا واحدا، بل اجزاء مبعثرة في جغرافيا الزمن والمكان. العودة الى البحث عن الهوية هي محاولة لخلع القناع والتحرر من المحو الذي فرضه التاريخ. عبارة "عسى ان يتم التعرف يوما" تحمل رجاء مشوبا بالشك، وكأن معرفة الذات صارت احتمالا لا يقينا.

ثم ينتقل النص الى مستوى تعبيري اكثر عمقا، حيث يغوص خلف القشرة الصلبة للوجود ليلامس النبض الخفي للانسان:

أحسُّ وراء صلابةِ جلدي
وراء قناعي القديم
وراء برودِ عظامي
أحسُّ اختلاجةَ روحٍ خفي
بصيصَ براءة
وبقياً من القوةِ الغاربة
ونازعةً تُشبه البعث

هنا يتصاعد التوتر الشعري عبر تضاد حاد بين الجمود والحياة. في جهة: صلابة، قناع، برود. وفي الجهة المقابلة: اختلاجة، بصيص، بقيا، نزوع نحو البعث. القناع لم ينجح في اخماد الروح تماما؛ ثمة شيء اولي ما زال يقاوم، شيء يشبه البداية، او وعدا مؤجلا بالحياة.

في الخاتمة، يتخلى الشاعر عن السرد والتوصيف، ليفجر طاقة النص في صيغة اسئلة متلاحقة، تنبثق من اعماق الذات:

هذا الرميم
متى يتحرك؟
هذه العروق
متى تتدفّقُ بالدم؟
هذي اليدُ الذابلة
متى تتحرّرُ من موتها؟

متى يا إلهي؟
متى؟؟

تبلغ الشاعرية هنا ذروتها عبر التكرار الالحاحي لكلمة "متى". لا ينتظر الشاعر اجابة، بل يطلق صرخة وجودية مفتوحة في وجه العدم. يتحول الجسد الى رمز شامل لحالة انسانية او حضارية مشلولة، ويصبح النداء الاخير استغاثة كونية تترك النص مفتوحا على افق القلق والانتظار.

ان قصيدة "البدوي الذي لم ير وجهه احد" تمثل وثيقة شعرية وفكرية نادرة. استطاع محمود البريكان، عبر شاعرية قائمة على التقنع والدراما، ان يحول البدوي من صورة عابرة الى ايقونة تراجيدية للانسان المعاصر، المثقل بتاريخه والممزق في حاضره.

وعبر لغة مكثفة وبناء ايقاعي يتراوح بين التأمل والانفجار الداخلي، كتب البريكان سيرة الانسان في بحثه الدائم عن وجهه الاول، ذلك الوجه الذي ضاع في زحام العصور، وما زال ينتظر لحظة بعث تعيده من الرماد الى الحياة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى