الأحد ١٣ أيار (مايو) ٢٠٠٧
نص للصغار
بقلم بديعة الطاهري

يوم غابر

تحثني أمي على الإسراع في تناول فطوري .
ويطلب مني أبي أن أتمهل أثناء الأكل لأنه مضر بالمعدة . أرمق الطاولة محتوياتها. نظرة سريعة تجعلني أتأكد من أنني سأتلكأ في الفطور .يعلو صوت أمي " أسرع ". يصرخ أبي في وجه أمي:
- " متى تنتهين من وضع مساحيقك".
أمي تنتقل كآلة بين الغرف والمطبخ ، وأبي يحتسي قهوته ، يرشف سيجارته ينفخ فمه ، ثم يفتحه بطيئا يتسرب منه دخان يملأ البيت، يعاود الكرة مرات عدة .حتى خيل إلي أنه يلعب ، إذ كلما نفث دخانه تصاعد عاليا في كل مرة يرسم أشكالا مختلفة .أبي يمنعني أن أنفخ الكرة بفمي لأن ذلك مضر باللوزتين .نسرع إلى الخارج .أفتح محفظتي .تسألني أمي إن نسيت شيئا أطمئنها .استمر في البحث خفية .كنت أدرك أنهما لو وجدا كراتي لصادراها .

في البيت ممنوعة خشية أن أكسر مزهرية أو أسقط شيئا .وفي الخارج ممنوعة" السيارات مصطفة" قد تزعج الجيران " الوقت ليس للعب ّّّ". هكذا تلاحقني ملاحظات والدي .مفتون أنا بكراتي الأربع.ولم أتوجه قط إلى المدرسة من دونها .والداي لا يعلمان ذلك.أدخل الفصل أضعها في جيبي أحرص على ألا تظهر .يرمقني زميلي ويصر على أن يخبر الأستاذ أن لم أعطه بسكويتي . يلتهمه بينما الأستاذ يكتب تاريخ اليوم. أنظر إلى زملائي .ماجد يستعد لإبدال محتوى قلم الرصاص بقلم جاف حتى يتمكن من تصحيح الخطأ دون أن ينتبه إليه أحد. وجميلة تصر على أن تنقل ما أنجزته فاطمة من تمارين وتدعوها أن تخفي دفترها وتدعي نسيانه .لأنها تدرك أن الأستاذ لن يعاقبها .إنها تلميذته المفضلة في الدروس الخصوصية .

يبدأ الأستاذ الدرس . أسرح ببصري عبر النافذة. شمس الربيع هادئة تخترق بعض الشجيرات التي تمتد في الساحة .أخبرني أبي أن عمرها أكثر من خمسين سنة. سألته يوما:" لما قطعوا غيرها من الأشجار" .قال لي:" ليضعوا مكانها أخرى أكثر جمالا" .أقنعني أبي بذلك خصوصا وأن المدرسة يومها تجندت من أجل التبرع لتخليد يوم الشجرة . وضعوا شجيرات صغيرة لم يكتب لها النمو .سألت أبي عن سر ذلك أخبرني أن الأعمار بيد الله. أجوبته دائما مقتضبة .ينصحني بالصمت .ويحكي لي دوما قصة "الثرثار ومحب الاختصار". انتشلني من رحلتي صوت الأستاذ وهو يسألنا عن فوائد الأشجار ..عدت مسرعا أتحسس جيوبي متأكدا من وجودي كراتي . كتب الأستاذ الجواب من تلقاء نفسه ، وشرع التلاميذ في نقله.وجدتني أنتشي بكراتي . ألمسها .أحركها داخل جيبي .كنت أتقن رميها عاليا ثم أمسكها دون أن تسقط .لم ينتصر علي أحد من قبل.الساحة الممتدة تغريني باللعب أرمي الكرة عاليا أتابعها بعينيي ، تبتعد ، وتعلو وإذا بها تختفي .أنقل بصري بين أرجاء الساحة باحثا عنها. لا تتراءى لي سوى زرقة السماء ، وبعض الغيوم القليلة وهي تسرع . خيل ألي أنها التهمت كرتي وانصرفت .صرخت صرخة عالية .شيء صلب يرتطم بخدي. أهي كرتي تخذلني؟ .زملائي يضحكون .اليد الخشنة تحملني بعيدا خارج الفصل .دموعي تنهمر .أتحسس جيوبي .ضاعت مني كرتي .


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الدكتورة بديعة: أستاذة باحثة من المغرب

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى