هل الصحافة في حاجة إلى مراجعة قانون الشغل؟
لم تعد يومياتنا تقاس بالدقائق ولا بالساعات بل بتدفق أنهار البيانات، كما لم تعد الصحافة تلك المهنة التي تُمارس بالعرق والحبر، ولا بالكلمة المشاكسة التي تُصاغ على مهل وروية وتقية كما كان يفعل القدماء والرواد وهم يطاردون المعنى كما يُطارد الصيادٌ أثرَ الظباء في صحراء المعنى.
لقد تحولت الصحافة اليوم إلى حقل تفاوضي بين الإنسان والتقنية، بين حدس الصحافي وبرودة الخوارزمية، حتى أصبح السؤال المؤلم يطل برأسه: هل ما يزال الصحافي يكتب بيده، أم أنه فقط يتفاوض مع الكتابة؟
لم يعد الصحافي اليوم يكتب مقالته كما يكتب الشاعر قصيدته أو المفكر نصه، بل صار أقرب إلى مترجم بين لغتين: لغة الواقع المتشظي والملتبس، ولغة الآلة التي لا تعترف إلا بما يمكن قياسه وتحليله.
إننا أمام لحظة انكسار صامتة، حيث تتراجع الذات الصحفية إلى الخلف، تاركة المجال لواجهة رقمية تُنتج نصوصًا بلا روح، أو بالأحرى، بلا توقيع داخلي. لقد أصبح المقال الصحفي كيانًا هجينًا، نصفه إنساني ونصفه خوارزمي، لكن نصفه الإنساني هو الذي يتدحرج ببطء وفي صمت إلى حافة الأفول.
في قلب هذا التحول، تبرز مسألة مراجعة قانون الشغل كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا، ليس فقط من زاوية حماية الحقوق الاجتماعية للصحافيين فحسب، بل من زاوية إعادة تعريف ماهية العمل الصحفي نفسه تحت مظلة الذكاء الاصطناعي. كيف يمكن لقانون تقليدي أن يستوعب مهنة تتغير كل يوم بفعل التقنية والتطبيقات الذكية ؟ وكيف يمكن للصحافي أن يطالب بحقه المشروع في الأجر، بينما لم يعد واضحًا من يكتب النص: هل هو أم الآلة؟
إن غياب الرأي في الصحافة المعاصرة ليس مجرد عرض جانبي، بل هو نتيجة مباشرة لتحول عميق في بنية الإنتاج الإعلامي. لقد أصبح الرأي خطرًا في زمن الخوارزميات، لأن الرأي لا يمكن التنبؤ به، ولا يمكن ضبطه، ولا يمكن تحويله إلى بيانات قابلة للبيع. لذلك، تم استبدال الرأي بالتقرير، والتقرير بالنموذج، والنموذج بالنسخ المتكرر.
وهكذا، تتحول الصحافة إلى مصنع لإنتاج نصوص متشابهة، بلا اختلاف يُذكر، وبلا روح يحس بها القراء.
أما زيف التقارير، فهو الوجه الآخر لهذه الأزمة. لم يعد التقرير الصحفي بحثًا عن الحقيقة، بل أصبح إعادة ترتيب للمعلومات المتاحة والمتراكمة في البيانات الضخمة ، وفق منطق السرعة لا الدقة، ومنطق الانتشار لا العمق.
إن الصحافي الذي كان يُغامر بحياته من أجل سبق صحفي، أصبح اليوم يُغامر فقط بمدى سرعة الإنترنت لديه. لقد فقدت التقارير ذلك التوتر الخلاق بين الواقع والتأويل، وتحولت إلى نصوص باردة، تُشبه تقارير الطقس أكثر مما تُشبه نبض الحياة وحرارتها الطبيعية.
وفي هذا السياق، يغيب أثر الصحافي كما يتآكل الظل عند الغروب. لم يعد هناك صوت مميز، ولا أسلوب يُعرف به الكاتب ولا الصحفي ، ولا بصمة تُشير إلى حضور إنساني خلف النص. إننا أمام ظاهرة تذويب الذات، حيث يطالب الصحافي بأن يكون محايدًا إلى حد الاختفاء، موضوعيًا إلى حد التلاشي. لكن، أليست الصحافة في جوهرها فعل حضور وموقف ، لا فعل غياب؟
إن غياب خط تحرير الجريدة هو نتيجة حتمية لهذا التلاشي. فحين تتعدد مصادر المقال، وتتداخل أدوات إنتاجه، يصبح من الصعب الحفاظ على هوية تحريرية واضحة. تتحول الجريدة إلى منصة مفتوحة، بلا ملامح، تُنشر فيها النصوص والمقالات كما تُنشر الإعلانات، دون رابط داخلي يجمعها. وهنا، يفقد القارئ ثقته، ليس لأنه لا يجد المعلومة، بل لأنه لا يجد المعنى.
إن مراجعة قانون الشغل في هذا السياق لا يمكن أن تكون مجرد تعديل تقني، بل يجب أن تكون لحظة تفكير جذري في مستقبل هذه المهنة التي أصبحت تتحلل من متاعبها القديمة. يجب أن يُعاد الاعتبار للصحافي كفاعل معرفي، لا كمنفذ تقني. يجب حماية حقه في التعبير، لا حقه الطبيعي في الأجر فقط . يجب أن الاعتراف بأن العمل الصحفي ليس مجرد إنتاج محتوى، بل هو إنتاج معنى، وأن هذا المعنى لا يمكن أن يُختزل في فكرة خوارزمية ذكية.
لقد دخلنا عصرا لم يعد فيه الصراع بين الرأسمال والعمل فقط، بل بين الإنسان والآلة، بين الذات والخوارزمية، بين المعنى والبيانات. وفي هذا الصراع، تقف الصحافة على حافة الهاوية، إما أن تستعيد روحها، أو أن تتحول إلى مجرد وظيفة رقمية بلا ذاكرة.
ربما لم يعد الصحافي يكتب كما كان يفعل في الماضي وفق قناعاته، لكن السؤال الأهم هو: هل ما يزال يشعر بنبض ما يكتب؟ لأن الكتابة، في جوهرها، ليست فقط فعل إنتاج، بل فعل إحساس. وإذا فقدت الصحافة هذا الإحساس، فإنها تفقد كل شيء، حتى وإن ربحت السرعة، والانتشار، وعدد النقرات والإعجابات .
أخيرا لا يمكن إنقاذ الصحافة بتشريع قانون فقط، بل بإرادة ثقافية تعيد الاعتبار للكلمة، وللرأي، وللصوت المفرد. يجب أن نُعيد للصحافي حقه في أن يكون مختلفًا، في أن يُخطئ، في أن يُجرب، في أن يكتب كما يشعر، لا كما تُبرمج له الآلة. لأن الصحافة، في النهاية، ليست مجرد مهنة، بل هي شكل من أشكال الحياة، وإذا فقدت الحياة، فقدت كل شيء.
