مقام عراقي وهواجس الهم الإنساني
عن دار "المدى "في دمشق، صدرت للقاصة الفلسطينية ناديه عيلبوني المقيمة في النمسا، مجموعة قصصية بعنوان " مقام عراقي "، وهي باكورة نتاجها الادبي.
تضم هذه المجموعة اثنتي عشرة قصة قصيرة تعالج هموم مختلفة تتراوح بين الهم الوطني والإنساني وهموم اخرى، وان كان الهم الإنساني هو الطاغي على غالبية قصص المجموعه.
ومن الطبيعي أن تمتد يد الكاتبة إلى حياتها الخاصة لتغرف منها،كما فعل قبلها الكثيرون من الادباء والكتاب،لتبدع قصصا مجبولة بواقعية حياة البؤس في مخيم اليرموك، الذي ولدت وترعرعت فيه الكاتبة،وحياة الرفاهية التي تبلغ حد الرتابة في العاصمة النمساوية" فيينا "،التي انتقلت إلى العيش فيها بعد رحيلها عن بيروت.
حيث تختلف هناك وقائع الحياة وهموم الناس وانماط التفكير،الني تجعل الزوجين في قصة "طيور الحب "يختلفان حول حول مسالة تربية الطيور والحيوانات الاليفة في البيت،فيما تدفع حياة البؤس اطفال المخيم في قصة " رحيل بابا دكران "الى النظر بحسد إلى " كوكو "ابن الرجل الارمني الذي يسكن بين الفلسطينيين داخل المخيم،وهو يرتدي الملابس الزاهية والجميلة،فيقومون برشق سيارة الباص التي كانت تقله إلى مدرسته الخاصة بالحجارة.
" خصوصيات "
وهنا تكمن براعة الكاتبة في الجمع بين هذه المتناقضات وتصويرها بشكل حسي، يجعل القارئ متفاعلا مع احداث القصة، وتجعله يتلمس صدق المعاناة والمشاعر الإنسانية، سواء داخل المخيم حيث البؤس والشقاء والفقر،او في دولة اوروبيه تتوفر فيها كل مقومات الحياة الإنسانية الرغدة، لكن همومها تبقى موجودة ومختلفه،بل ومتناقضة تماما،لكن الجوهريبقي واحدا في كلا الحالتين، وهو المعاناة الإنسانية للبشر.
ولعل مصدر الفرادة في هذه المجموعة ايضا، يكمن في الجمع بين خصوصية الفلسطيني والعراقي وصهرهما في بوتقة واحدة،تلك الخصوصيات التي حرصت الكاتية على ابرازها عن قصد وتعمد،فهي عراقية بقدر ما هي فلسطينية.
"لغه هادئه ورصينه "
اللغة في قصص " مقام عراقي " عموما هي لغة هادئة ورصينة،وان قاربت حدود الجملة السريعة والمتوترة احيانا، كما في قصة " الطوفان "التي تتناول موضوع الام الفلسطينية والاتهامات الموجهة اليها، حيث تقول الكاتبة فيما يشبه الصرخة المدوية :-
"باطلة...باطلة.... باطلةهي شريعة هيرود س التي بها تدينون، وحقا هي شريعة الرب التي اعلنتني اما لكل حي،لا لست دودة ايتها الافاعي، الدودة فقط من تنكر ابنائها، انا حواء التي ما هللت يوما الا للحياة ".
وفي قصة " مطر " تصعد اللعة إلى مصاف الشعر،
"رذاذ خفيف تحوله ذاكرتك إلى مطر
مطر يعيدك إلى زمن النبوة
وتفر من امام وجهه.تشهق حين تراه يتابعك.".
" محاور المجموعه "
تتكئ هده المجموعة القصصية إلى المحاور التالية،التي تشكل كلا واحدا في البناء الفني للمجموعة:-
1- الحريه :-
في قصة " طيور الحب " التي تتحدث عن عصفور سجين في قفص، يبرز مفهوم الحرية برمزه البسيط والذي لا يخرج عما هو متداول ومالوف، لكن الكاتبة في نفس القصة تفدم رمزا اكثر تطورا لهذا المفهوم،وهو كراهية المفاتيح والاقفال والابواب المغلقه،التي ترمز في هذه القصة إلى السجن وحجز الحرية،.حيث أن بطلة القصة مصابة بعقدة "الابواب المغلقه "،التي تصيب عادة من امضوا فترات طويلة داخل السجن :-"ربما احاول دون ارادة مني أن اخفي قلقا مزمنا،لا ادرى ما الذي يستدعي كل ذلك الخوف من فكرة الاقفال والمفاتيح، تماما كما رؤية الاشياء في غير موضعها "..
2-هموم فلسطينيه :-
تتناول مجموعة قصص "مقام عراقي "،الهم الفلسطيني في اكثر من موضع من مواضع هذه المجموعه،حتى أن الكاتبة افردت له اكثر من نصف قصص المجموعة، التي تضم دزينة من القصص القصيرة.
قصة "ذاكرة من سفرجل "تتناول معاناة الفلسطينيين في المطارات العربية وعلى الحدود،تلك المعاناة التي دفعت سالم بطل القصة إلى طلب العودة إلى حبث اتى،بعد أن يئس من امكانية دخول البلد العربي الذي كان متوجها اليه، وبعد ثمانية ايام من المعاناة هو واطفاله الصغار في قاعة الترانزيت بمطار تلك الدولة.العربية.وهو يرى وجوها لاناس غرباء واجانب يمرون بسهولة عبر المطار، وهو فابع مع اطفاله داخل القاعة ممنوع من الدخول، والناس ينظرون اليهم كقطط او حيوانات اليفه داخل القفص.
وتدور قصة "غجر يوغوسلافيه " حول نفس الموضوع، وهو معاناة الفلسطيني مع وثيقة السفر،والتي تجعله مشتبها به في كل مطارات العالم،بل وحتى غير معروف الجنسية، حتى التبس الامر علىالموظف الصغير في احدى البلدان الاوربية، الذي ظن أن بطلة القصة الفلسطينية غجريه يوغوسلافيه او بلغاريه.
فيما تضئ قصة " رحيل بابا دكران " التي تتحدث عن رجل ارمتي فضل العيش بين الفلسطينيين، جزءا من مشاهد البؤس داخل المخيم الفلسطيني، حتى وان جاءت هذه الاضاءة بشكل عرضي.
اما قصة " الطوفان "،فهي تعالج موضوعا فلسطينيا في غاية الحساسية وهو موضوع الاستشهاد، حيث تتهم الام الفلسطينية من قبل بعض الاطراف، بانها تدفع ابنائها الي الموت،والكاتبه هنا ترد على هذه الاتهامات الباطله، بان المراة الفلسطينية ام مثل كل الامهات في العالم، اللواتي يحببن الحياة ويرغبن بحياة سعيدة لابنائهن.
3-اجواء عراقيه :-
في قصص هذه المجموعة اجواء عراقية صافية،رغم وقوع احداث هذه القصص في دولة اوروبية بعيدة،وليس في العراق،"ام حسين " العجوز السبعينية العراقية اجتازت بلدانا لاتعرف كيف تلفظ اسمائها، في رحلة الاغتراب الطويلة حتى حطت بها الرحال في النمسا،وهي تلحص رحلة العذاب بقولها :- "المهرب باك كل فلوسنا هناك وعافنا،لا ماؤى ولا حمايه، نعمل؟ماذا نعمل ؟نلف الشطائر ونبيع السجائر ".
تحتضن " ام حسين " التليفون لتكلم حفيدها في عيد ميلاده بحنان،"شنو تريد جده ادزلك من النمسا ؟..
وفي قصة " السيد مانفرد يفقد صوابه "، التي تدور احداثها في معسكر للاجئين بالنمسا،تقع مواجهة بين "كاكا جليله "التى يعترف كل من في المعسكر بهيبتها وسطوتها،و " مازن " الذي لايقل عنفوانا،حول الاستحواذ على غرفة صغيره داخل المعسكر،هى تريد الغرفه لنفسها وابنها المريض،وهو يريدها له ولزوجته،التي لا يستطيع ممارسة حياته الزوجية معها بشكل اعتيادي، في غرفة يتكدس فيها خمسة عشر شخصا،ويصل الامر إلى درجة التحدي بين الاثنين :-
"-اني اتحداك واتحدى مدير المعسكر... اني ما اخاف من احد
قالها بحزم قبل أن يستانف :
– واني اكص شواربي لو اخذت الغرفه
كان" مازن" يرغي ويزبد ويشتم، و" جليله " تقف قبالته تجيبه بكلمات قاطعه وحازمه :-
– مازن باوع زين انت مو بقدي، شو تريد تسوي، سوي.
ينتهي الجدل عند هذا الحد، وتتوجه " جليله " إلى مكتب مدير المعسكمر لتقديم شكوى له..
فتحي مصطفى درويش/غزه
