مترجم التبغ
حين انطفأ ضوء الكهرباء للمرة الرابعة، مدّ حسن يده إلى علبة الثقاب. أشعل شمعة قصيرة، نصف مذابة، ووضعها فوق غلاف رواية الطاعون. لم تكن له رفوف للكتب؛ الكتب متناثرة في كل زاوية من الغرفة التي يحاول (…)
حين انطفأ ضوء الكهرباء للمرة الرابعة، مدّ حسن يده إلى علبة الثقاب. أشعل شمعة قصيرة، نصف مذابة، ووضعها فوق غلاف رواية الطاعون. لم تكن له رفوف للكتب؛ الكتب متناثرة في كل زاوية من الغرفة التي يحاول (…)
لم يكن هناك وقت. أقصد، لم يكن للوقت معنى. الساعة بلا ثقل، والهواء يُصفر من فراغه كأن المدينة تئن من حلم ثقيل. كنتُ جالسًا في مقهى لا أتذكر اسمه، على رصيف يُشبه مقطعًا محذوفًا من ذاكرة أحدهم. (…)
تصادف أنني رأيت عينين واسعتين، لا تنكسران من أنوثة قدر ما تغدقان علي الجالس إليهما شعورا حادا بالقوة والوضوح، كأنهما حقيقة ظهرت فجأة لا تقبل الجدل أو الشك. عن هاتين العينين كتب شاعر في مقتبل (…)
لم تكن الزنزانة التي تحمل الرقم (١٣) في سِجِلّ سجن الرملة سوى فم إسمنتي مفتوح على ظلام أبدي. جدرانها الرطبة تتصبّب عرقًا باردًا كأنها شربت من دموع من سبقوها. سقف رمادي مقيت منخفض يوشك أنْ يهبط (…)
في المدينةِ التي تشهقُ رمادًا، كانت النوافذُ بلا عيون، والجدرانُ بلا قلوب، والشوارعُ لا تعرفُ وقعَ الخطى. مرّ ياسين كأنّه أثرٌ يمشي، أو ذاكرةٌ تبحثُ عن جسدٍ يُعيدُها إلى الحياة. يثقلُ جسدَه (…)
تجمعنا نتفقد أحوال الناس بعد القصف، ركام ودمار، جثث مترامية، وجرحى كذلك، قسمنا أنفسنا، بعضنا تبرع بنقل الجرحى إلى المستشفى، وبعضنا ارتأى أن نبحث عن شهداء آخرين تحت الأنقاض، لمحنا فتحة صغيرة، نظرنا (…)
المطر لا يتوقف. المحطة ساكنة. الصمت المبلَّل. أصوات نقرات الماء على الأرض. نوافذ ضبابية تُخفي وتُظهر وتُخفي. سامي واقف، عيناه على الساعة. الوقت يتلاشى، يتشظّى. القطار؟ غائب. تأخير؟ لا خبر. كل (…)